التوحيد
الألوهية
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
غير محدد
1-تناسق الكون دليل وحدانية الله. 2- توحيد الربوبية يستلزم بتوحيد الألوهية. 3- توحيد
الألوهية دعوة الرسل والأنبياء. 4- أنواع العبادة مطلوبة في الموحد. 5- الحاكمية.
أما بعد: أيها الناس:
فاتقوا الله الذي عظمت قدرته وتجلت حكمته في هذا الخلق ، فقد اتجهت إرادة الله تعالى إلى هذا الوجود فأوجدته ، وأودعه سبحانه قوانينه التي يتحرك بها ، والتي تتناسق حركة أجزاءه فيما بينها كما تتناسق حركته الكلية سواء بسواء ، ليكون هذا دليلا على وجود الله تعالى ووحدانيته وإفراده بالعبودية ، فكان ذلك بيانا للناس وبلاغا.. هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب.
وإذا كان الخلق كله لله سبحانه وتعالى ، فينبغي بداهة أن يكون الأمر كله لله إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر.
وبهذا يترتب توحيد الألوهية على توحيد الربوبية ، كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية ، كما سبق الحديث عن ذلك في خطبة سابقة.
لنتابع الكلام اليوم على توحيد الألوهية، ويقال له أيضا: توحيد العبودية..وهو إفراد الله تعالى وحده بالعبادة ، بمعنى أن يعبد الله وحده لا يشرك معه بعبادته أحد من خلقه ، لأنه وحده المستحق لأن يعبد. وهذا التوحيد مبني على إخلاص العمل كله والتوجه به لله سبحانه وتعالى.
وهذا التوحيد: هو أول الدين وآخره ، وباطنه وظاهره ، وهو أول دعوة الرسل وآخرها ، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا إلى أممهم بهذه الدعوة وهذا التوحيد فقد قال الله تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ، وقال عن هود عليه السلام: وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
وتكررت هذه الكلمة الطيبة على لسان أنبياء الله تعالى جميعا ، فقد ذكرها الله تعالى قاعدة عامة في دعوة جميع الرسل: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا (ثم أمر) فاعبدون ثم أمر الله تعالى نبينا محمدا بها فقال: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين.
وعندما بعث النبي معاذا قال له: (( إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.... ) ).
ولأهمية هذا النوع من التوحيد ، ولأنه هو لب دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ولأن نزاع المشركين إنما كان فيه لهذا كله جاءت العناية به في القرآن الكريم. فما من سورة إلا وقد جاء الحديث فيها عن هذا التوحيد نصا أو دلالة ، وسلك القرآن الكريم في بيان ذلك مسالك شتى ، فهو قد أمر به ، ثم ناقش شبهات المشركين ورد عليهم ، ومن خلال ذلك رسم الصورة الصحيحة الصادقة للتوحيد ، ثم ذكر الله تعالى في كتابه ما أعده لعباده المؤمنين من صور النعيم والثواب في الجنة لمن يحقق هذا التوحيد ، وبالمقابل رسم صورة قاتمة للعذاب الأليم الذي ينتظر من يخالف التوحيد.
وأما تحقيق هذا التوحيد فإنه يكون بالتوجه لله تعالى وحده وإفراده بكل أنواع العبادة ، والبراءة من كل ما يعبد من دون الله.
ولكي يكون المسلم حريصا على هذا التوحيد ينبغي أن يعلم أن الله تعالى قد جعل العبادة أنواعا كلها ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى وحده:
فهناك عبادات اعتقادية ، وأساسها أن تعتقد أن الله تعالى هو الرب الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، له الخلق والأمر ، وبيده الضر والنفع ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، وأنه لا معبود بحق غيره ، وقد سبقت الدلائل على ذلك في الخطبة الماضية.
عبادات قلبية وهو التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله تعالى وحده ، فمنها المحبة التي لا تصلح إلا لله وحده ، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في المحبة التي لا تصلح إلا لله فهو مشرك، والله تعالى يقول: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله. ومنها التوكل ، فلا يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. ومنها الخوف من إصابة مكروه أو ضر من أحد فإن الخوف والرهبة لا تكون إلا من الله تعالى فقد قال فإياي فارهبون وإن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو ، ومنها الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، كمن يدعو الأموات أو غيرهم راجيا حصول مطلبه من جهتهم إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله.
عبادات لفظية وهي النطق بكلمة التوحيد فمن اعتقدها ولم ينطق بها لم يحقق توحيده ولم يحقن دمه ولا ماله ، وقد قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا أشهد.. ) ).
ومنها عبادات بدنية: كالصلاة والركوع والسجود ، فهذا كله لا يكون إلا الله تعالى: فصل ربك وانحر يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ، ومنها الصوم والحج والطواف ، حيث لا طواف إلا بالبيت العتيق وليطَّوفوا بالبيت العتيق.
عبادات مالية كإخراج جزء من المال زكاة أو صدقة امتثالا لأمر الله تعالى ، لو نستقصي الأمثلة لكل ما يدخل تحت هذه الأنواع الخمسة ، وإلا فهناك أيضا الدعاء فلا يقدر عليه إلا الله سواء ( كات طلبا للشفاعة) أو غيرها ، وهناك النذر والذبح فلا يكونان إلا لله ، والاستعاذة لا تكون إلا بالله... وغيرها كثير.
فيا أخي المسلم: هذا هو سبيل النجاة وطريق الفوز فتمسك به واحذر الشيطان ووسوسته وحذار أن تستهين بأمر مما سبق ، فإن الإنسان قد يزل فيقع في الشرك وهو لا يدري.
اللهم احفظ لهذه الأمة دينها وعقيدتها ، وقها شر أعدائها وأيقظ القلوب من الغفلة عما يراد بها يا رب العالمين.
إن العبادات هي التلقي من الله في كل شأن من شؤون الحياة ، وكما نتلقى من الله شعائر التعبد، فنعبده سبحانه وتعالى بما تعبدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج ، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا أي الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة والكبيرة سواء ، لأن الله (تعالى تعبدنا) بتنفيذ شريعة كما تعبدنا بالصلاة والزكاة ، واعتبر التوجه في هذه أو تلك لغير الله شركا ، وقال عن الذين يفعلون ذلك ، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. ووصف سبحانه عن المشركين بأنهم آذوا الله لأنهم سجدوا لغيره وعبدوا آلهة من دونه وحرموا وحللوا لأنفسهم من دون الله.
وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
لم ترد.