سيرة وتاريخ
تراجم
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-أهمية مطالعة سير الماضين. 2- فضل الصحابة رضي الله عنهم. 3- شيء من ترجمة أبي بكر وسيرته. 4- فضائل أبي بكر رضي الله عنه. 5- دروس وعبر من سيرة أبي بكر رضي الله عنه.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وأصلحوا قلوبكم وأعمالكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.
عباد الله، قراءة التاريخ والتعرف على أحوال الماضين يورث الإنسان عزة ومهابة، ويكسبه إن كان عاقلًا صلاحًا في الحياة الدنيا ويوم القيامة، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى.
وفي تاريخنا الطويل من بعثة نبينا محمد إلى عصرنا الحاضر عبر ودروس في أحداث الزمان وسير العظماء.
وأول ما يتجه إليه النظر في هذا التاريخ الطويل سيرة أصحاب النبي ، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم الهداة المهتدون الذين عرفوا الحق وبه كانوا يعملون، لم يأت ولن يأتيَ مثلهم في الناس، وهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله، لهم من الفضائل ما ليس لغيرهم، ولهم من السبق والإيمان ما لو وزن بإيمان أهل الأرض لوزنهم، فالواجب على المؤمنين محبتهم واحترامهم ومعرفة فضلهم وسبقهم والاستغفار لهم، وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ.
وإن من أجلّ هؤلاء وأعظمهم وأقربهم من رسول الله منزلة صاحبه وخليفته أبو بكر عبد الله بن قحافة التميمي القرشي، أول من أسلم من الرجال، ولد بعد رسول الله بعامين وأشهر، وكان أبيض نحيفًا، خفيف العارضين، قليل اللحم، ناتئ الجبهة، كثير الشعر، وكان يخضب بالحناء والكتم.
كان في جاهليته أعلم الناس بالأنساب وفيما كان في قريش من خير أو شر، وكان تاجرًا، وصاحب خلق ومعروف، يألف ويؤلف، وكان صاحب رأي ومشورة، لم يشرب الخمر في الجاهلية ولا في الإسلام، بل قد حرمها في جاهليته.
ولم يسجد لصنم، يقول لما ناهزت الاحتلام أخذني أبو قحافة إلى الأصنام، فقال: هذه آلهتك، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، إني عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه.
ولما بعث رسول الله ودعا الناس إلى الإسلام كان أولهم إسلامًا أبو بكر، ففي صحيح مسلم أن عمرو بن عبسة سأل رسول الله في أول البعثة: من معك في هذا الأمر؟ قال: (( حر وعبد ) )، وليس معه إلا أبو بكر وبلال.
ولما أسلم جعل من نفسه داعية إلى دين الله، فدعا من يجلس عنده، فأسلم معه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم.
واشتدّ أذى المشركين له لما أسلم ليصرفوه عن دين الله، فخرج يريد الهجرة إلى الحبشة، فلقيه رجل من سادات العرب فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض، فقال: مثلك لا يُخرج ولا يَخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فأرجعه إلى مكة في جواره، ووافقته قريش على ذلك.
وهاجر مع رسول الله إلى المدينة، ومكثا في الغار ثلاثة أيام، وطلبهما المشركون فلم يجدوهما، وقال رسول الله لأبي بكر: (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا ) ).
شهد المشاهد كلها مع رسول الله ، وبعثه رسول الله في بعض السرايا لقتال أهل نجد من المشركين، وكانت معه راية رسول الله في غزوة تبوك، ولم يفرَّ في غزوة حنين، بل ثبت مع من ثبت حتى جاء نصر الله، واستعمله رسول الله سنة تسع أميرًا على الحج.
ولما اشتد برسول الله المرض أمره أن يصلي بالناس فصلى بهم. ولما توفي رسول الله كان أثبت الصحابة جأشًا وأقواهم عزيمة، فخطب خطبة بيّن فيها وفاة رسول الله ، وأن الله ناصر دينه. واجتمع الصحابة لاختيار الخليفة، فرضوا بأبي بكر ، وبايعه الصحابة جميعًا، فكان أول عمل قام به إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وقتال المرتدين.
ولما مرض مرض الموت استخلف على الناس عمر بن الخطاب، وأوصى أن يرد ما عنده من المال إلى الخليفة بعده، فوجدوا عبدًا وناضحًا وقطيفة جردة، فبعثوا بها إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.
وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، ودفن إلى جنب رسول الله.
وله من الفضائل والمناقب ما لم يكن لأحد بعده، فهو أول من أسلم من الرجال، وهو أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء، ويدعى من أبواب الجنة كلها، وكان رسول الله يثني عليه دائمًا ويقول: (( جئت أنا وأبو بكر وعمر ) )، ويقول: (( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر ) )، وقال: (( سدوا كل باب على المسجد إلا باب أبي بكر ) )، وهو أحب الناس إلى رسول الله ، وقال علي: (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ) )، وهو الذي جمع القرآن لما خاف موت القراء، وكان رجلًا خاشعًا لا يكاد يسمع له صوت من البكاء، وهو أكثر الناس ورعًا وخوفًا وزهدًا في هذه الحياة الدنيا، رضي الله عنه وأرضاه.
وبعد: فهذه بعض سيرة خليفة رسول الله ، حوت من الفضائل والعبر ما لم تحوهِ سيرة رجل بعد الأنبياء، فأين المقتدون به السائرون على نهجه وسيرته؟!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، والزموا طريق السلف الصالح تفلحوا.
عباد الله، في سيرة أبي بكر عدد من العبر منها:
1-تقديمه محبة الله ورسوله على محبة كل أحد حتى على نفسه، فلقد تصدق بماله كله لنصرة دين الله، وهكذا يكون المؤمن حقًا.
2-بذله ماله ونفسه في سبيل الله تعالى.
3-دعوته إلى دين الله، فقد دعا بلسانه وماله، وجعل من نفسه قدوة يقتدى به في الخير، فلم يخالف قوله فعله.
4-ورعه وزهده في متع هذه الحياة الفانية، وطلبه ما عند الله تعالى.
5-رباطة جأشه وثباته وقوته في دين الله، فإذا ثبت عنده الحق لم ينظر إلى ما سواه.
6-وكان صاحب خير ومعروف يوصله إلى عباد الله، فكان يقري الضيف، ويحمل الكل أي: المنقطع، ويكسب المعدوم أي: الفقير، ويعين على نوائب الدهر في المصائب العامة التي تصيب الناس.
7-ومن ذلك عبادته وبكاؤه عند ذكر الله، وهذه من أهم صفات المؤمنين، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فيا عبد الله، إن أردت خير الدنيا والآخرة فعليك بهؤلاء فاقتدِ بهم، ومن أحب قومًا حشر معهم، يقول أنس بن مالك قال رسول الله: (( المرء مع من أحب ) )، قال أنس: فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن يحشرني الله معهم.
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه...