فهرس الكتاب

الصفحة 5607 من 5777

تحريم سماع الأغاني

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-انتشار الغناء بين الناس. 2- أدلة تحريم الأغاني والمزامير. 3- بعض أحوال أهل الغناء. 4- استحلال الغناء في هذا الزمان. 5- مفاسد الغناء. 6- كلمات للقائمين على القنوات الفضائية الماجنة. 7- كلمة للقائمين على القنوات الفضائية الدعوية. 8- كلمة لعامة المسلمين.

أما بعد: فإن أعظم ما يَصُدُّ عن ذكر الله ويشغل العباد عن طاعة ربهم استماع الأغاني والمعازف على اختلاف أنواعها وتعدد أشكالها، تلك الأغاني المجونية المصحوبة بآلات اللهو والطرب والمعازف التي احتلت غالب بيوت المسلمين اليوم، وحاصرتها حصارًا شديدًا، وتغلغلت إلى قلوب ساكنيها إلا من رحمه الله وعصمه من ذلك. لقد فُتن بها أكثر الرجال والنساء الذين ضعف إيمانهم وخفت عقولهم، واقتدى بهم شباب الأمة من بنين وبنات، فشغلوا أوقاتهم وملؤوا أرجاء بيوتهم بأصوات الفاسقين والفاسقات من مغنين ومغنيات، والتي تُبَثُّ عبر الوسائل المختلفة من قريب أو بعيد، أو تسجّل على أشرطة مسموعة أو مرئية ومسموعة في نفس الوقت وتباع في الأسواق، وغَصَّتْ بها كثير من البيوت وأدراج السيارات، ولا يكاد يمرّ الشخص ببعض البيوت أو دكان أو ورشة أو سيارة أو نقطة مرور إلا ويسمع صوت الشيطان ودعاة الضلالة وفي جميع المتنزهات العامة، وأَخُصُّ سيارات الشباب المركّب عليها السماعات المُدَوِّيَة بالغناء المصحوب بآلات الطرب التي تَرُجُّ الأرضَ رَجًّا بما يفهمونه وبما لا يفهمونه ولا يعقلونه من أصوات أجنبية عنهم، ونسمعها أيضًا على الأرصفة وفي العربات التي تَجُرُّهَا الحَمِيرُ والبغالُ أو الدراجات النارية والعادية (الهوائية) ، وحتى جوار بيوت الله، ووصلت إلى أماكن بيع الخضار والفواكه وجميع الأسواق لِيُسْمِعُوا المشترين ما يغضب الله تعالى ويُسْخطه ويَصُدُّوا عن ذكر الله تعالى دون حياء أو خجل من ارتكاب المحرمات، ولا مُنْكِرَ عليهم في صنيعهم ذلك لكثرة العاملين من الوافدين الذين يعتبرون ذلك حلالًا لا غبار عليه حتى غدا المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، يمرّ المؤمن وهو أذلّ من النعجة لا يستطيع تغيير المنكر أو الأمر بالمعروف بسبب كثرة أهل الشر وقلة المناصرين للخير والعاملين به وتقصير الْمَنُوطِ بهم إنكار المنكر والأخذ على أيدي السفهاء.

إن شياطين الإنس والجن يروجون تجارة الشيطان وحزبه، ومن وراء ذلك الصحف والمجلات الماجنة التي تنفرد بشأن هؤلاء الفاسدين الفاسقين وتنشر أسماءهم وصورهم على صفحاتها وتريد إعادة التائبين إلى المجون والفجور وإلى ما يغضب رب العالمين، وكذلك الحال من قبل الإذاعة والتلفاز، يُعِيدُ القائمون عليها أغاني التائبين والعائدين إلى الله ليضلوا الناس وليشوهوا سمعة أولئك التائبين وكأنهم باقون على منكراتهم، ويعيدون أيضًا أغاني الأموات المسجلة بالصوت أو الصوت والصورة معًا كأنما يقدمون لهم رصيدًا من الحسنات مع أنها السيئات للأموات منهم وللأحياء الذين روّجوا تلك المنكرات عبر الشاشات والإذاعات، ومن كان هذا صنيعه فهو من دعاة الضلالة الذين يقودون الناس إلى الهاوية لتعريف الناس بهم وترويج بضاعتهم المنتنة العفنة الخبيثة، حتى لقد أصبح كثير من الشباب والكبار والرجال والنساء يعرفون عن هؤلاء المغنّين والمغنيات وأغنياتهم وحياتهم كل دقيق وجليل، وحفظوا شعرهم ومقالاتهم الخبيثة، ويعرفون مواقيت بث تلك الأغاني آناء الليل وأطراف النهار، ولو سُئِلَ أحدُهم عن معنى"لا إله إلا الله"لَوَقَفَ حائرًا وقال: لا أدري، ولو سئل عن أوقات الصلوات لقال: لا أدري، ولو سئل عن اسم صحابي وعن حياته لقال: لا أدري، ولو اخْتُبِرَ عن حفظه لسورة من قصار السور من القرآن الكريم لَتَلَكَّأَ فيها كثيرًا إِنْ لم يكن غير عالم بها وحافظ لها، وكيف يدري ومن أين له أن يدري وهِمَّتُهُ متجهة لِضِدِّ ذلك وهو سماع الأغاني عبر التلفاز والمذياع وغيرهما مما يجده مسجلًا على أشرطة تباع أو تهدى له؟! وبئست الهدية هدية الضلالة.

أيها المسلمون، من كان في شك من تحريم الأغاني المتعارف عليها الآن والموسيقى والمعازف وجميع آلات الطرب فَلْيُزِلِ الشك باليقين من قول رب العالمين وقول الرسول الأمين في تحريمها وبيان أضرارها، فهناك النصوص المتعددة من الكتاب والسنة التي تدلّ على تحريم الأغاني والوعيد لمن استحلّ ذلك أو أصرّ عليه، والمؤمن يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو صحيح سنة رسول الله ، فإذا تعددت الأدلة على ذلك كانت أوضح وأبين وأدحض لحجج المخالفين وأقوال المخادعين مرضى القلوب والمرجفين، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـ?لًا مُّبِينًا [الأحزاب: 36] .

الدليل الأول: قول الله تعالى في خطابه لإبليس عدو الله تعالى وعدو المؤمنين: وَ?سْتَفْزِزْ مَنِ ?سْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ?لأمْو?لِ وَ?لأولَـ?دِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ إِلاَّ غُرُورًا إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـ?نٌ وَكَفَى? بِرَبّكَ وَكِيلًا [الإسراء: 65،64] .

قال مجاهد عن ابن عباس حبر الأمة رضي الله عنهما قال عن استفزاز الشيطان بصوته: (إنه الغناء والمزامير واللهو) ، وقال الضحاك أيضًا:"صوت الشيطان في هذه الآية هو صوت المزمار". إذًا يكفي الغناء والمزمار قبحًا وتحريمًا أن يكونا عُدَّةً للشيطان وعَتَادًا له؛ لِيُغْرِيَ بهما عباد الله على الفساد والفسق والعصيان، ويفتنهم بهما عن عبادة الله ويصدهم عن سبيله.

الدليل الثاني: قال تعالى: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ?لْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَـ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ ءايَـ?تُنَا وَلَّى? مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ لقمان: 6، 7] .

قال أكثر المفسرين: المراد بلهو الحديث في هذه الآية الغناء، وحلف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حلف بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات على أن المراد بلهو الحديث في هذه الآية الغناء.

وأورد حديثًا صحيحًا واحدًا رواه الإمام البخاري رحمه الله، وأكتفي به وبِشَرْحِ بعض ألفاظه نظرًا لضيق المقام في الخطبة، ولأن من يتلذذ بسماع الأغاني الساعات الطويلة يكره إشباع موضوع الخطبة ولا يأتي لها إلا متأخرًا، وربما في آخر صلاة الجمعة؛ لأنه لا يريد سماع كلام الله وكلام رسوله ، وجَهِلَ الحكمة من خطبة الجمعة وصلاتها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونسأل الله تعالى أن يهدي ضَالَّ المسلمين وأن يثبت قلوبنا على دينه، إنه نعم المولى ونعم النصير. ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب"إغاثة اللهفان"لابن قيم الجوزية رحمه الله وكتاب لأبي بكر الجزائري وفقه الله، وكذلك لابن رجب رحمه الله وغيرهم حول الأغاني.

فأما الحديث فهو الدليل الثالث: عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: (( لَيَكُونَنَّ من أمتي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ والْحَرِيرَ والخمرَ والْمَعَازِفَ ) )رواه البخاري.

فالمراد بالحر: الفرج، والمعنى أنهم يستحلون الزنا، ومعلوم تحريم الزنا، ولا ينكر ذلك أحد من المسلمين، والحرير معلوم تحريمه، وقد سبق ذكر بعض الأحاديث الدالة على تحريمه على الرجال في خطبة سابقة، والخمر كذلك يعلم تحريمها كل مسلم، وبقي شيء يجهله أو يتجاهله أو يعرف عنه وعن حكمه كثير من المسلمين، ألا وهو آخر كلمة في الحديث الشريف وهي لفظة (( المعازف ) )، فالمراد بالمعازف آلات اللهو والطَّرَبِ من طَبْلٍ وطنْبُورٍ وعُودٍ وقِيثَارَةٍ وغيرها من آلات الملاهي.

ودلالة هذا الحديث الصحيح على تحريم الغناء دلالة قطعية لا شك فيها؛ لأنها قُرِنَتْ بالحرير والخمر والزنا، ولأن وجه الدلالة على الحرمة بداية الحديث وهو قوله: (( يستحلّون ) )، ومن المعلوم أنه لا يكون استحلال الشيء لشيء مباح، وإنما يكون لشيء محرم قطعًا، فبدأ بذكر استحلالهم للمحرمات الأربع الواردة في الحديث، ولو لم تكن هذه الأشياء محرمة لما كان لقوله: (( يستحلّون ) )من معنى يُذْكَرُ، والأمر واضح لا يخفى على من أنار الله بصيرته.

وفي الحديث معجزة نبوية يخبر عنها رسول الله قبل وقوعها، وها هي واقعة ومشاهدة ومسموعة للجميع، وهي إِخْبَارُهُ عليه الصلاة والسلام بقوله المؤكَّد باللام وبالنون المشددة المؤكّدة بأنهم ينتسبون إلى أمته وهي قوله في مطلع الحديث: (( لَيَكُونَنَّ من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) )، صدق رسول الله الذي قال عنه تبارك وتعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ?لْهَوَى? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? [النجم: 3، 4] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده عز وجل وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فمن مفاسد استماع الأغاني: إفساد القلوب وإنبات النفاق فيها كما ينبت الماءُ العشبَ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماءُ البقلَ) .

ومن مفاسد الأغاني: أنها تمحو من القلب محبة القرآن الكريم كلام رب العالمين؛ لأنه لا يجتمع قرآن الرحمن ووحي الشيطان في قلب مؤمن، ولا بد أنْ يُخْرِجَ أحدُهما الآخرَ، ويعلم ذلك الْمُولَعُونَ باستماع الأغاني أو ممارستها متى أخذ أحدهم القرآن الكريم ليقرأ فيه سورة أو آية من كتاب الله حيث الحرف بعشر حسنات ويستطيع أن يكسب مئات الآلاف من الحسنات في ساعة من يومه، مع أن بعضهم لا يتلو القرآن إلا في رمضان وقد لا يتلوه في حياته مرة واحدة، وأنّى له ذلك وقد استبدل به كلام الشيطان وأتباعه، ويعرف أحدهم مرض قلبه ونفسه لو أنصف من نفسه عندما يقرأ الإمام في ركعةِ صلاةٍ من الصلوات سورةً من قصار السور أو يقسمها في ركعتين كيف يستثقل الصلاة ويكره أن يأتي مرة أخرى ويصلي خلف ذلك الإمام لأنه أطال عليه، ولا يريد أن يقف عشر دقائق بين يدي ربه، مع أنه يجلس ويستمع إلى الأغاني في الليل والنهار ساعاتٍ طوالًا لا يملّ من ذلك، وأعجب من ذلك أن بعضهم لا يأتي إلى الجمعة إلا في آخر الخطبة ولم يسمع منها إلا يسيرًا ولم يستفد منها شيئًا ولا تأتي إلا بعد أسبوع كامل ثم يقول ما يقول في الخطيب من الانتقادات والكلام الفارغ، وهذا هو مكسبه وحصيلته من الجمعة، والله يجزيه بما يستحق.

ومفاسد الأغاني كثيرة، ومن أعظمها: أنها دعوة إلى الزنا وترغيب فيه، وهي رقية الزنا، فالمغنون يحرصون على إِسْمَاعِ الناس الأغاني التي فيها وصف محاسن المرأة وقصص الحب والغرام والعشق والمجون وأشعار الغزل التي فيها وصف الخدود والقدود والثغور والنحور والحواجب والعيون وما في معنى ذلك مما يثير الْوَجْدَ والهوى. ومما هو معلوم في دين الإسلام بالضرورة أن الله تعالى إذا حرّم شيئًا حرّم كل أسبابه ودواعيه، فهو تعالى حرم الزنا، وحرم كل ما يؤدي إلى الزنا، ومنه ذلك الاختلاط والسفور والخلوة بالمرأة الأجنبية والأغاني والصور وسفر المرأة بدون محرم وغير ذلك من الأسباب المفضية إلى الزنا وكل مقدماته أيضًا من نظرٍ وخضوعٍ بالقول ومصافحةٍ وتقبيلٍ وغير ذلك. والقاعدة الشرعية تقول: كل ما أدى إلى حرام فهو حرام.

وهذا الدليل الرابع: حديث من مشكاة النبوة ومن معجزات رسولنا محمد حيث أخبر بأنه سوف يحصل في أمته عليه الصلاة والسلام باستحلالهم ذلك وبنزول أقوام على جنب علَم وهو الجبل أو في قمته يأتيهم صاحب حاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا فيهلكهم الله تعالى ويضع الجبل عليهم ويمسخ آخرين من هذه الأمة قردة وخنازير، وهذا المسخ قد يكون مسخًا حقيقيًا، وقد يكون مسخًا معنويًا بحيث تكون فيهم طباع القردة والخنازير من الزنا والدياثة وغير ذلك من طباع تلك الحيوانات، والله أعلم.

قال رسول الله: (( ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح بسارحة لهم ويأتيهم ـ يعني الفقير ـ لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ الله ويضع العَلَمَ ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) )رواه البخاري رحمه الله.

والدليل الخامس: عن سهل بن سعد أن رسول الله قال: (( سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ) )، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: (( إذا ظهرت المعازفُ والْقَيْنَاتُ ) )رواه ابن ماجة والطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

فيا أمة محمد ، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فطهروا بيوتكم ودكاكينكم وأسواقكم وسياراتكم ومدارسكم وجميع إداراتكم وكل ما استرعاكم الله عليه من تلك الأغاني والمعازف، وتلك الرعاية أمانة في أعناقكم، وسوف تسألون عنها يوم الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى كما قال عز وجل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ ?للَّهُ نَفْسَهُ وَ?للَّهُ رَءوفُ بِ?لْعِبَادِ [آل عمران: 30] . وعلينا جميعًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي السفهاء كل بقدر استطاعته، أما أنْ يَسْتَأْسِدَ أَهْلُ الشر والعصيان وتَقْوَى شَوْكَتُهُمْ وتظهر منكراتهم بأعلى الأصوات من غير خجل ولا حياء ولا خوف من الله عز وجل فإن العقوبة من الله عز وجل سوف تعمّنا جميعًا إن نحن سكتنا على ذلك وغيره، قال تعالى: وَ?تَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ [الأنفال: 25] .

فلا بد من الأخذ على أيدي السفهاء الذين يريدون أن يغير الله علينا النعم ويسلبها منا جزاء ما يقترفونه وجزاء سكوتنا وذِلَّتِنَا وعدم إنكارنا للمنكر وإعلاننا لذلك مثل إعلانهم له أو أشد، وقد يرتفع نباح المغنية ويبلغ صوتها بالغناء والطرب والفحش عنان السماء إلى آخر ساعة من الليل ويَقُضُّ مضاجع النائمين والمستغفرين والمرضى وغيرهم من الجيران، ويزعجهم ويقلقهم ويعكر عليهم صَفْوَ حياتهم تلك الليلة التي تُبدأ في حفل ذلك الزواج بمبارزة رب العالمين رب السماوات والأرض وما بينهما بالمعاصي والخلاعة والمجون، فكيف يُرْجَى ويؤمل من توفيق وسداد في مثل هذه الأفراح المملوءة بالمنكرات؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإن كان الغناء من الرجال محرمًا في حالة طبيعية وعادية، فماذا يكون حكمه إذا كان من مغنية بمكبرات الصوت تصل إلى عشرات الكيلومترات إلى ما قبل صلاة الفجر؟! وفوق ذلك أذيتها لعباد الله من المسلمين في نفس الحي وما جاوره من أحياء حيث يدخل صوتُها إلى داخل كل بيت بما يندى له جبين كل غيور ويحتار معه كل عاقل ولبيب، ويخشى العواقب المؤلمة إذا اقتدى بهم غيرهم وانتشر الشر وعَمَّ الفساد.

فاتقوا الله عباد الله، وكونوا يدًا واحدة ضد المنكرات؛ لئلا يستفحل شر أهل الباطل، ولئلا يحل بنا ما حل بغيرنا من الأمم الحاضرة والسابقة، ولنأخذ العبرة ممن حولنا قبل أن تحيط بنا أعمالنا وأعمال غيرنا، وعندها نعض أصابع الندم ولات ساعة مندم. ولا يكفي بأن نتألم ساعة وجود المنكرات أو تتغير وجوهُنا وتَتَمَعَّر ثم لا نُنْكِر ولا نقوم بأي عمل يُذكر ولا نتخذ الإجراءات الكفيلة بردع أهل الزيغ والفساد. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11] ، ذ?لِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال: 53] ، ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: 131] .

وأتمنى وأوجه دعوةً ونداءً في الوقت نفسِه للمنتسبين للإسلام أصحاب عشرات القنوات الفضائية التي تبث كل ما يدعو للفاحشة وإثارة الشهوات ودَغْدَغَةِ الغرائز سواء بالأغاني والمجون أو بالوسائل الأخرى التي تثير كَوَامِنَ الشهوات في النفوس وتدعو إلى الفجور والفسوق والعصيان، أدعوهم وأرجو أن تصل هذه الدعوة إليهم بأي وسيلة وعن طريق أي شخص:

الدعوة أولًا: إلى أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم ويرحموها ويتفكروا هل يستطيع أحدهم ممن يملك المليارات إذا مات أن يأخذ درهمًا أو دينارًا معه في قبره، فضلًا عن الآخرة يوم العرض الأكبر يوم القيامة يوم الجزاء والحساب حيث لا يوجد هناك إلا الحسنات والسيئات ولا وجود للدراهم والريالات. إذًا عليهم أن يستعدوا لذلك اليوم العسير، لا يكونوا فقراء ضعفاء بعكس ما كانوا عليه في الدنيا، عليهم أن يقوموا بتخزين الأرصدة لهم في الآخرة بدلًا من الدنيا، وذلك بإنفاق كثير من فضول أموالهم في طرق الخير وكسب الثواب حتى يحوزوا على الأرصدة العظيمة من الحسنات؛ لكي تنقذهم بإذن الله في الآخرة. عليهم الإنفاق من فضول الأموال وليس من الزكاة، فالزكاة ركن من أركان الإسلام لا بد أن يقوموا بها ويؤدوها للأصناف الثمانية، عليهم أن يتلمّسوا حاجات الفقراء والمساكين من المسلمين ويؤمّنوها ويسدّدوا الديون عن المدينين ويتجاوزوا عن المعسرين حتى يتجاوز الله عنهم يوم القيامة.

ودعوتي الثانية لهم: إغلاق تلك القنوات التي لن تأتي لهم إلا بالسيئات، وتحويلها إلى قنوات تدعو إلى الفضائل لتجلب لهم الحسنات بدلًا من السيئات، وكيف يكون ذلك؟ هو بإعطائها لتلك القنوات الخجولة التي لم تستطع الوقوف على أرجلها والقائمة على حساب طبقة لا تكاد تجد مصاريفها الشهرية، ولكنها قامت بالاشتراك السنوي فيها تدعيمًا لها وللدعوة إلى الله، ومنها قنوات المجد التي لم تصل إلى أكثر المسلمين في بلاد الحرمين فضلًا عن الدول الأخرى، أو تلك القنوات التي تبث القرآن والإسلام ولكن عن طريق التسجيل ومن ثم البث لا عن طريق الشبكة وغيرها لأنها لا تستطيع إيجاد المباني والأستديوهات والتجهيزات الأخرى للبث المباشر وكل ما يتعلق بذلك.

الدعوة الثالثة: هي التفكير والتأمّل بكل تَجَرُّدٍ وصدقٍ وأمانةٍ: هل يرضى أحد من أصحاب تلك القنوات لزوجته أو بنته أو أخته أو أمه أو إحدى قريباته أن تمارس تلك الأعمال المشينة التي تعرض على الملايين طوال ساعات الليل والنهار؟! إذا كان لا يرضى ذلك أي غيور منهم على عرضه فهل يرضى أن يرى النساء من قرابته ممن ذكرت سابقًا أو من الذكور هل يرضى أن يشاهدوا تلك القنوات التي تبثّ الفواحش والفجور وتنشرها للعالم أجمع حتى تصل إلى كل بيت لإشاعة الرذيلة والقضاء على كل فضيلة وانتشار الأوبئة والأمراض وهَتْك الأعراض في المجتمعات وخاصة بين المسلمين في جميع بقاع الأرض حتى ينسلخوا من إسلامهم؟! إذا كان لا يرضى هذه الأفعالَ الشنيعةَ صاحبُ أيِّ قناةٍ من المسلمين فهل تتحرك لديهم الغيرة على أعراضهم وأعراض المسلمين وعلى إسلامهم ويَهُبُّوا غَيْرَةً لله ويُوقِفُوا عشرات القنوات بكل تجهيزاتها للدعوة إلى الله ونشر الإسلام وتعاليمه السمحة حتى يكتب الله لهم رِفْعَةَ الدرجات وكثرة الحسنات والعتق من النيران والفوز بالجنة إن شاء الله تعالى؟!

إن الأمل كبير في استيقاظ همم أولئك الرجال المنتسبين للإسلام وتحريك الغيرة فيهم واستنهاضهم للقيام ببعض ما أوجب الله عليهم في أموالهم وتوجيهها الوجهة الصحيحة لخدمة الإسلام والمسلمين وخدمة أنفسهم أولًا وأخيرًا وإنقاذها من رِبْقَةِ الهوى وشياطين الإنس والجن الذين أوقعوا المسلمين في طرق الغواية والضلال، إنا لنرجو أن يربؤوا بأنفسهم عن كل ما يشيع الفاحشة في المجتمعات جميعها وفي مجتمعات المسلمين خاصة، وإنهم لن يرضوا على أنفسهم أن يكونوا مَعَاوِلَ هَدْمٍ للفضيلة وإشاعة الرذائل والدياثة في المجتمعات جميعها، فضلًا عن أن يرضوها للمسلمين والمسلمات أو في خَاصَّةِ أنفسِهم، خاصَّةً وهم يعلمون قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور: 19] ، والحديث الشريف: (( لا يدخل الجنة ديوث ) ). والديوث هو الذي يقرّ الفاحشة في أهله أو يرضى بها.

إن باب التوبة مفتوح، ولا أحد من المخلوقات يستطيع أن يمنع أحدًا من البشر من دخول هذا الباب متى أراد الشخص وفي أي وقت من الأوقات، ولكن قبل خروج الروح قبل الغرغرة ومفاجأة الأجل، فمن رحمة الله بعباده أن فتح لهم هذا الباب العظيم للدخول منه، ويفرح ربنا عز وجل بتوبة العباد إذا تابوا وأنابوا، وفوق ذلك وبعد أن فتح لهم باب الرجاء والولوج منه يبدل سيئاتهم التي ارتكبوها حسنات، فالواجب المبادرة بالتوبة إلى الله جل جلاله، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف: 153] ، وقال سبحانه وبحمده: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70] .

والدعوة الرابعة: لأولئك القائمين على القنوات الخجولة الذين لم يفكروا في تأمين متطلبات القنوات ونشرهم للخير إلا على حساب أولئك المساكين، ولم يفكروا أنهم قد حرموا كثيرًا من الناس من هذا الخير، وحقًا إني أخاف عليهم من أن تنطبق عليهم الآيات التالية، وعليهم أن يفكروا طويلًا في ذلك ويحاولوا البحث عن طريق تمويل لمشروعاتهم غير هذه، ويطالبوا أصحاب المليارات من المسلمين بمساعدتهم ومساندتهم أو التكفل بتلك القنوات، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 159، 160] ، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: 174-176] ، وقال: (( من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) )رواه ابن حبان والحاكم، ورواه ابن ماجة بزيادةٍ وتعريفٍ للعلم المقصود وحصره في أمر الدين: (( من كتم علمًا مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) ).

والدعوة الخامسة: لعموم المسلمين للدلالة على الخير وطرقه والوقوف مع أصحاب تلك القنوات والقائمين عليها وعلى الشبكات والوسائل الحديثة التي توصل الدعوة إلى الله إلى كل بقعة في العالم، الوقوف بأي أسلوب مهما كان وبأي دعوة ومساندة، وأقل ما هناك هو الدعاء لهم، قال رسول الله: (( الدال على الخير كفاعله ) ).

وعليهم أن يُجَنِّبُوا أنفسهم وأهليهم ومن تحت أيديهم ومسؤوليتهم ويحذروهم من تلك القنوات التي تدعو إلى الفواحش وهي وسيلة إليها، أو تلك التي تبثُّها وتنشرها والتي لا تمارسها البهائم على مرأى من بعضها وتغار على بعضها من أن يراها أحد من البشر، ومنها الإبل حيث لو رأى جملٌ إنسانًا ينظر إليه وهو يمارس شهوته مع الناقة لأدرك ذلك الإنسانَ ولو بعد حِينٍ، وقضى عليه بأن يضربه حتى يضعه تحت بطنه ويبرك عليه حتى الموت، وهذه الغيرة في الحيوانات يجب أن لا تغيب عن البشر إن كان لا زال عند من ذهبت غيرته أدنى بصيرة وتفكير، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت