الرقاق والأخلاق والآداب
اغتنام الأوقات
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-اجتهاد الناس في أول الشهر. 2- ظاهرة الضعف والفتور. 3- أسباب الضعف والفتور.
أما بعدُ: فإنه ما يَبدَأُ شَهرُ رمضانَ المُباركِ حتى تَرَى المَسَاجِدَ بِالمُصَلِّينَ قَدِ امتَلأت، لا في الفَرَائِضِ وَالمَكتُوبَاتِ فَحَسَب، وَلَكِنْ في صلاةِ التَّرَاوِيحِ وَالقِيَامِ، وفي بِدَايَةِ ذَلِكَ الشَّهرِ المُبَارَكِ تُنفَضُ مَصَاحِفُ في بَعضِ البُيُوتِ قَد هُجِرَت، وَتُغتَنَمُ أَوقَاتٌ في تِلاوَةِ آيَاتِ الكِتَابِ العَزِيزِ، وَيُنفِقُ مُسلِمُونَ في تَفطِيرِ إِخوانِهِم، وَيَتَصَدَّقُونَ على بَعضِ مَن يَعرِفُونَ مِن فُقَرَائِهِم، وَتَنشَرِحُ صُدُورٌ وَتُسَرُّ نُفُوسٌ، وَيُحِسُّ الناسُ بِنَشوَةٍ وَسَعَادَةٍ وَيجِدُونَ نَشَاطًا عَجِيبًا، وَيَطعَمُونَ لِحَيَاتِهِم لَذَّةً وَيجِدُونَ لِعَيشِهِم نَكهَةً، حتى إِنَّكَ لَتُحِسُّ مِن أَحَدِهِم إِذَا لَقِيتَهُ في أَوَّلِ يَومٍ مِن الشَّهرِ فَرَحًا وَاضِحًا، يَكَادُ يَطِيرُ لَهُ مِن عَلى وَجهِ الأَرضِ، وَحُقَّ لَهُ ـ وَرَبِّ الكعبةِ ـ أَن يُسَرَّ وَيَطِيرَ فَرَحًا، وَمَا لَهُ لا يُسَرُّ وَقَد تَعَامَلَ مَعَ الكَرِيمِ الوَدُودِ؟! وَمَا له لا يَفرَحُ وَقَدِ اتَّصَلَ بِالرَّبِّ الخَالِقِ؟! قُلْ بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ.
وَتَمُرُّ أَيَّامُ الشَّهرِ الكَرِيمِ تِبَاعًا، وَتَتَتَابَعُ لِيَالِيهِ سِرَاعًا، فَتَرَى أَعدَادَ المُصَلِّينَ في صَلاةِ التَّرَاوِيحِ قَد تَنَاقَصَت، وَخُطَاهُم إلى المَسَاجِدِ قَد تَبَاطَأَت، وَصِلَتُهُم بِكِتَابِ رَبِّهِم قَد ضَعُفَت، وَأَيدِيهِم عَنِ الإِنفَاقِ قَد أَمسَكَت، لَقَد تَرَاجَعُوا وَضَعُفُوا، لَقَد أُصِيبُوا بِالفَترَةِ وَتَكَاسَلُوا، فَمَا أَسرَعَ مَا مَلُّوا مِنَ العَمَلِ وَكَلُّوا!
وَيَعُودُ الحَرِيصُ على إِخوَانِهِ المُهتَمُّ بِأَمرِهِم لِيَتَلَمَّسَ لِذَلِكَ سَبَبًا وَيَطلُبَ لَهُ بَاعِثًا، فَيَجِدُ لَهُ أَسبَابًا مُتَعَدِّدَةً وَيَكتَشِفُ بَوَاعِثَ كَثِيرَةً، وَقَبلَ تَعدَادِ بَعضِ تِلكَ الأَسبَابِ وَالإِشَارَةِ إلى شَيءٍ مِن أَولَئِكَ البَوَاعِثِ يَحسُنُ أَن نُذَكِّرَ بِمَا صَحَّ عنه أَنَّهُ قال: (( لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَترَةٌ، فَمَن كَانَت فَترَتُهُ إِلى سُنَّتي فَقَدِ اهتَدَى، وَمَن كَانَت فَترَتُهُ إلى غَيرِ ذَلِكَ فَقَد هَلَكَ ) ).
وَبَعدُ: أَيُّها الإِخوَةُ، فَإِنَّ هُنَالِكَ أُمُورًا لَو وَضَعَها كُلُّ مُسلِمٍ في ذِهنِهِ في بِدَايَةِ الشَّهرِ الكَرِيمِ ثم سَارَ عَلَيهَا بَعدَ ذَلِكَ وَاستَمَرَّ لما فَتَرَ عَنِ العَمَلِ وَلما تَرَاجَعَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَلما مَلَّ مِن عِبَادَةِ رَبِّهِ وَلما كَلَّ عَن طَاعَتِهِ، وَلَحَرِصَ عَلى الاستِكثَارِ ممَّا يُقَرِّبُهُ مِنَ المَولى تَبارَكَ وَتَعَالى.
أَولًا: الإِخلاصُ وَالاحتِسَابُ، فَلَو أَنَّ المَرءَ كُلَّمَا عَمِلَ عَمَلًا كان على احتِسَابٍ لِمَا فِيهِ مِن عَظِيمِ الأَجرِ وَكَبِيرِ الثَّوَابِ، لَو أَنَّهُ لم يَرفَع خطوةً ولم يَحُطَّ أُخرَى إِلاَّ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، لَو أَنَّهُ عَرَفَ مَعَ مَن يَتَعَامَلُ وَإلى مَن يَقصِدُ لما ضَعُفَ وَلما وَنى، وَلما تَكَاسَلَ وَلا فَتَرَ، وَلما مَلَّ وَلا كَلَّ، وَلَكِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن هُوَ مَعَ النَّاسِ، لا يُحَرِّكُهُ لِلعَمَلِ إِلاَّ التَّقلِيدُ، وَلا يَبعَثُهُ عَلى الاجتِهَادِ إِلاَّ مُتَابَعَةُ الآخَرِينَ وَمُجَارَاتُهُم، فَتَرَاهُ يَنشَطُ إِذَا نَشِطُوا وَيَجتَهِدُ إِذَا اجتَهَدُوا، فَإِذَا تَكَاسَلُوا كَانَ أَوَّلَ المُتَكَاسِلِينَ، وَمِن هُنَا فَإِنَّنا نُذَكِّرُ بِبَعضِ مَا جَاءَ في كِتابِ اللهِ تعالى وَصَحَّ عَن رَسُولِهِ مِنِ ارتِبَاطِ قَبُولِ العَمَلِ بِالإِخلاصِ للهِ فِيهِ، فَقَد قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ، وقال تعالى: أَلا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ ، وقال تبارك وتعالى: فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعمَلْ عَمَلًا صَالحًا وَلا يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ، وقال: (( إِنما الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنما لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ ) )، (( مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ ) )، (( مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ ) ). فَالعَمَلُ للهِ، وَالقَصدُ رِضَاهُ، وَالهَدَفُ جَنَّتُهُ، وَالغَايَةُ حُبُّهُ، فَلا تَقلِيدَ لآبَاءٍ وَلا مُجَارَاةَ لإِخوَانٍ، وَلا تَسمِيعَ لأَصحَابٍ وَلا مُرَاءَاةَ لأَقرَانٍ، وَلَكِنْ إِخلاصٌ وَنِيَّةٌ وَاحتِسَابٌ، وَتَصَوُّرٌ لِعَظِيمِ الأَجرِ واستِصحَابٌ لِكَبِيرِ الثَّوَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَسمَعُ حَادٍ وَأَقوَى دَافِعٍ للاستِمرَارِ لِمَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا.
ثَانِيًا: لِيَعلَمْ كُلُّ مُسلِمٌ يَرجُو مَا عِندَ اللهِ أَنَّ للهِ في رَمَضَانَ نَفَحَاتٍ، وَلَهُ في كُلِّ لَيلَةٍ وَيَومٍ مِنهُ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، قال: (( إِنَّ للهِ عِندَ كُلِّ فِطرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ في كُلِّ لَيلَةٍ ) )، وَلا يَدرِي العَبدُ متى يَكُونُ عِتقُ رَقَبَتِهِ، وَلا بِأَيِّ عَمَلٍ يَكُونُ فِكَاكُ نَفسِهِ مِنَ النَّارِ، فَلِمَاذَا الفُتُورُ وَالكَسَلُ؟! لِمَ الإِعرَاضُ عَنِ النَّفَحَاتِ الإِلهِيَّةِ والأُعطِيَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ؟! لماذا لا يَطلُبُ العَبدُ مَا يُعتِقُهُ وَيُخَلِّصُهُ؟! فَإِنَّهُ لا يَدرِي متى تُدرِكُهُ نَفحَةٌ مِن رَحمَةِ اللهِ، فَلَعَلَّهَا في لَيلَةٍ يَكُونُ قَد تَرَكَ فِيهَا صَلاةَ التَّرَاوِيحِ، أَو أَعرَضَ عَن كِتَابِ رَبِّهِ، أَو تَهَاوَنَ في صلاةٍ مَكتُوبَةٍ، فَلَعَلَّهُ أَن يُعرَضَ عَنهُ بِسَبَبِ إِعرَاضِهِ. وَلا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: إِني إِنْ كُنتُ قَد كُتِبتُ عِندَ اللهِ مِنَ المُعتَقِينَ فَلا دَاعِيَ لِلعَمَلِ وَإِجهَادِ نَفسِي، فَقَد صَحَّ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: (( مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلاَّ وَقَد كُتِبَ مَقعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ) )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعَ العَمَلَ؟! قَالَ: (( اِعمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَن كَانَ مِن أَهل السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَن كَانَ مِن أَهلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ ) )، ثم قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى الآيَةَ.
ثَالِثًا: لَقَد كَانَ مِن هَديِهِ أَن يُدَاوِمَ عَلى العَمَلِ، فَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثبَتَهُ، وَإِذَا صَلَّى صَلاةً أَثبَتَهَا، وَكَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِليهِ مَا دُووِمَ عَلَيهِ وَإِنْ قَلَّ، وَكَانَ يَقُولُ: (( إِنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ تعالى أَدوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ ) ). فَلْيَكُنْ لَنَا بِهِ أُسوَةٌ وَقُدوَةٌ، لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ، وقد قال: (( اِكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ تعالى أَدوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ ) ).
رَابِعًا: إِنَّ المُؤمِنَ مَطلُوبٌ مِنهُ إِتقَانُ العَمَلِ وَالتَّسدِيدُ فِيهِ قَدرَ الاستِطَاعَةِ، وَهُوَ يُحِبُّ أَن يَرَى أَجرَهُ يَومَ القِيَامَةِ كَامِلًا مُوفًّى غَيرَ مَنقُوصٍ، فَكَيفَ يَطلُبُ أَجرًا وَافِيًا بِعَمَلٍ نَاقِصٍ؟! وَلَقَد ذَمَّ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ المُطَفِّفِينَ الذِينَ يَنقُصُونَ المِكيَالَ مَعَ النَّاسِ وَلا يُوفُونَ، فَكَيفَ بِتَطفِيفِ العَمَلِ لِلآخِرَةِ مَعَ اللهِ؟! أَلا فَلْيُتقِنِ العَبدُ عَمَلَهُ وَلْيُحسِنْ فيه، فَقَد قال: (( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ ) )، وَقَالَ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا، وَاستَعِينُوا بِالغُدوَةِ وَالرَّوحَةِ وَشَيءٍ مِن الدُّلجَةِ ) ).
خَامِسًا: إِنَّ العَبدَ لم يُكشَفْ لَهُ طُولُ عُمُرِهِ مِن قِصَرِهِ، وَلم تُظهَرْ لَهُ نِهَايَةُ أَجَلِهِ، وَلا يَدرِي متى يَكُونُ مِن هذِهِ الدُّنيا رَحِيلُهُ، فَلِمَاذَا التَّقصِيرُ وَالإِخلالُ؟! إِنَّهُ لَو قُدِّرَ أَنَّ عَبدًا عَرَفَ متى يَكُونُ مَوتُهُ ثم تَهَاوَنَ في كُلِّ سِنيِّ عُمُرِهِ وَقَصَّرَ حتى إِذَا كَانَت آخِرُ سَنَةٍ لَهُ اجتَهَدَ فِيهَا وَبَذَلَ مَا في وَسعِهِ لَعُدَّ ذَلِكَ مِنهُ تَقصِيرًا ونَوعًا مِن سُوءِ الأدَبِ، فَكَيفَ بِمَن لا يَعلَمُ مَتى يَفجَؤُهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الجَمَاعَاتِ؟! كَيفَ بِمَن يُصبِحُ وَلا يَدرِي هَل يُدرِكُ المَسَاءَ أَم تَغِيبُ شَمسُهُ قَبلَ مَغِيبِ شَمسِ يَومِهِ؟! كَيفَ بِمَن يَلبَسُ ثَوبَهُ وَلا يَدرِي هَل يَخلَعُهُ بِيَدِهِ أَم يَخلَعُهُ مُغَسِّلُهُ؟! أَلا فَليَتَّقِ العَبدُ رَبَّهُ، وَلْيُحسِنْ عَمَلَهُ في كُلِّ وَقتِهِ، وَلْتَكُنْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ وَسَائِرُ أَعمَالِهِ أَعمَالَ مَن لا يَعُودُ عَلَيهِ شَهرُ رَمَضَانَ مَرَّةً أُخرَى، فَقَد وَرَدَ في بَعضِ وَصَايَاهُ أَنَّهُ قال: (( إِذَا قُمتَ في صَلاتِكَ فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ، وَلا تَكَلَّمْ بِكَلامٍ تَعتَذِرُ مِنهُ غَدًا، وَاجمَعِ الإِيَاسَ ممَّا في أَيدِي النَّاسِ ) ).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ الذِينَ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزِيدَهُم مِن فَضلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ وَالَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِير ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدنٍ يَدخُلُونَهَا يُحَلَّونَ فِيهَا مِن أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلُؤًا وَلِبَاسُهُم فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الحَمدُ للهِ الَذِي أَذهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِن فَضلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقضَى عَلَيهِم فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنهُم مِن عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُم يَصطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخرِجنَا نَعمَل صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ [فاطر: 29-37] .
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاعلَمُوا أَنَّكُم في شَهرٍ كَرِيمٍ وَمَوسِمٍ عَظِيمٍ، فَقَدِّرُوهُ وَاغتَنِمُوهُ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ يُفَرِّطُونَ وَيَتَهَاوَنُونَ، حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ لَعَلِّي أَعمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلى يَومِ يُبعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَينَهُم يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ وَمَن خَفَّت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم في جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُم فِيهَا كَالِحُونَ أَلَم تَكُنْ آيَاتي تُتلَى عَلَيكُم فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَت عَلَينَا شِقوَتُنَا وَكُنَّا قَومًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخرِجْنَا مِنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغفِرْ لَنَا وَارحَمْنَا وَأَنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُم سِخرِيًّا حَتَّى أَنسَوكُم ذِكرِي وَكُنتُم مِنهُم تَضحَكُونَ إِنِّي جَزَيتُهُمُ اليَومَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُم هُمُ الفَائِزُونَ.
لَقَد ذَهَبَ مِنَ الشَّهرِ شَطرُهُ أَو كَادَ، وَيُوشِكُ أَن تُمسُوا وَقَد هَلَّ هِلالُ شَوَّالٍ وَجَاءَ العِيدُ، ثم يَنظُرُ أَحدُكُم فِيمَا قَدَّمَ، وَقَد يَطُولُ على تَقصِيرِهِ نَدَمُهُ، وَيَشتَدُّ لِتَهَاوُنِهِ أَسَفُهُ، ألا فَاغتَنِمُوا أَيِّامَ شَهرِكُم، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللهِ دَهرَكُم، عَسَى رَبُّكُم أَن يَرحمَكُم وَيَغفِرَ لَكُم...