الإيمان
خصال الإيمان
فايق بن عبد الله البصري
دورتموند
أبو بكر الصديق
1-الإيمان نصفان. 2- الشكر من صفات الأنبياء. 3- شكر الرسول لربه تعالى. 4- حقيقة الشكر. 5- نعم الله لا تعد ولا تحصى. 6- الحث على شكر الناس. 7- فضل الشكر.
إخوتي في الله، لقد عرفنا في خطبة ماضية أن الصبر درس من دروس الصيام، وذكرنا ما قاله العلماء بأن الصبر هو نصف الإيمان، والنصف الثاني من الإيمان هو الشكر، وقال الله تعالى في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7] . وإن ربنا عز وجل قد أمرنا بالشكر فقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152] .
وإن الشكر خلق لازم لأنبياء الله صلوات الله عليهم، يقول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: 121] . ووصف الله عز وجل نوحًا عليه السلام: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: 3] . وقال الله تعالى عن سليمان عليه السلام: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] . وكان من دعاء سليمان عليه السلام المذكور في القرآن الكريم أنه كان يقول: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? وا?لِدَىَّ [الأحقاف: 15] .
وكان رسول الله كثير الشكر لربه، فقد كان يقوم الليل، ويصلي لله ربّ العالمين حتى تتشقّق قدماه من طول الصلاة والقيام، ولما سئل: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيرد النبي قائلا: (( أفلا أكون عبدًا شَكُورًا؟! ) )متفق عليه. وقد وصى معاذًا فقال له: (( يا معاذ، أني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك ) )؛ ولذلك يجب علينا أن نشكر الله على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] .
والشاكرون لنعم الله قِلّة في الخلق، قال تعالى: وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ?لشَّكُور [سبأ: 12] ، فلنكن من هؤلاء القليل الذين يشكرون النعمة ولا يكفرونها.
وشُكر الله ـ أيها الإخوة ـ يكون بالقلب واللسان والجوارح، فيكون بالقلب بنسبة النعم إلى بارئها، قال جل وعلا: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل: 53] ، ويكون باللسان بالإكثار من الحمد لمُسديها، يقول عليه الصلاة والسلام: (( الحمد لله تملأ الميزان ) )رواه مسلم، وقال تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] ، وقال الله: (( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) )رواه أبو داود والترمذي. والشكرُ بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله واستخدامها في طاعة الله، وقال الله: (( التحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ) )رواه البيهقي، وقال رسول الله: (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأَكْلَة فيحمده عليها، أو يشرب الشَّربة فيحمده عليها ) )رواه مسلم والترمذي وأحمد. وكان أحد الصالحين إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال:"أصبحنا مغرَقين بالنعم، عاجزين عن الشكر".
وقد يقول الفقير أو المريض أو المصاب: علام أشكر الله وقد أفقرني أو أمرضني أو أصابني؟! فاسمع لقصة هذا الرجل:
يحكى أن أحد الناس مرّ برجل أعمى ومقعد ـ أي: مشلول ـ، فسمعه يقول: الحمد الله الذي عافاني مما ابتلى به غيري وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلا، فتعجب الرجل من قول هذا الأعمى المقعد وسأله: على أي شيء تحمد الله وتشكره؟! فقال له: يا هذا، أَشْكُرُ الله أن وهبني لسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا وبدنًا على البلاء صابرًا.
وعلمنا النبي أن نسجد لله سجدة شكر إذا ما حدث لنا شيء يسُرُّ، أو إذا عافانا الله من البلاء.
ويحكى أن رجلا ذهب إلى أحد العلماء وشكا إليه فقره، فقال العالم: أَيسُرُّكَ أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا، فقال العالم: أيسرك أنك أخرس ولك عشره آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا، فقال العالم: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا، فقال العالم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفًا؟ فقال الرجل: لا، فقال العالم: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نعم بخمسين ألفًا؟! فعرف الرجل مدى نعمة الله عليه، وظل يشكر ربه ويرضى بحاله ولا يشتكي إلى أحد أبدًا.
ومَنْ رَزَقَهُ اللهُ الأمنَ والقوتَ والسكنَ فهو في خيرٍ وافرٍ ونعمةٍ كبيرةٍ، يقول النبي في هذا المعنى: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِى سِرْبِهِ مُعَافًى فِى جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) ).
ولينظر الإنسان إلى مَن هو دونه من النعم ولا ينظر إلى من هو فوقه، قال رسول الله: (( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله ) )أخرجه مسلم.
وقد أمر الله عز وجل أيضا بشكر الوالدين والإحسان إليهما، يقول تعالى: أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14] . فالمسلم يقدّم شكره لوالديه بطاعتهما وبرهما والإحسان إليهما والحرص على مرضاتهما وعدم إغضابهما.
وكذلك يجب شكر الناس على المعروف لأن المسلم يقدِّر المعروف ويعرف للناس حقوقهم، فيشكرهم على ما قدموا له من خير، قال الله: (( لا يشْكُرُ اللهَ من لا يشْكُرُ الناسَ ) )رواه أبو داود والترمذي، وقال الله: (( إن أشكر الناس لله عز وجل أشكرهم للناس ) )رواه أحمد. وحثنا النبي أن نقدم كلمة الشكر لمن صنع إلينا معروفًا فنقول له: جزاك الله خيرًا، قال الله: (( من صُنِع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أَبْلَغَ في الثناء ) ).
أيها الإخوة، إن الشكر هو سبب بقاء النعمة والحفاظ عليها، فإذا رأيت ربَّك يوالي عليك نعمَه وأنتَ تعصيه فاحذره، قال سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: 44] ، وإن النعمة مع المعصية تصبح نقمة، وكلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي نقمة، قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3] .
وقد قص الله علينا في سورة القلم قصة أصحاب الجنة عندما قابلوا نعمةَ الله بالنكران وحرمان المساكين ولم يؤدّوا شكرها، فطاف على ثمرهم طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت زروعهم هباءً منثورا كاللّيل البهيم.
وما من الناس إلا مبتلًى بعافية ليُنظر كيف شكرُه، أو ببليةٍ ليُنظرَ كيف صبره، فعليكم ـ عباد الله ـ بالجمع بين الصبر والشكر مع التقوى تكونوا أعبدَ الناس، قال: (( عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) )رواه مسلم. وروي عنه أنه قال: (( ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون، فتقوم زمرة فينصب لهم لواء، فيدخلون الجنة ) )، قيل: ومن الحمادون؟ قال: (( الذين يشكرون الله تعالى على كل حال ) )، وفي لفظ آخر: (( الذين يشكرون الله على السراء والضراء ) ).
أحبتي في الله، اشكروا الله الذي رزقكم صوم رمضان، واشكروا الله على قيامكم بالأعمال الصالحة، واشكروه على أن جعل لكم دعوة لا تردّ وأنتم صيام، واشكروه على أن جعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر. روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة أخرى منك توجب عليّ الشكر لك؟! فأوحى الله تعالى إليه: إذا عرفت هذا فقد شكرتني.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الشاكرين, ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك...
لم ترد.