فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 5777

اختلال الموازين

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, القصص

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة

جامع السلام

1-قصة أصحاب الأخدود. 2- الميزان الحقيقي للربح والخسارة في قصة أصحاب الأخدود.

3-خسارة الدنيا لا قيمة لها أمام ربح الآخرة. 4- كل الإنسانية خاسرة ما لم تؤمن وتعمل

صالحًا تتواصى به وتصبر عليه كما في سورة العصر. 5- التضحية بالنفس إعزازًا لدين الله

ليست تجارة.

أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله ـ تعالى ـ، أيها الأخوة المؤمنون، روى مسلم في صحيحه عن أبي يحيى صهيب بن سنان عن النبي قال في سياق قصة الغلام المؤمن: إن الغلام المؤمن قال للملك بعد ما عجز عن قتله بشتى المحاولات، من إغراق ورمي من شاهق وغير ذلك، قال له: (( إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال له الملِك: وما هو؟ قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع نخلة، ثم خذ سهما من كنانتي ثم قال: بسم الله رب الغلام فإنك إن فعلت قتلتني، فجمع الناس وصلبه على جذع ثم أخذ سهما ووضعه في كبد القوس ثم قال: بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدره فمات الغلام، فقال الناس جميعا: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس ) ).

نعم إخوة الإيمان، مات الغلام لكن الأمة كلها حية واستطاع الغلام أن يبلَّغ حجة ربه إلى الأمة من خلال هذا الموقف، ورأى أن إراقة دمه في هذا السبيل هي العز والربح وهي الحياة، بعد ذلك أتى الملِك بمن آمن، وحفر لهم الأخاديد وأوقَد فيها النيران، وأحرقهم فيها يقول عليه الصلاة والسلام: (( فمن لم يرجع عن دينه فأقحموه في الأخدود أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي يرضع فتقاعست أن تقع فيها، فأنطق الله الصبي فقال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق... ) ) [1] .

إخوة الدين والعقيدة، كتاب الله ـ عز وجل ـ يهدي للتي هي أقوم، في عقائد وأحكام وشرائع متوازنة، لا مدخل فيها للهوى والمحاباة، ولا مجال فيها للمصالح الخاصة والأعراض، أحكامه وشرائعه هي العدل وهي القسطاس، توزن بها القيم وتتميز بها الحقوق، وتقاس بها الأعمال والتصرفات والتضحيات، ميزان حق وضعه الله ولم يضعه البشر: وَ?لسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ?لْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ?لْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ?لْوَزْنَ بِ?لْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ?لْمِيزَانَ [الرحمن:7-9] . ومن موازين الله ـ جل وعلا ـ التي وضعها أمام الناس في هذه الدنيا ميزان الربح والخسارة، حيث الربح الذي يطمح إليه الإنسان ويسعى إليه ويقيم به الأمور، وحيث الخسارة التي ينفر منها الإنسان ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومع اختلال الموازين في مفاهيم الناس انقلب الأمر فأصبح الربح الحقيقي بميزان الشرع خسارة لدى الناس والخسارة العظيمة بمقياس الشرع ـ ربما عند بعضهم ـ، انظروا مثلا إلى قصة الغلام المؤمن قد يقول البعض إنه خسر حينما ضحى بنفسه، أو يقول: إن هؤلاء الناس خسروا حينما لم يرجعوا حتى لا يلقوا في الأخدود، فهل هي خسارة أم ربح؟ لا شكّ أنهم ربحوا أعظم الربح فهم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز الكبير، فسماه الله ـ تعالى ـ فوزا؛ لأنه غاية الربح أما الذين خسروا فهم أولئك الجبابرة: إِنَّ ?لَّذِينَ فَتَنُواْ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ?لْحَرِيقِ [البروج:10] .

أيها الأخوة المؤمنون، الإنسان منا يبحث عن الكسب والربح ويتجنب الغرم والخسران، ولكن أين الربح والخسارة؟

التاجر الذي أثرى من الحرام وجمع المال وعدده، وهو يعد نفسه أو يعده الناس من أعظم الرابحين، هل تراه بميزان الحق والعدل رابحا أم خاسرا؟ ثم هو حين يتوب من ماله الحرام ويتجرد عنه فهل خسر أم ربح؟ المؤمن ‍بربه حين يترك شهوات نفسه وهواها، مضحيا برغباته ويتبع أمر ربه ويترك نهيه فهل خسر أم ربح؟

أو ذلك العاصي حين ترك لنفسه العنان باقتراف المعاصي وترك الطاعات هل هو رابح أم خاسرٌ؟

المصلح العالم والداعية الذي رضي بحياة العناء والتضييق، مقابل ما يدعو إليه من حق وعلم، حيث ترك زخرف الدنيا ومباهجها لأجل دينه ودعوته، وقبل بكل ما يسيء إليه ويشوه سمعته، ورضي عنه بما عند الله، واستبدل ذلك بما يدخره الله له ليوم الحساب، قد يرى كثير من الناس حاله وجهاده هذا خسارة مبينه، ويعد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر خسارة وتضييعا للوقت وإثارة للفتنة، وما نيل منه فوزا وربحا لمن حققه.

وهكذا طاشت واختلت الموازين في أفهام الناس، وكثرت الدعاوى التي لها بريق عند المهزومين والمغلوبِ على أمرهم، لكنها عند ميزان الحق والعدل سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، إنهم يرون الربح خسارة والخسارة ربحا، فالمؤمن الذي افتدى دينه بنفسه وماله، حينما قُتل في سبيل الله أو أُوذي أصبح خاسرا للحياة، أما من باع نفسه لدنياه وأصبح عبدا لشهوته ومنصبه، فهو الرابح بمقياس البعض، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد والحق والباطل يتأرجح عندهم مع الأهواء الذاتية، والمصالح العارضة والتوجهات الفكرية، هم الخاسرون وإن حسبوا أنفسهم رابحين مع اختلال الموازين، قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِ?لاْخْسَرِينَ أَعْمَـ?لًا ?لَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَـ?تِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَزْنًا [الكهف103-105] .

إخوة الإيمان، في سورة من سور القرآن العظيمة يحكم الله ـ تعالى ـ ويقسم أن الإنسان خاسر: وَ?لْعَصْرِ إِنَّ ?لإِنسَـ?نَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لصَّبْرِ [سورة العصر] . روي في السير أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، إذا لقي بعضهم بعضا ثم تفرقوا قرأ أحدهم على الآخر سورة العصر ثم انصرفوا وقد تجدد إيمانهم، وتعمق يقينهم، وصحت عزائمهم، واستقامت موازينهم، وقوي الحق عندهم؛ ولذلك قال الإمام الشافعي: لو لم ينزل الله حجة على خلْقِه من القرآن إلا هذه السورة لكفتهم.ا.هـ.

إنها حكم رباني قاطع أقسم الله عليه بالعصر ـ وهو الوقت ـ على أن جنس الإنسان في خسر، ولو كان سيدا غنيا في خسر، ولو كان صحيحا قويا في خسر، ولو كان ما كان. هذا هو الأجل إلا من استثناه الله بالربح وهم: ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لصَّبْرِ. إذًا هذه السورة العظيمة هي الميزان الحق الذي توزن به الأمور وتُقَوَّم.

ولنعلم ـ إخوتي ـ أن موازين الدنيا لا تصلح مقياسا بكل حال فالذي يفقد ماله في سبيل الله هو الغني، والذي يموت في سبيل الله هو الحي: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أَمْو?تًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] .

إن التضحية بخسارة النفس والمال والجاه والعرض، إذا كان لنشر دين الله ـ عز وجل ـ والجهر به فهذا هو الربح الذي لا يعدله شيء، روى البخاري ـ رحمه الله ـ عن النبي في معرض حديثه عن الدجال حينما يخرج في آخر الزمان، ويفتتن به الناس: (( يخرج إليه رجل من أهل المدينة فيتجاوز مسالح الدجال، والرجال المحيطين به، فيقول له الدجال: أتشهد أني أنا الله فيقول له: أشهد بأنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله فيقتله الدجال ويمشي بين قطعتيه ثم يقول له: قم فيستوي حيا بإذن الله ـ تعالى ـ، فيقول له بعد ذلك: أتشهد بأني أنا الله فيقول له: ما ازددت فيك إلا بصيرة أنت الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ، فيريد بعد ذلك أن يقتله فلا يسلط عليه.. ) ) [2] . وَمُنْذُئِذٍ يبدأ سقوط الدجال وهوان أمره، فكانت تلك الكلمة الصريحة المدوية لهذا الشاب المؤمن هي الربح وهي الأول الذي تتابعت بعده السهام، يخرج الدجال إلى الشام يجر أذيال الخيبة إلى الشام حيث ينتهي أمره هناك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِ?لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

[1] صحيح مسلم ح (3005) .

[2] صحيح البخاري ح (7132) ، وأخرجه أيضًا مسلم ح (2938) .

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

اتقوا الله ـ إخوة الإيمان ـ الموازين المختلة إذا وجدت لدى أقوى المجتمعات، فإنها تثير الفوضى في أحكم النظم، وتجلب عقوبة رب العالمين، أما الموازين العادلة، فإنها تسد النقص في الأحوال المختلة.

والبشر موازينهم وتقويمهم للأمور إذا تركوا الشرع جانبا، تؤثر عليهم الميول النفسية والنزعات الشخصية والانتماءات الوطنية، وتصبح غالبةً عليهم ـ شاءوا أم أبوا ـ كم من عمل اشتهر بين الناس ويراه الناس حسنا على حين أنه غير ذلك هو غير ذلك: أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ?للَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8] .

عباد الله، يأتي التذكير بأهمية الموازين العادلة في أحكامنا وتصرفاتنا، والعالم اليومَ يموج بمبادئ وشعارات وموازين ونظم وقوانين، زعموا أنهم بها حققوا المساواة والحرية، وحفظوا بها حقوق الناس، وأقاموا بها العدل والقسط بين الناس، وواقع الناس ظلم وخلاف وفتن وبأساء وتنازع وشقاء، إلا من رحم ربي. الاعتدال في نظرهم وقاموس إعلامهم هو التساهل والتميع بالمبادئ والأخلاق ومجاملة الناس على حساب دين الله، أما التطرف والتشدد والأصولية فهو الثبات على الخُلق والمبدأ وبالتمسك بدين الله والبقاء عليه، هكذا تختل موازينهم، وهكذا الحال حين تكون الموازين أرضية بشرية، ومن خلال هذه الموازين المضطربة ينشأ جيل تبعيٌّ مقهور ليس في علمه وثقافته إلا ثقافة كافرة، لا يعجبه إلا فكرها، ولا يكبر في عينه إلا رجالها.

إخوة الدين والعقيدة، هذا هو الواقع الحزين المهين على كثير من بقاع الأرض، وعلى المؤمن الحق أن يكون مؤمنا بأن الله حافظ دينه، معلٍ كلمته، ولن يزال في أمة الإسلام موفقون، يهدون بالحق وبه يعدلون، ولا تزال في أمة محمد طائفة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ـ تبارك وتعالى ـ وهم على ذلك. وميزان الحق ظاهر مهما علاه الغبش، والحجة بيضاء، والطريق واضحة، وعلى أهل الحق أن يصدقوا في النيات، ويشمروا في العمل، فرجل الأصالة وصاحب الاستقلال والعزة بدينه وذو الميزان العدل، هو المسلم المتمسك بدينه والواثق به المعتز بتعاليمه.

نسأل الله أن يسدد الخطى ويصلح الموازين، وأن يبارك في الجهود وأن يعز الإسلام وأمته.

هذا وصلوا وسلموا يا عباد الله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت