التوحيد
أهمية التوحيد
محمد الحكمي
الطائف
جامع الجفالي
1-بيّن الشيخ أن العقيدة مهمة وأنه ما من نبي إلا جاء يدعو إليها ويحذر من خلافها
2-ثم ذكر بعض الصور من حياة الأنبياء تدل على اهتمامهم بالعقيدة وعملِهم بمقتضاها
والصبر على الأذى في سبيل الدعوة إليها
عباد الله
أوصيكم ونفسي بعد تقوى الله بتحرير القلوب وتجريدها لبارئها ذلًا وخضوعًا وتسليمًا وانقيادًا، وتوكلًا واعتمادًا، فلا والله لا ملجأ منه إلا إليه، هو الحكيم والحليم هو الحميد والخبير هو الحي القيوم، كل شيء هالك إلا وجهه، هو العليم والقدير هو القريب واللطيف هو المحيط والكريم، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام هو المقتدر والمقين والملك والمليك هو الودود والوكيل هو الولي والنصير هو السميع والبصير هو القهار والمتكبر سبحانه وتعالى عمّا يشركون.
كان الحديث في الخطب الماضية عن أمور مهمة في العقيدة ولا شك إننا نحتاج إلى قدوة في عقيدتنا نقتفي أثرها ونسير على هداها وهل هناك قدوة وأسوة أعظم من الأنبياء عليهم السلام فما شأنهم مع العقيدة.
أيها المؤمنون:
إن جوانب العقيدة في حياة أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم مترامية الأطراف ذات غور عميق وقمة سامقة، هي منطلق دعوتهم وركيزة بنيانهم، العقيدة أولا لو كانوا يعلمون.
لقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم كما بعث الأنبياء من قبل عليهم الصلاة والسلام وجميعهم ينادي أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
ويدعون الناس بقولهم إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه.
وعليه استمرت الدعوة بمكة ثلاث عشرة سنة لا يخاطب الناس فيها إلا بالعقيدة وما يرتبط بها، إعلانًا لوحدانية الله في كل شؤون الحياة.
لقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يثيرها ويبتدأها بإذن ربه قومية عربية فالروم يملكون بلاد الشام حينئذٍ ويحكمونها والفرس يسيطرون على بقاع أخرى مجاورة ويديرونها، ولو دعا يومها إلى ذلك لاستجابت له العرب قاطبة خروجًا بها من الذل والهوان، بل لو أراد الملك لملكوه عليهم.
ولو أرادها صلى الله عليه وسلم دعوة مبدؤها إصلاح أوضاع المجتمعات التي عم فيها ربا الجاهلية وتجارات الغش والخداع لوجد على أقل تقدير آذانًا صاغية من فئات كثيرة من قومه وقبائل من العرب عاشت الفقر والعوز وتحكم الأغنياء في أموالهم.
ولو أرادها دعوة أخلاقية تزكى فيها النفوس وتقوّم فيها المثل والآداب لكان لذلك قبولًا واستجابة لنداء الفطرة إذ الخمور تشرب والزنا يظهر ويعلن والظلم والجور يتفشّى فالقوي يأكل الضعيف.
ولكن، كل ذلك لا يحسن به أن يسبق العقيدة تقريرًا في النفوس وتطهيرًا للأرواح.
إن دعوة لا تنطلق من العقيدة خاسرة، وإن نظامًا لا يرتكز على العقيدة منهار، وكل كيان لا ينشأ على العقيدة متمزّق، هي العقيدة أولًا لو كانوا يعلمون.
أخي يا رعاك الله:
وإليك صورًا عجلى، ولمحات خاطفة من حياة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه تؤكد ما ذكر، وتقرر ما تقدّم عسى أن تكون لنا عبرة ومدكرًا في تصحيح ما طرأ على عقيدتنا من انحراف، فمن ذلك:
أولًا: البراءة من الشرك وأهله أصنامًا وأوثانًا طواغيتًا وآلهة، فها هو هود عليه الصلاة والسلام يخاطب قومه بقوله: قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون.
كما أن إبراهيم أبا الأنبياء عليه السلام يعلنها مدوّية، فيحكها ربه عز في علاه قرأنا يتلى إلى يوم القيامة قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده.
إنها المفاصلة على العقيدة التي اتسقاها محمد صلى الله عليه وسلم من منهج الأنبياء قبله قائلًا له ربه وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم وأنا بريء مما تعملون.
إنها الشخصية المتميزة، والمنهج الواضح المتمثل في سياق مخاطبة أبي الأنبياء لقومه فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين.
فهل هذا الركن حي في حياتنا ونابض في عروقنا تجاه أعداء الله أيًا كانوا؟ يقول ابن القيم رحمه الله:
فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، وموافقته فيها من كمال العبودية، فمن تعبّد لله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، ولأجل هذه المارغمة حُمد التبختر بين الصفين. أ.هـ.
كل العداوت قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون.
ويتجلى هذا الموقف السامي في حياة نوح عليه الصلاة والسلام حين ركب السفينة مع من آمن وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
إن الأواصر تتقطع وإن الأرحام تنفصم من أجل لا إله إلا الله فلا حسب ولا نسب يجدي وقتئذ، وتأخذ نوح عاطفة الأبوة فيسأل ربه ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ولأن روابط الإيمان تعلوكل مودة ووشيجة، فقد رد عليه المولى بقوله قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.
ثانيا: أن هذه العقيدة هي مبدأ الدعوة ومنتهاها في حياة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه.
فها هو إلياس عليه السلام يخاطب قومه قائلًا ألا تتقون أتدعون بعلًا [وكان صنما لهم يعبدونه] وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين.
إنه إعلان للعبودية الخالصة لله دون سواه، حتى قال إبراهيم مناصحًا والده مشفقا عليه إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فهل يدرك ذلك الطوّاف بالقبور والأضرحة والأولياء؟
إن العجب ليتملك كل مؤمن غيور من علماء في بلاد إسلامية لهم صيتهم بين الناس، وقبولهم ودروسهم وحلق ذكرهم ولكن أين تقام وأين تلقى؟ إنها تقدم وتنقل عبر الإذاعات والشاشات من مساجد بها وحولها قبور ترجى وتدعى ويستغاث بها، فهل يفيد حديث عن الأخلاق أو المعاملات أو غيرها وفي القلوب تعلق بغير الله رجاء وخوفا؟ العقيدة أولا لو كان يعلمون.
يوسف وما أدراك ما يوسف عليه الصلاة والسلام إن في سيرته في السجن وخارجه لمنهج أصيل وصراط مستقيم لكل داعية ومدعو، فها هو عليه السلام يبتدئ بحكمة وحسن أسلوب صاحبيه في السجن بدعوتهم إلى التوحيد والإخلاص لله.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ثالثًا: التوكل على الله والثقة في نصره فنوح عليه الصلاة والسلام يتمثّل ذلك في قوله تعالى: واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبير عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعل الله توكلت.
وها هو هود عليه السلام لا يبالي ما فعل قومه به فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
وشعيب عليه السلام يوضح مقصد دعوته وغاية رسالته قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
أيها المؤمنون:
القتل، السجن، النفي والإبعاد، والرمي بالحجارة والحصار، والتعذيب، والسخرية والاستهزاء والجراحات والآلام.
كل هذه صور مأساوية، لاقاها الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه من أقوامهم كما هي سنة جارية فيمن صدّق وآمن وبلّغ من أتباعهم من العلماء والدعاة إلى الله.
وتبرز العقيدة من بين جوانح البلاء وعمق الكرب والابتلاء فإذا بها توكل لا خور فيه واستغاثة تستنزل المدد من السماء، ورجاء معلق بالواحد الديان، وثقة في نصر الله لا شك فيه.
إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد والحق ما شهدت به الأعداء فها هو قيصر ملك الروم في مساءلته لأبي سفيان رضي الله عنه - وكان يومئذ مشركًا - عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فقال فيما قال: فهل قاتلتموه أوقاتلكم؟ قلت: نعم، قال فكيف كانت حربه وحربكم؟ قلت: دولا وسجالًا يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، قال قيصر: وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة.
قال المولى سبحانه: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون وفي آية أخرى فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب.
ويواجه الأنبياء كيد الكائدين ومكر الظالمين، بصبر الواثق، وجلد المطمئن، لأنهم أمام أمم ترسخت في قلوبهم عادات وموروثات عن آبائهم قد أخذوها وفي حياتهم قد أشربوها وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون من عبادة أصنام، وظلم وعدوان، وكم من عادات وتقاليد تأصلت في قلوب بعض الناس مخالفة لشرع الله كالتحاكم إلى شيوخ القبائل بدلًا من القضاء وكعدم توريث المرأة، وكنكاح البدل والشغار، وكغرض الحق على من أخطأ أو لم يحضر مناسبة أو تأخر في أمر، وكسبّ الرب والدين كما هو جار على ألسنة البعض عند غضبه على أحد وكالحلف بغير الله سواءًا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو حياته أو الأمانة وكالطلاق والحرام.. فإذا ما نصح أهلها قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون.
ويواجه الأنبياء البلاء عليهم السلام لأنهم أمام ركام ضخم من التضليل الإعلامي والتشويه الكيدي الذي يغرر به الناس ويخادعون به فمن ذلك قولهم إنا لنراك في ضلال مبين قالوا ساحر مجنون إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين إنهم أعداء الدعوة وخصوم الملة الذين يعلنون دائمًا أن هؤلاء الأنبياء عليهم السلام إنما ينطلقون في دعوتهم من خلل في العقول، وبدائية في التفكير ألا ترون أن أتباعهم شرذمة قليلون، وأنهم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لهم علينا من فضل، وها هي التصريحات تنطلق من هنا وهناك عبر وسائل شتى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين.
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
ثم بعد أن دعاهم وبين لهم ما هم فيه من الباطل يقول عليه الصلاة والسلام: فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين.
نعم كم من عطايا اشتريت بها دامم، وسكت بسببها عن حق، وأصبح مثل بعضهم كمن قال الله فيهم: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
أيها المؤمنون:
, وفي خضّم المعاناة، وشدة الكرب، وانتفاشة الباطل، يضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمن بعدهم معالم في الطريق منها عدم اليأس والقنوط، استبصارا بقول المولى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين.
ومن معالمهم عليهم الصلاة والسلام: أن فرج الله قريب وأن الأرض ملك لله يهبها من يشاء، قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الكاشف الله
اليأس يعقد أحيانا بصاحبه
لا تيأسن فإن الكافي الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة
لا تجزعن فإن المانع الله
و الله مالك غير الله من أحد
محبك الله في كل لك الله
ومن أبرز هذه المعالم الثقة في نصر الله، ولك أن تلمح ذلك وتستبصره في ثنايا النجاة للأنبياء وأتباعهم، فها هو العزيز والمقتدر يقول سبحانه: ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وفي حق صالح عليه السلام: فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز ، وفي حق شعيب عليه السلام: ولما جاء أمرنا نجينا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وفي حق لوط عليه السلام: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وهكذا يسدل الستار على نهايات الأقوام من المكذبين بنجاة المؤمنين وهلاك الظالمين والعاقبة للتقوى.
عباد الله
أوصيكم ونفسي بعد تقوى الله بتحرير القلوب وتجريدها لبارئها ذلًا وخضوعًا وتسليمًا وانقيادًا، وتوكلًا واعتمادًا، فلا والله لا ملجأ منه إلا إليه، هو الحكيم والحليم هو الحميد والخبير هو الحي القيوم، كل شيء هالك إلا وجهه، هو العليم والقدير هو القريب واللطيف هو المحيط والكريم، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام هو المقتدر والمقين والملك والمليك هو الودود والوكيل هو الولي والنصير هو السميع والبصير هو القهار والمتكبر سبحانه وتعالى عمّا يشركون.
كان الحديث في الخطب الماضية عن أمور مهمة في العقيدة ولا شك إننا نحتاج إلى قدوة في عقيدتنا نقتفي أثرها ونسير على هداها وهل هناك قدوة وأسوة أعظم من الأنبياء عليهم السلام فما شأنهم مع العقيدة.
أيها المؤمنون:
إن جوانب العقيدة في حياة أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم مترامية الأطراف ذات غور عميق وقمة سامقة، هي منطلق دعوتهم وركيزة بنيانهم، العقيدة أولا لو كانوا يعلمون.
لقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم كما بعث الأنبياء من قبل عليهم الصلاة والسلام وجميعهم ينادي أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
ويدعون الناس بقولهم إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه.
وعليه استمرت الدعوة بمكة ثلاث عشرة سنة لا يخاطب الناس فيها إلا بالعقيدة وما يرتبط بها، إعلانًا لوحدانية الله في كل شؤون الحياة.
لقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يثيرها ويبتدأها بإذن ربه قومية عربية فالروم يملكون بلاد الشام حينئذٍ ويحكمونها والفرس يسيطرون على بقاع أخرى مجاورة ويديرونها، ولو دعا يومها إلى ذلك لاستجابت له العرب قاطبة خروجًا بها من الذل والهوان، بل لو أراد الملك لملكوه عليهم.
ولو أرادها صلى الله عليه وسلم دعوة مبدؤها إصلاح أوضاع المجتمعات التي عم فيها ربا الجاهلية وتجارات الغش والخداع لوجد على أقل تقدير آذانًا صاغية من فئات كثيرة من قومه وقبائل من العرب عاشت الفقر والعوز وتحكم الأغنياء في أموالهم.
ولو أرادها دعوة أخلاقية تزكى فيها النفوس وتقوّم فيها المثل والآداب لكان لذلك قبولًا واستجابة لنداء الفطرة إذ الخمور تشرب والزنا يظهر ويعلن والظلم والجور يتفشّى فالقوي يأكل الضعيف.
ولكن، كل ذلك لا يحسن به أن يسبق العقيدة تقريرًا في النفوس وتطهيرًا للأرواح.
إن دعوة لا تنطلق من العقيدة خاسرة، وإن نظامًا لا يرتكز على العقيدة منهار، وكل كيان لا ينشأ على العقيدة متمزّق، هي العقيدة أولًا لو كانوا يعلمون.
أخي يا رعاك الله:
وإليك صورًا عجلى، ولمحات خاطفة من حياة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه تؤكد ما ذكر، وتقرر ما تقدّم عسى أن تكون لنا عبرة ومدكرًا في تصحيح ما طرأ على عقيدتنا من انحراف، فمن ذلك:
أولًا: البراءة من الشرك وأهله أصنامًا وأوثانًا طواغيتًا وآلهة، فها هو هود عليه الصلاة والسلام يخاطب قومه بقوله: قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون.
كما أن إبراهيم أبا الأنبياء عليه السلام يعلنها مدوّية، فيحكها ربه عز في علاه قرأنا يتلى إلى يوم القيامة قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده.
إنها المفاصلة على العقيدة التي اتسقاها محمد صلى الله عليه وسلم من منهج الأنبياء قبله قائلًا له ربه وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم وأنا بريء مما تعملون.
إنها الشخصية المتميزة، والمنهج الواضح المتمثل في سياق مخاطبة أبي الأنبياء لقومه فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين.
فهل هذا الركن حي في حياتنا ونابض في عروقنا تجاه أعداء الله أيًا كانوا؟ يقول ابن القيم رحمه الله:
فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، وموافقته فيها من كمال العبودية، فمن تعبّد لله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، ولأجل هذه المارغمة حُمد التبختر بين الصفين. أ.هـ.
كل العداوت قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون.
ويتجلى هذا الموقف السامي في حياة نوح عليه الصلاة والسلام حين ركب السفينة مع من آمن وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
إن الأواصر تتقطع وإن الأرحام تنفصم من أجل لا إله إلا الله فلا حسب ولا نسب يجدي وقتئذ، وتأخذ نوح عاطفة الأبوة فيسأل ربه ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ولأن روابط الإيمان تعلوكل مودة ووشيجة، فقد رد عليه المولى بقوله قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.
ثانيا: أن هذه العقيدة هي مبدأ الدعوة ومنتهاها في حياة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه.
فها هو إلياس عليه السلام يخاطب قومه قائلًا ألا تتقون أتدعون بعلًا [وكان صنما لهم يعبدونه] وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين.
إنه إعلان للعبودية الخالصة لله دون سواه، حتى قال إبراهيم مناصحًا والده مشفقا عليه إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فهل يدرك ذلك الطوّاف بالقبور والأضرحة والأولياء؟
إن العجب ليتملك كل مؤمن غيور من علماء في بلاد إسلامية لهم صيتهم بين الناس، وقبولهم ودروسهم وحلق ذكرهم ولكن أين تقام وأين تلقى؟ إنها تقدم وتنقل عبر الإذاعات والشاشات من مساجد بها وحولها قبور ترجى وتدعى ويستغاث بها، فهل يفيد حديث عن الأخلاق أو المعاملات أو غيرها وفي القلوب تعلق بغير الله رجاء وخوفا؟ العقيدة أولا لو كان يعلمون.
يوسف وما أدراك ما يوسف عليه الصلاة والسلام إن في سيرته في السجن وخارجه لمنهج أصيل وصراط مستقيم لكل داعية ومدعو، فها هو عليه السلام يبتدئ بحكمة وحسن أسلوب صاحبيه في السجن بدعوتهم إلى التوحيد والإخلاص لله.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ثالثًا: التوكل على الله والثقة في نصره فنوح عليه الصلاة والسلام يتمثّل ذلك في قوله تعالى: واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبير عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعل الله توكلت.
وها هو هود عليه السلام لا يبالي ما فعل قومه به فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
وشعيب عليه السلام يوضح مقصد دعوته وغاية رسالته قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
أيها المؤمنون:
القتل، السجن، النفي والإبعاد، والرمي بالحجارة والحصار، والتعذيب، والسخرية والاستهزاء والجراحات والآلام.
كل هذه صور مأساوية، لاقاها الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه من أقوامهم كما هي سنة جارية فيمن صدّق وآمن وبلّغ من أتباعهم من العلماء والدعاة إلى الله.
وتبرز العقيدة من بين جوانح البلاء وعمق الكرب والابتلاء فإذا بها توكل لا خور فيه واستغاثة تستنزل المدد من السماء، ورجاء معلق بالواحد الديان، وثقة في نصر الله لا شك فيه.
إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد والحق ما شهدت به الأعداء فها هو قيصر ملك الروم في مساءلته لأبي سفيان رضي الله عنه - وكان يومئذ مشركًا - عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فقال فيما قال: فهل قاتلتموه أوقاتلكم؟ قلت: نعم، قال فكيف كانت حربه وحربكم؟ قلت: دولا وسجالًا يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، قال قيصر: وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة.
قال المولى سبحانه: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون وفي آية أخرى فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب.
ويواجه الأنبياء كيد الكائدين ومكر الظالمين، بصبر الواثق، وجلد المطمئن، لأنهم أمام أمم ترسخت في قلوبهم عادات وموروثات عن آبائهم قد أخذوها وفي حياتهم قد أشربوها وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون من عبادة أصنام، وظلم وعدوان، وكم من عادات وتقاليد تأصلت في قلوب بعض الناس مخالفة لشرع الله كالتحاكم إلى شيوخ القبائل بدلًا من القضاء وكعدم توريث المرأة، وكنكاح البدل والشغار، وكغرض الحق على من أخطأ أو لم يحضر مناسبة أو تأخر في أمر، وكسبّ الرب والدين كما هو جار على ألسنة البعض عند غضبه على أحد وكالحلف بغير الله سواءًا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو حياته أو الأمانة وكالطلاق والحرام.. فإذا ما نصح أهلها قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون.
ويواجه الأنبياء البلاء عليهم السلام لأنهم أمام ركام ضخم من التضليل الإعلامي والتشويه الكيدي الذي يغرر به الناس ويخادعون به فمن ذلك قولهم إنا لنراك في ضلال مبين قالوا ساحر مجنون إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين إنهم أعداء الدعوة وخصوم الملة الذين يعلنون دائمًا أن هؤلاء الأنبياء عليهم السلام إنما ينطلقون في دعوتهم من خلل في العقول، وبدائية في التفكير ألا ترون أن أتباعهم شرذمة قليلون، وأنهم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لهم علينا من فضل، وها هي التصريحات تنطلق من هنا وهناك عبر وسائل شتى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين.
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
ثم بعد أن دعاهم وبين لهم ما هم فيه من الباطل يقول عليه الصلاة والسلام: فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين.
نعم كم من عطايا اشتريت بها دامم، وسكت بسببها عن حق، وأصبح مثل بعضهم كمن قال الله فيهم: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
أيها المؤمنون:
, وفي خضّم المعاناة، وشدة الكرب، وانتفاشة الباطل، يضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمن بعدهم معالم في الطريق منها عدم اليأس والقنوط، استبصارا بقول المولى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين.
ومن معالمهم عليهم الصلاة والسلام: أن فرج الله قريب وأن الأرض ملك لله يهبها من يشاء، قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الكاشف الله
اليأس يعقد أحيانا بصاحبه
لا تيأسن فإن الكافي الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة
لا تجزعن فإن المانع الله
و الله مالك غير الله من أحد
محبك الله في كل لك الله
ومن أبرز هذه المعالم الثقة في نصر الله، ولك أن تلمح ذلك وتستبصره في ثنايا النجاة للأنبياء وأتباعهم، فها هو العزيز والمقتدر يقول سبحانه: ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وفي حق صالح عليه السلام: فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز ، وفي حق شعيب عليه السلام: ولما جاء أمرنا نجينا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وفي حق لوط عليه السلام: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وهكذا يسدل الستار على نهايات الأقوام من المكذبين بنجاة المؤمنين وهلاك الظالمين والعاقبة للتقوى.
الحمد لله عليه يتوكل المتوكلون ويلجأ المستغيثون، فلا ناصر لهم إلا هو، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
عباد الله:
وتتوالى دروس وعبر الأحداث في تأريخ الأنبياء عليهم السلام من خلال الابتلاء.
قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين.
إنها الثقة والطمأنينة الممزوجة بصدق الإيمان وذروة الإخلاص، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا (( يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ) )
أخي يا من إلى الله دعوت:
اعلم أن الطريق محفوفة بالمكاره، ومزروعة بالأشواك ومحاطة بالغصص والآلام، فهل ثبات كثبات الأخيار من الصفوة الأبرار؟ وهل خضوع وذل وانكسار بين يدي الجبار؟
إذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يضرك كيد العبيد
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين