فهرس الكتاب

الصفحة 2409 من 5777

الشرك الخفي(الرياء)

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

أمراض القلوب, الشرك ووسائله

محمد بن مبارك الرشدان

الخبر

الجامع الكبير

1-معنى الرياء. 2- ما جاء في وعيد للمرائين. 3- الأخفياء صفة للسلف رحمهم الله. 4- العبادات التي يفضل إظهارها على الملأ. 5- ممارساتنا الخاطئة تغرس الرياء في صدور أبنائنا. 6- ترك العمل خوفًا من الرياء.

أيها المسلمون, تكلمنا في خطبة ماضية عن الشرك، وعلمنا أن منه أكبر وأصغر، والشرك الأصغر منه الظاهر ـ كلبس التمائم والحروز والحلف بغير الله ـ ومنه الخفي وهو الرياء، وهو موضوع حديثنا اليوم.

الرياء: أن يُظهر العبد عبادته للناس، لينال عَرَضًا من الدنيا، يُظهر العبادة حتى يراه الناس، كمن يقاتل في سبيل الله ليقول الناس عنه: شجاع، أو يتصدق ليُقال عنه: كريم، أو يُحسِّن قراءته أمام الناس ليقولوا: فلان قارئ.

هذا هو الرياء: يقصد بالعبادة الدنيا، ولكنّ الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلا ما قُصد به وجهه سبحانه، وقد أمرنا بذلك فقال: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] . فالإخلاص في العبادة هو ركنها العظيم، ولا يقبل الله من العباد العمل إلا إذا كان خالصا لوجهه سبحانه.

وقد توعد الله صنفًا من المرائين بالويل وهو الهلاك, وهم الذين يراؤون بصلاتهم, فقال عز وجل: فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ?لَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـ?تِهِمْ سَاهُونَ ?لَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ ?لْمَاعُونَ [الماعون:4-7] ، فما أعظم خسارة من أتعب نفسه في العبادة, فقام وصلى وتصدّق وحج وطلب العلم, ثم لم يرد بذلك كله وجه الله جل جلاله، فما أعظم خسارته، أتعبَ نفسه، وأسخط ربه، وأحبط عملَه.

قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ـ أي بعمله الصالح ـ نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ إِلاَّ ?لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] ، فالذي يريد بعمله ثواب الدنيا من المدح أو الجاه أو المال, يعطيه الله ما أراد إن شاء، ولكن ويل له من الجزاء الشديد الذي ينتظره في الآخرة.

هؤلاء المراؤون هم أول من تسعر بهم نار جهنم يوم القيامة، كما أخبر الصادق المصدوق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا, قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ, قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ) ) [1] ، وفي رواية: ثم ضرب رسول الله على ركبتي فقال: (( يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعّر بهم النار يوم القيامة ) ).

هل هذا فقط ما ينتظر المرائي في الآخرة, لا, بل ويُردُّ عليه عمله ويبطل ويحبط في وقت هو فيه أحوج للحسنة الواحدة، فإذا به يرى أعماله التي دخلها الرياء هباء منثورًا، فعن أبا هريرة قال: قال رسول الله: قال الله تبارك وتعالى: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) ) [2] .

وقال عز وجل: مَن كَانَ يُرِيدُ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ إِلاَّ ?لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] .

فينبغي علينا ـ عباد الله ـ أن نحذر هذا الشرك، وأن نخاف على أعمالنا منه، وأن نسأل أنفسنا: ماذا أردتُ بذلك العمل؟ ماذا أردتُ بتلك الكلمة؟ مَن أقصدُ بتلك الطاعة؟ فإن الرياء أمره خطير، وهو مدخل من مداخل الشيطان على الصالحين، وقد خافه النبي على صحابته ـ الذين هم أتقى الأمة ـ بل وخافه عليهم أشد من خوفه من فتنة الدجال، فعن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر الدجال فقال: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يُصلي، فيُزيِّنُ صلاته، لما يرى من نظر رجلٍ ) ) [3] .

وكان السلف يدفعون الرياء عن قلوبهم بإخفاء العمل، فيحرصون على القيام ببعض الطاعات دون أن يراهم أحد. فهذا داود بن أبي هند صام أربعين سنة ـ نفلًا ـ لا يعلم به أهله ولا أحد، وكان خرازًا، يحمل معه غداءه من عندهم، فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشيًا فيُفطر معهم، فيظن أهل السوق أنه قد أكل في بيته، ويظن أهله أنه أكل في السوق.

ويقول محمد بن واسع: لقد أدركت رجالًا, كان الواحد منهم يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحت خده من الدموع، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خدّه, ولا يشعر به الذي إلى جنبه.

وهذا لا يعني ـ يا إخواني ـ أن نترك كل الطاعات أمام الناس خوفًا من الرياء!!

فإن الطاعات أنواع:

منها: ما شُرع عمله علانية, كالأذان، وإقامة الجمعة وصلاة الجماعة والأعياد، فهذه لا يمكن إخفاؤها، ولكن يجاهد الإنسان نفسه ليخلص هذه الأعمال لله، وله بذلك أجران: أجر الفعل، وأجر المجاهدة.

ومنها: أعمال يكون إسرارها خير من إعلانها، كالصدقات, كما قال عز وجل: وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ?لْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:271] ، وقراءة القرآن.

فبعض الطاعات ليس ثمة فائدة من إظهارها، كالصدقات، وقيام الليل، وصوم النفل.

وبعض الأحيان يُستحب إظهار العمل لمصلحة ـ كأن يكون قدوة للناس, فيتصدّق ليراه الناس فيتشجّعون على الصدقة ـ فعندها يُظهر الإنسان عمله على حسب المصلحة، إذا لم يخف الرياء [4] .

[1] أخرجه مسلم في صحيحه.

[2] أخرجه ابن ماجه، وهو حديث حسن.

[3] أخرجه ابن ماجه، وهو حديث حسن.

[4] مقاصد المكلفين للأشقر، (ص470) .

إخواني المسلمين, أود أن أنبه لأمرين اثنين:

الأول: وهو أننا قد نربي أبناءنا على الرياء ونحن لا نشعر! كيف ذلك؟ الطفل عندما يفعل خطأ وتقول له: عيب، ما يقول عنك الناس!! أو تريد منه أن يصلي في المسجد، فتقول له: إذا ما رأيتك في المسجد سأفعل بك وأفعل!! فأنت بهذه الطريقة ربيت ابنك على التعلّق بالناس، والخوف من نقدهم، والتصنّع لهم، وضخمت له ذلك وجعلته هدفا له، يسعى ليرضي الآخرين!! فتراه إذا كان الأب غائبا لم يُصلِّ، وإذا لم يره أحد فعل المعاصي، وكل ذلك من أسباب زرع بذور الرياء في القلب. والواجب على الأب أن يخوّف الولد من الله, ويُعلّق قلبه بربه، ويَغرس في نفسه مراقبة الله, وأنه يراك، وإذا لم تُصل أبغضك الله، وإذا أبغضك لم تفلح في الدنيا ولا في الآخرة.

فتربية الابن بالترغيب بما عند الله من الثواب، والترهيب بما عند الله من العقاب هو الذي ينمّي في قلب الطفل مراقبة الله في كل مكان، وفي أي زمان، ولو لم يره أحد.

التنبيه الثاني: بعض الناس من شدّة خوفه من الرياء, يجرّه ذلك لترك العمل، يريد أن يقرأ القرآن في المسجد, فيأتيه الشيطان ويقول له: أنت مرائي، لا تقرأ أمام الناس، فيترك القراءة، وغيرها كثير من الأمثلة، فهذا هرب من شر فوقع في شر، وهذا لا شك من وساوس الشيطان، حتى يحرمك من الخير.

يقول القاضي عياض:"ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك". يقول النووي معلقًا:"معنى كلامه رحمه الله: أن من عزم على عبادة ـ لله ـ وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مُراءٍ، لأنه ترك العمل لأجل الناس, والترك عمل، فهو بهذا الترك عمل لأجل الناس، فوقع في الرياء"اهـ.

فترك العمل خوفًا من الرياء حبالة من حبالات إبليس، لذلك يُنصح من أتته هذه الوساوس ألا يلتفت إليها، وأن يمضي في العمل الذي عزم عليه لله إغاظة للشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت