سيرة وتاريخ
القصص
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-قصة سليمان مع النملة والعبرة منها. 2- قصة سليمان مع الهدهد. 3- قصة سليمان مع مملكة سبأ. 4- قصة موت سليمان عليه السلام.
أما بعد: ومن قصص القرآن أيضًا، قصتنا لهذه الجمعة، مع نبي الله، سليمان عليه السلام.
ولقد كان سليمان عليه السلام، نبيًا من أنبياء الله، ومع ذلك كان ملكًا من ملوك الأرض في زمانه، وفوق كل هذا فقد منّ الله عليه، وعلمه لغة الحيوان والطير، وكان يفهم عليه الصلاة والسلام، ما تتخاطب به هذه الحيوانات والطيور.
عباد الله، جاء في سورة النمل، ثلاث قصص عن سليمان عليه السلام.مع النملة، ثم مع الهدهد، ثم مع ملكة سبأ.
أما عن موقف سليمان عليه السلام مع النملة فيقول الله عز وجل: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـ?نَ عِلْمًا وَقَالاَ ?لْحَمْدُ لِلَّهِ ?لَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى? كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ?لْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَـ?نُ دَاوُودَ وَقَالَ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ?لطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ ?لْفَضْلُ ?لْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـ?نَ جُنُودُهُ مِنَ ?لْجِنّ وَ?لإِنْس وَ?لطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى? إِذَا أَتَوْا عَلَى? وَادِى ?لنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ي?أَيُّهَا ?لنَّمْلُ ?دْخُلُواْ مَسَـ?كِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـ?نُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَـ?حِكًا مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـ?لِحًا تَرْضَـ?هُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ?لصَّـ?لِحِينَ [النمل:15-19] .
عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى آتى سليمان خير ما يؤتى الإنسان من فضل وإحسان، وهو العلم الذي من ملكه، ملك أقوى ما على هذه الأرض من قوة، ومع هذا فقد أعطى عليه الصلاة والسلام، ملكًا عظيمًا وسلطانًا واسعًا، ومع هذا العلم الذي أعطى سليمان، ومع هذا الملك أيضًا، لم يمنعه كل هذا، أن يأخذ درسًا من أصغر مخلوقات الله، وهي النملة، ويستفيد منها، ولم يغتر بملكه ولا بعلمه عليه الصلاة والسلام، كما هو شأن بعض حاملي الشهادات في زماننا هذا، والله المستعان.
يقف سليمان عليه السلام، وينظر من خلال ملكها إلى ملكه العريض، فيرى أن لها سلطانًا كسلطانه، وملكًا كملكه، وسياسة رفيقة رحيمة، أروع وأعظم من سياسته، فلا يملك إلا أن يخشع لسلطان الله، بين يديها، ويسبح بحمده وجلاله، فيقول في محراب ملكها، الذي يسبح فيه بحمد الله: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـ?لِحًا تَرْضَـ?هُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ?لصَّـ?لِحِينَ [النمل:19] .
لقد أراد الله سبحانه وتعالى، أن يصغر في عيني سليمان هذا الملك العريض، الذي بين يديه، وأن يكسر من حدة هذا السلطان المندفع، كالشهاب الذي لا يمسكه شيء، ولا يعترض سبيله معترض، وذلك كي لا يدخل على نفسه شيء، من العجب والزهو، فتقف له النملة، هذا الموقف، الذي يرى منه عجبًا، فيرى سليمان عليه السلام من النملة، ما لم ير أحد من جنده، ويسمع منها، ما لم يسمع أحد غير النمل، الذي يعيش معها: ي?أَيُّهَا ?لنَّمْلُ ?دْخُلُواْ مَسَـ?كِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـ?نُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل:18] .
والدرس الذي نود أن نأخذه من موقف سليمان عليه السلام مع النملة، هو صوت النذير، الذي أنذرت به النملة جماعتها. إن الهلاك مقبل على جماعة النمل، من هذه الحشود الحاشدة، التي تسير في ركب سليمان، فلتأخذ جماعة النمل حذرها، ولتدخل مساكنها، ولتنجحر في مساربها، وإلا فالهلاك المحقق، ومن أين هذا الهلاك؟
من جماعة غالبًا، لا تنظر إلى ما تحتها، ولا تلتفت إلى مواطن أقدامها، ولا تشعر بما تصيب أو تقتل، من تلك الكائنات الضعيفة، فهل يشعر من يسكن البيوت الفارهة، بما يعاني عباد الله من ساكني العشش والخيام، وكم في دنيا الناس، من المستضعفين ممن تطؤهم أقدام الأقوياء، دون أن يشعروا بهم، وهم في طريقهم إلى التمكين لسلطانهم، والاستزادة من جاههم وقوتهم.
وكم من مجتمعات بشرية، جرفها تيار عاتٍ من تيارات الظلم والاستبداد، وكم من مدن عامرة دمرتها رحى الحروب، التي يوقد نارها من يملكون الحطب والوقود، وكم وكم، إنها والله لحكمة بالغة، ودرس عظيم، تلقيه النملة، حيوان ضئيل من مخلوقات الله، وأقلها شأنًا تلقيه على الإنسانية كلها، في أحسن أحوالها، وأعدل أزمانها، وأقوى سلطانها.
ولكن أين من يتعظ ويعتبر؟ ولقد أخذ سليمان العبرة والعظة، فحاد بركبه عن وادي النمل، وهو يضع ابتسامة على فمه، ويرسل ضحكة رقيقة واعية من صدره، ويحرك لسانه بكلمات شاكرة، ذاكرة فضل الله ونعمته، فيقول: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـ?لِحًا تَرْضَـ?هُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ?لصَّـ?لِحِينَ [النمل:19] .
إن للنملة سلطانًا كسلطان سليمان، ودولة كدولته، وجندًا كجنده، ثم إنها تقوم على هذه الدولة، وترعاها رعاية الأم لأبنائها، وإنها لتضع عينها دائمًا على مواقع الخير، ترتاده لرعايتها، وإلى مواطن الشر، فتدفعها عنها، فهل تجد رعايا سليمان في ظله، مثل هذه الرعاية التي تجدها جماعة النمل في ظل السلطان الحكيم، وهل تنال رعيته مثل هذا العطف والحنو، الذي تناله جماعة النمل من ملكتها؟
عباد الله، وما يكاد سليمان يخرج من هذا الموقف الذي وقفه مع النملة، حتى يلقاه موقف آخر، مع طائر وديع لطيف، أقرب إلى النملة في لطفها، وحسن مدخلها للأمور التي تعالجها، وهو الهدهد. قال تعالى: وَتَفَقَّدَ ?لطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ?لْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ?لْغَائِبِينَ لاعَذّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـ?نٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنّى وَجَدتُّ ?مْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ?للَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَعْمَـ?لَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ?لسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ?لَّذِى يُخْرِجُ ?لْخَبْء فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ?للَّهُ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ?لْعَرْشِ ?لْعَظِيمِ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ?لْكَـ?ذِبِينَ [النمل:20-27] .
حشد سليمان عليه السلام جموعه ورعيته، فنظر فلم ير الهدهد قد حضر هذا الحفل، فتوعده سليمان عليه السلام بأشد العذاب والنقمة، لاعَذّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـ?نٍ مُّبِينٍ [النمل:21] .
أما كان للهدهد عذر يمكن أن يقدمه لتخلفه هذا، ويدفع عنه هذا العذاب، ألا يجوز أن يكون مريضًا، ألا يصح أن يكون قد وقع في شباك صائد؟ وماذا يغني الهدهد في هذا الجمع العظيم، وماذا يجدي أو يضير إذا هو حضر أو تخلف، لكنه الانضباط التام، والملاحظة العجيبة عند سليمان الملك، وكيف أنه يتفقد رعيته كاملًا، ويهمه حضورهم ووجودهم حتى لو كان مخلوقًا ضعيفًا كالهدهد.
أيها المسلمون، وفي قول سليمان عليه السلام: مَالِيَ لاَ أَرَى ?لْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ?لْغَائِبِينَ درس عظيم، لابد من الوقوف عنده، فسليمان عليه السلام حين نظر ولم ير الهدهد، اتهم نفسه أولًا، فقال: مَالِيَ لاَ أَرَى ?لْهُدْهُدَ ، ولم يقل أين الهدهد، ولم يقل: إن الهدهد غائب.لأنه يحتمل أن يكون موجودًا، لكنه هو عليه السلام ما رآه، وهذا هو شأن أصحاب العلم، إذا هم التمسوا حقيقة من الحقائق، فلم يجدوها في أيديهم، تشككوا واتهموا أولًا أسلوب تفكيرهم، الذي لم يصل بهم إلى الحقيقة، ثم أعادوا البحث والنظر مرةً بعد مرة، حتى يجدوا ما يطلبون، أما إذا التمس المرء الحقيقة، ثم لم يجدها، ثم كان ذلك مدعاة إلى إنكارها، فذلك ليس من أسلوب العلماء، ولا من طرق تحصيل العلم. فلينبه لهذه القضية.
درس آخر، يعلمنا هذا الهدهد، وهو أنه في تأخره الحضور، مع سليمان، بماذا كان منشغلًا، وما الذي أخره عن الحضور، لقد كان منشغلًا بالدعوة إلى الله عز وجل، والإنكار على المشركين شركهم، وتسفيه أحلامهم، وتحقير آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ?للَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَعْمَـ?لَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ?لسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل:24] .
أيها المسلمون، لقد فاق هذا الهدهد، كثيرًا من الدعاة إلى الله في هذا الزمان، حيث إنهم محسوبين على الدعوة، يشاهدون المنكرات في مجتمعهم، ويشاهدون المخالفات الشرعية الواضحة، ومع هذا لا ينكرون على أقوامهم ذلك، ولا يمنعهم ذلك أن يؤاكلوهم، أو يجالسوهم، أو يشاربوهم، فهل لنا في هذا الهدهد أسوة حسنة، حيث إنه أنكر على ملكة دولة في زمانها وهي ملكة سبأ.
نسأل الله عز وجل، أن يبصرنا في ديننا، وأن يرزقنا نية صادقة، وعملًا صالحًا متقبلًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أما بعد: أيها المسلمون، وأما عن القصة الثالثة، لنبي الله سليمان عليه السلام، فكانت مع ملكة سبأ، وتسمى بلقيس، وأرض سبأ باليمن، وسميت كذلك نسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحان، وسمي هو سبأ، لأنه أول من سبي السبي من ملوك العرب، وأدخل السبايا إلى اليمن.
فبعد ما رجع الهدهد، وأخبر سليمان عليه السلام بما رآه وشاهده في أرض اليمن، من وجود امرأة تحكمهم، وأن لها دولة، أرسل سليمان عليه السلام الهدهد، إلى أرض سبأ وأعطاه رسالة إلى ملكة سبأ، طار الهدهد برسالة سليمان إلى بلقيس، وألقاها بين يديها، تناولت بلقيس الرسالة، وقرأت ما فيها، ثم جمعت أشراف قومها، وقواد مملكتها، وأخبرتهم بالرسالة، وقرأت نصها عليهم، ثم طلبت المشورة، فأجابها الحاضرون بأنهم على استعداد للقتال، مع جند سليمان, وأنهم أصحاب قوة، لكنهم أرجعوا الأمر لها، وإلى هذا تشير الآيات القرآنية: ?ذْهَب بّكِتَابِى هَـ?ذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَ?نْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ ي?أَيُّهَا ?لْمَلا إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ?للَّهِ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ قَالَتْ ي?أَيُّهَا ?لْمَلاَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَـ?طِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ?لأمْرُ إِلَيْكِ فَ?نظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:28-33] .
أيها المسلمون، ولنا وقفة مع قول بلقيس، في قول الله عز وجل: قَالَتْ ي?أَيُّهَا ?لْمَلاَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَـ?طِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ [النمل:32] ، إن هذه المرأة تكلمت بصراحة، وإنها الفطرة، ومتى كانت النساء يفتون في الأمور ويقطعونها خصوصًا ما يتعلق بأمور الدولة، فهذه المرأة مع أنها كانت ملكة سبأ، لكن عند حدوث بعض المواقف، يتبين ضعف المرأة، وأنها لا تستطيع أن تسوس الأمور، فاستشارت الملأ، ي?أَيُّهَا ?لْمَلاَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَـ?طِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ [النمل:32] ، فهل يعقل أولئك الذين ينادون بدخول المرأة في البرلمان، وأولئك الذين يريدون أن يضعوا المرأة في غير الموضع الذي وضعها الله سبحانه وتعالى خالقها وخالق الكون كله، وأعطوني دولة من الدول، من عمر هذه الأرض، حتى وقتنا هذا، ساستها امرأة من النساء، وكتب لها السداد، إنها مخالفة واضحة لفطرة الله سبحانه وتعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.
عباد الله، عند ذلك عزمت بلقيس على إرسال هدية عظيمة لسليمان عليه السلام، فإن من عادة الملوك أن الهدايا تقع في نفوسهم موقعًا حسنًا، فقالت إن قبلها سليمان عرفت أنه ملك يرضيه ما يرضي الملوك، وإن كان نبيًا أبى إلا أن نتبع دينه.
ذهب وفد بلقيس إلى فلسطين، يحملون الهدايا لسليمان عليه السلام، فلما رأى ذلك عليه السلام، أنكر عليهم، ورفض الهدية، وقال: إن بقوا على كفرهم، فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها، ولنخرجنهم من مدينة سبأ أسرى أذلاء مستعبدين، قال تعالى: قَالَتْ إِنَّ ?لْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذ?لِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ?لْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءاتَـ?نِى ?للَّهُ خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـ?كُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ?رْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَـ?غِرُونَ [النمل:34-37] .
رجع الوفد أدراجه، وأخبر ملكته بما رأى من قوة سليمان، أدركت بلقيس أن سليمان نبي مرسل، وأنها لا طاقة لها بمخالفة أمره، فتجهزت للسير إليه مع أشراف قومها.
عرف سليمان بمسيرة بلقيس إليه، فأراد أن يريها بعض ما خصه الله به من معجزات، ليكون دليلًا على نبوته، فقال لمن حوله من الجن، أيكم يأتيني بعرش بلقيس، قبل أن تصل إليّ مع قومها، ليروا قدرة الله عز وجل، فقال أحد العفاريت من الجن، أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي وتحكم فيه، وكان سليمان يجلس من الصباح إلى الظهر في كل يوم للحكم بين الناس، وما هي إلا لحظات إلا وعرش بلقيس مستقرًا في مجلسه، قال تعالى: قَالَ ي?أَيُّهَا ?لْمَلاَ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ?لْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ قَالَ ?لَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ?لْكِتَـ?بِ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ [النمل:38-40] . أمر سليمان عليه السلام رجاله، أن يغيروا هيئة العرش، ليعرف ما إذا كانت بلقيس تتعرف على عرشها وكرسي ملكها، قال سبحانه: قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ ?لَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا ?لْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ?للَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَـ?فِرِينَ [النمل:41-43] .
ثم لما رأت بلقيس من إكرام سليمان الشديد لها، ورأت الحقيقة الساطعة، التي كانت محجوبة عنها، توجهت إلى ربها: قَالَتْ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـ?نَ لِلَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [النمل:44] .
عباد الله، وأما عن موت سليمان عليه السلام، فقصته عجيبة، فبينما كان يصلي عليه السلام في محرابه، مات وهو متكئٌ على عصاه، وكما نعلم بأن الشياطين والجن كانوا مسخرين له عليه السلام، فبقي كل منهم يؤدي المهمة التي كلف بها، وينظرون إليه، ولا يعلمون أنه قد مات، فصارت دودة الأرض، تأكل من عصاه، فأكلت بعضه، فإنهار الجزء الذي أكلته فاختل توازنه، فسقط عليه السلام، عندها علم الناس والجن أنه قد مات، وذلك قول الله عز وجل: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ?لْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى? مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ?لْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ?لْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ?لْعَذَابِ ?لْمُهِينِ [سبأ:14] .
اللهم علمنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، ونسألك اللهم قلبًا خالصًا، ولسانًا ذاكرًا صادقًا..