الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الأمر بالمعروف صفة المؤمنين. 2- أثر هذه العبادة في صلاح الأمة وعزها. 3- أثر فشو المنكرات في موت القلب. 4- إنكار المنكر واجب عيني على كل مسلم. 5- أهمية الهيئات التي تقوم بواجب الحسبة والتحذير من تنقصهم.
أما بعد: إن الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين المعروف والمنكر، صراع قائم ومستمر، مادام أن الشيطان موجود، يزين الباطل والشر والمنكر، ويقبح الحق والخير والمعروف لأتباعه والمستجيبين له.
إن للحق والخير والمعروف رجالًا ودعاةً وأنصارًا يدعون إليه، ويرغبون فيه، ويأمرون به، ويصبرون عليه، ويتحملون في سبيل ذلك كل ما ينالهم ويصيبهم كما أن لهم في المقابل أعداءً، يكرهون الحق الذي معهم ويقاومونه، ويدعون إلى الباطل، ويحسنون الشر، ويفعلونه.
أيها المسلمون، لقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم: يَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ?لصَّلَو?ةَ وَيُؤْتُونَ ?لزَّكَو?ةَ وَيُطِيعُونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ?للَّهُ إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71] .
بينما وصف جل وتعالى الصنف الآخر، من أهل النفاق ومن في قلوبهم مرض بأنهم يَأْمُرُونَ بِ?لْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ?للَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ هُمُ الْفَـ?سِقُونَ [التوبة:67] .
ولكن شتان بين هؤلاء وأولئك، فالمؤمنون الصالحون الآمرون بالمعروف، وليهم الله، ومن يعاديهم من المنافقين وأذنابهم وليهم الشيطان ?للَّهُ وَلِيُّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ?لطَّـ?غُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ?لنُّورِ إِلَى ?لظُّلُمَـ?تِ [البقرة:257] .
والنهاية مهما طال الطريق، وادلهم الليل، وكثرت العقبات، سيكون بإذن الله لأصحاب الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ?للَّهِ هُمُ ?لْغَـ?لِبُونَ [المائدة:56] .
قال سفيان رحمه الله: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر أخيك، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.
أيها المسلمون: لقد جعل الله تعالى تكريم هذه الأمة، وفلاحها واستقرارها وعزها مقرونًا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما جعل عز وجل سفول هذه الأمة واضطرابها وشفاءها وذلها، بمحاربة الدعوة، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. قال الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ [آل عمران:110] ، قال القرطبي رحمه الله: في هذه الآية مدْح لهذه الأمة، ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم.
أيها المسلمون، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله هو حصن الإسلام الحصين، والدرع الواقي من الشرور والفتن، والسياج المانع من المعاصي والمحن، يحمي أهل الإسلام من نزوات الشياطين ودعوات العلمانيين، وتربص الماكرين المجرمين ويُحفظ به حرمات المسلمين.
إن فشو المنكرات وعدم تغييرها، والسكوت عنها، يؤدي إلى سلب نور القلب وانطفاء جذوة الإيمان، وموت الغيرة على حرمات الله، فتسود الفوضى، وتستفحل الجريمة، ويخرج فئران الشهوانيين، يلعبون في شوارع مجتمعات المسلمين، ثم يحيق بالقوم مكر الله، حتى إن كثرة رؤية المنكرات يقوم مقام ارتكابها في سلب القلب نور التمييز، وقوة الإنكار، لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها، وتكرر في العين شهودها، ذهبت من القلوب وحشتها، فتعتادها النفوس فلا يخطر على البال أنها منكرات، ولا يميز الفكر أنها معاصي. وهذا حال الناس اليوم، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم.
إن الخوف كل الخوف من تأنيس القلوب بالمنكرات لأنها إذا توالت مباشرتها ومشاهدتها، أنست بها النفوس، والنفوس إذا أنست شيئًا قلَّ أن تتأثر به.
إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يسبب ظهور الفسق والفجور، وفشو الفساد والدعارة، مما يؤدي إلى خراب البلاد وهلاك العباد، وحينئذٍ يحل عذاب الله، وإن عذاب الله شديد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا، يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) )رواه أبو داود.
فيا أيها الناس، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعو فلا يستجاب لكم وتستغفروا فلا يغفر لكم.
إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يدفع رزقًا، ولا يقرب أجلًا، وإن الأحبار من اليهود والنصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء.
إذًا يجب على كل فرد منا امتثال قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )رواه مسلم.
إن إنكار القلب واجب على كل أحد من المسلمين، فمن لم يكن منكرًا بقلبه، كان ذلك دليلًا على ذهاب الإيمان منه، بل وكان هذا دليلًا على أن صاحبه يحب التمتع بالشهوات، ولا يرغب في طاعة الله تعالى. من كان لا ينكر المنكرات بقلبه ولا ينزعج منها، ولا يؤلمه هذا الواقع المر في تدني الأخلاق، وشيوع الميوعة والخلاعة في أغلب الأوساط، من كان كذلك فهو في الحقيقة في عداد أموات الأحياء.
قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا.
وأظن أن وسائل الإعلام في هذا الوقت قد أتت على البقية الباقية من ذلك الإيمان الضعيف أصلًا، فجاء شر الختام وهي هذه القنوات الفضائية، فأحرقت القلوب تمامًا، وحل محل ذلك الإيمان الخفيف حب ما يبث فيها، والاستمتاع بمشاهدة المناظر المعروضة من خلالها. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِ?لْبَأْسَاء وَ?لضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ?لسَّيّئَةِ ?لْحَسَنَةَ حَتَّى? عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ?لضَّرَّاء وَ?لسَّرَّاء فَأَخَذْنَـ?هُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ?لْقُرَى? ءامَنُواْ وَ?تَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـ?تٍ مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ وَلَـ?كِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـ?هُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ?لْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـ?تًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ?لْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ?للَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْخَـ?سِرُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ?لارْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـ?هُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ تِلْكَ ?لْقُرَى? نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِ?لْبَيّنَـ?تِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ?للَّهُ عَلَى? قُلُوبِ ?لْكَـ?فِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـ?سِقِينَ [الأعراف:94-102] .
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب، واتباع سنة النبي المجاب، واقتفاء أثر الآل والأصحاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لدفع البلاء عن القرى وأهلها قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ?لْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] .
أيها المسلمون، إن أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين يمارسون العمل الميداني، هم في قمة هرم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فهم من خير الناس وأفضلهم، وهم ممن يرجى لهم الفلاح، حيث إنهم يسعون للصلاح والإصلاح، إنهم هم الذين يقفون في وجه تيار الفساد ليصدوه عن العباد والبلاد، وهم الذين يسهرون لحماية الأعراض، ويجتهدون في التقليل من الأمراض، وهم الذين يوجهون الناس إلى الخير، ويحولون بينهم وبين فعل الشر وهم الذين يمضون في المجاهدة جُلَّ أوقاتهم على قلة مرتباتهم، ولكنهم لا يرجون من الناس جزاء ولا شكورًا، وإنما يرجون من ربهم عفوًا ورحمةً وأجرًا عظيمًا. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوأ أثر الناس عليهم.
فيا عباد الله، احذروا من التحدث في شأنهم بمجالسكم، من حيث تنقصهم وغيبتهم والسخرية بهم، والعتب عليهم، كأن يقول القائل، إنهم يتدخلون فيما لا يعنيهم ،وآخر يقول:إنهم يستعجلون، عجبًا والله من هذه التهم الباطلة، إذ كان منع وقوع المنكر لا يعنيهم فما الذي يعنيهم، فإذا كاد أن يقع منكرًا ما وقاموا بضبطه أو الحيلولة دون وقوعه، إذا كان هذا استعجالًا، وإذا كان هذا لا يعنيهم، فماذا يعني غير الاستعجال أهو إذا وقعت الفاحشة، وفرغ منها، أو ارتكبت الجريمة وتفرق أصحابها، يُبحث عنهم!
أيها المؤمنون، ساعدوا أعضاء الهيئات بكل ما تستطيعون، وكونوا معهم، لا عليهم، أعينوهم على البر والتقوى وواسوهم في المصيبة والبلوى، فإنهم يتعرضون لما لا نتعرض له، ادعوا لهم في السر والعلانية، فجزى الله أعضاء الهيئات كل خير، وبيض الله وجوههم، وأعانهم، وسدد خطاهم.
أولئك الذين يسهرون، ونحن نائمون في فرشنا، ويعملون ونحن منشغلون بدنيانا، ويجاهدون للحفاظ على محارمنا وأعراضنا، ونحن لا نعلم، يصدُون الباطل، ويقاومون الفساد، ويمنعون وقوع المنكرات، فكم من جريمة ضبطوها، وكم من مصانع للخمور أزالوها، وكم من شقق للدعارة داهموا أربابها فأغلقوها، كم من منحرف اهتدى على أيديهم، وكم من عاصٍ ستروه بعد معصيته، كم من فتاةٍ أنقذوها من أيدي ذئاب البشر، وكم من طفل أرجعوه إلى والديه من عبث المجرمين به.
لهم جهود لا تُنكر وبذل وعطاءٌ ـ مع كل أسف ـ لا يُشكر في المجمعات التجارية، والشواطئ، والأسواق، وأماكن الترفيه، والحدائق العامة، في ملاحقة الساقطين والساقطات، وإبطال حيل المغازلين والمغازلات، وكل من يرتاد إلى هذه الأماكن ليصطاد في الماء العكر.
ومع كل ما يبذلون، ويقدمون، تجد من يطعن فيهم، ويتكلم عنهم، ويشهر بهم، وينقب عن أخطائهم، ولو حصل أن أخطأ أحدهم في تصرف أو سلوك أو حصل منه شيء وهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر الناس، يصيبون ويخطئون يُزيدون وينقصون، ينشطون ويكسلون، فلو حصل من أحدهم هفوة، لأصبح حديث المجالس، وسبحان الله وكأنه لا يقع في الأخطاء إلا رجال الهيئات، إنهم أيها الأحبة، يتعرضون لما لا نتعرض له، فقد يؤذى أحدهم، وقد يضرب، وقد يعتدى عليه وبل وقد يقتل وهو يؤدي مهمة رسمية، بل مهمة ربانية شرعية. فنسأل الله تعالى أن يعين ويوفق الأحياء منهم وأن يتغمد برحمته الأموات.
ما سمعنا من يعدد وينقب عن أخطاء رجال المطافي مثلًا أو المرور، أو رجال الشرطة، أو غيرهم ممن يقدمون خدمات عامة للمجتمع. وهل يعقل أن كل هؤلاء لا يخطئون، ولا يقصرون، ولا يرتكبون، ودائمًا معصومون. هذا لا يمكن أبدًا، ولا يصدقه عاقل. لكن هناك من الشهوانيين، وممن يحملون أفكارًا منحرفة، ويسعون للإباحية، لا شك بأن الذين يفضحهم ويقف في طريق تحقيق مرادهم هم رجال الهيئة، لذا تسمع الطعن فيهم ولا تسمع في غيرهم.
فما أحوجهم إلى مناصرتنا وتأييدنا ودعائنا.