الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
التربية والتزكية, قضايا الأسرة
عبد العزيز بن محمد القنام
وادي الدواسر
جامع النويعمة القديم
1-بيان نعمة البيت والسكن. 2- أهمية العناية بإصلاح البيت. 3- وسائل إصلاح البيت: اختيار الزوجة الصالحة، السعي في إصلاح الزوجة، جعل البيت مكانًا لذكر الله والعبادة، زيارة الصالحين للبيت، الاجتماعات العائلية، عدم إظهار الخلاف أمام الأبناء، الدقة في ملاحظة أهل البيت، إشاعة خلق الرفق، الملاطفة، مقاومة الأخلاق السيئة، تعليق السوط للتأديب، الحذر من منكرات البيوت.
أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه.
أيها الناس، إن البيوت نعمة من نعم الله عز وجل على عباده، قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [الحجر:8] ، فالبيت يعدّ ضروريًا لكل حي، فكل حي لا بد له أن يأوي إلى بيت، ولذلك فإن البيت للمسلم مكان أكله ونومه ونكاحه وراحته، ومكان خلوته واجتماعه بأهله وأولاده، ومكان ستر المرأة وصيانتها، قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] .
فإذا ما تأمّلت أحوال الناس الذين لا بيوت لهم ممن يعيشون في الملاجئ أو على أرصفة الشوارع واللاجئين المشردين في المخيمات المؤقتة عرفت نعمة البيت، وإذا ما سمعت حيران مضطربًا يقول:"ليس لي مستقر ولا مكان ثابت فأنا أنامُ أحيانًا في بيت فلان وأحيانًا في المقهى أو الحديقة أو على شاطئ البحر"عرفتَ معنى التشتّت والضياع الناجم عن الحرمان من نعمة البيت؛ ولذلك لما انتقم الله من يهود بني النضير سلبهم هذه النعمة وشرّدهم من ديارهم، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2] ، ثم قال تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] .
أيها المسلمون، إذا علمتم أن البيوت نعمة فإنه يجب شكر هذه النعمة، وشكر هذه النعمة يكون بتسخيرها في طاعة الله والبعد عن معصيته، ولذلك فإنه يجب عليك ـ أيها المسلم ـ الاهتمام بإصلاح بيتك لعدة أمور منها:
أولًا: وقاية النفس والأهل نار جهنم، والسلامة من عذاب الحريق، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
ثانيًا: عظم المسؤولية الملقاة على راعي البيت أمام الله يوم الحساب، قال: (( إن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته ) )رواه النسائي وابن حبان عن أنس وهو في صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة.
ثالثًا: أنه المكان لحفظ النفس والسلامة من الشرور وكفّها عن الناس، وهو الملجأ الشرعي عند الفتنة، قال: (( طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته ) )رواه الطبراني في الأوسط عن ثوبان وهو في صحيح الجامع، وقال: (( سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته ) )رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي موسى وهو في صحيح الجامع.
رابعًا: أن الناس يقضون أكثر أوقاتهم في الغالب داخل بيوتهم، وخصوصًا في الحر الشديد والبرد الشديد والأمطار وأول النهار وآخره وعند الفراغ من العمل أو الدراسة، ولا بد من صرف هذه الأوقات في الطاعات، وإلا فإنها ستضيع في المحرمات والعياذ بالله.
خامسًا وهو من أهمها: أن الاهتمام بالبيت هو الوسيلة الكبيرة لبناء المجتمع المسلم، فإن المجتمع يتكوّن من بيوت هي لبناته، والبيوت أحياء، والأحياء مجتمع، فلو صلحت اللبنة لكان مجتمعنا قويًا بأحكام الله، صامدًا في وجه أعداء الله، يُشِع الخير، ولا ينفذ إليه الشر، فيخرج البيت الصالح إلى المجتمع وأركان الإصلاح فيه من الداعية القدوة والقائد الرباني وطالب العلم المجتهد والمجاهد الصادق والشاب الغيور على دينه وعلى عرضه والبنت العفيفة الطاهرة والزوجة المخلصة والأم المربية وبقية الصالحين المصلحين.
أيها الناس، إذا كان الموضوع بهذه الأهمية وبيوتنا قد نزلت بها المنكرات الكثيرة وأصاب بعضها الضياع والتفريط والحرمان وذلك بسب إهمال إصلاح البيوت، فلذلك فإننا سنتناول بعض وسائل إصلاح البيوت، فنقول: تكوين البيت وإصلاحه يكون بالأمور التالية:
أولًا: حسن اختيار الزوجة، حيث ينبغي على صاحب البيت انتقاء الزوجة الصالحة بالشروط التالية: (( تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) )متفق عليه، (( الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ) )رواه مسلم، (( ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان وهو في صحيح الجامع، (( تزوجوا الودود الولود؛ إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ) )رواه البيهقي في الشعب عن أبي أمامة وانظر: صحيح الجامع، (( عليكم بالأبكار؛ فإنهنَّ أنتق أرحامًا وأعذب أفواهًا وأرضى باليسير ) )رواه أحمد عن أنس وقال في إرواء الغليل:"صحيح".
وفي المقابل لا بدّ من التبصر في حال الخاطب الذي تقدم للمرأة المسلمة، والموافقة عليه حسب الشروط الآتية: (( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض ) )رواه ابن ماجه وهو في السلسلة الصحيحة.
فالرجل الصالح مع المرأة الصالحة يبنيان بيتًا صالحًا؛ لأن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا.
ثانيًا: السعي في إصلاح الزوجة، إذا كانت الزوجة صالحة فبها ونعمت، وهذا من فضل الله عز وجل، وإن لم تكن بذاك الصلاح فإن من واجبات رب البيت السعي في إصلاحها، وذلك بالوسائل التالية: الاعتناء بتصحيح عقيدتها وعبادتها بكافة أنواعها، السعي لرفع إيمانها، وذلك بحثها على قيام الليل وتلاوة الكتاب العزيز وحفظ الأذكار والتذكير بأوقاتها ومناسباتها، وحثها على الصدقة وقراءة الكتب الإسلامية النافعة وسماع الأشرطة الإسلامية المفيدة العلمية منها والإيمانية، ومتابعة إمدادها بها، واختيار صاحبات لها من أهل الدين تعقد معهن أواصر الأخوة، وتتبادل معهن الأحاديث الطيبة والزيارات الهادفة، ودرء الشر عنها، وسدّ منافذه إليها بإبعادها عن قرينات السوء وأماكن السوء.
أيها المسلمون، اجعلوا البيت مكانًا لذكر الله وشكره، قال: (( مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميت ) )، فلا بد من جعل البيت مكانًا للذكر بأنواعه المختلفة، سواء ذكر القلب، أوذكر اللسان، أو الصلوات وقراءة القرآن، أو مذاكرة العلم الشرعي وقراءة كتبه المتنوعة. وكم من بيوت للمسلمين اليوم ميتة بعدم ذكر الله فيها، بل ما هو حالها إذا كان الذي يذكر فيها هو ألحان الشيطان من المزامير والغناء والغيبة والنميمة والبهتان؟! وكيف حالها وهي مليئة بالمعاصي والمنكرات كالاختلاط المحرم والتبرج بين الأقارب من غير المحارم أو الجيران؟! فأحيوا بيوتكم ـ رحمكم الله ـ بذكر الله.
ثم اجعلوا بيوتكم قبلة، وذلك باتخاذ البيت مكانًا للعبادة، قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:87] ، قال ابن عباس: (أمروا أن يتخذوها مساجد) ، وقال ابن كثير:"وكأنّ هذا ـ والله أعلم ـ لما اشتدّ بهم البلاء من قبل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كما قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] "، ولنتذكر في هذا المقام محراب مريم، وهو مكان عبادتها الذي قال الله فيه: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران:37] . وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على الصلاة في بيوتهم من غير الفريضة، فعن محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ممن شهد بدرًا من الأنصار، أنه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بُعدي وأنا أصلّي لقومي، إذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وددت ـ يا رسول الله ـ لو أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، قال: فقال رسول الله: (( سأفعل إن شاء الله ) )، قال عتبان: فغدا رسول الله وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول لله فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: (( أين تحب أن أصلي من بيتك؟ ) )قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلّم. رواه البخاري.
أيها الناس، لنربي أنفسنا وأهلينا على الإيمان الذي يتبعه العمل، فعن عائشة قالت: كان رسول الله يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: (( قومي فأوتري يا عائشة ) )رواه مسلم، وقال: (( رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، فأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء ) )رواه أحمد وانظر: صحيح الجامع. ومما يزيد الإيمان ترغيب النساء في الصدقة، وهو أمر عظيم حثّ عليه بقوله: (( يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) )رواه البخاري.
عباد الله، إن علينا جميعًا الاهتمام بالأذكار الشرعية والسنن المتعلقة بالبيوت، فمن ذلك أذكار دخول المنزل والخروج منه، وأذكار الصباح والمساء، وغير ذلك.
وعلينا أن نقوم بتعليم أهالينا الأحكام المتعلقة بالصلاة والصيام، وجميع أركان الإسلام والإيمان، وأحكام الحلال والحرام، ومما يساعد في ذلك إتاحة المجال لهم ليتفقهوا في الدين، وإعانتهم على الالتزام بأحكام الشريعة، وعمل مكتبة إسلامية في البيت، وليس بالضرورة أن تكون كبيرة، ولكن العبرة بانتقاء الكتب المهمة، ووضعها في مكان يسهل تناولها، وحثّ أهل البيت على قراءتها، وحبذا لو يضاف إلى المكتبة جزء مهمّ من الأشرطة الدينية المفيدة، ولتكن هذه الأشرطة شاملة للعقيدة الصحيحة والفقه المستمد من الكتاب والسنة والزهد والرقائق والآداب والأخلاق والسلوك، وغيرها من العلوم المهمّة، وأن تكون هذه الأشرطة لأهل العلم المتقنين ذوي العقائد السليمة وأصحاب الزهد والورع والمعتمدين على الأحاديث الصحيحة.
أيها المسلم، ومن الوسائل المهمة لإصلاح بيتك: عليك بدعوة الصالحين والأخيار وطلبة العلم لزيارة البيت، قال الله تعالى عن نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا [نوح:28] . إنَّ دخول أهل الإيمان بيتك يزيدك نورًا، ويحصل بسبب أحاديثهم وسؤالهم والنقاش معهم من الفائدة أمور كثيرة، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، وجلوس الأولاد والإخوان والآباء وسماع النساء من وراء حجاب لما يقال فيه تربية للجميع، وإذا أدخلت خيرًا منعت شيئًا من دخول الشر والتخريب.
وعليك بتعلّم الأحكام الشرعية للبيوت، وتعليمها لأهل بيتك، ومن ذلك أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، فقد قال: (( خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ) )، وأن لا يؤمّ غيره في بيته، ولا يقعد في مكان صاحب البيت إلا بإذنه، قال: (( لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه ) )رواه الترمذي.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: ومن الوسائل لإصلاح البيوت: إتاحة الفرصة للاجتماعات التي يناقش فيها مشاكل العائلة، فعندها تتاح الفرصة لأفراد العائلة بالجلوس سويًا في وقت مناسب لمناقشة أمور داخلية أو خارجية تتعلق بالعائلة، فإن ذلك يعد علامة على تماسك الأسرة وتفاعلها وتعاونها.
ومن الوسائل: عدم إظهار الخلافات العائلية أمام الأولاد؛ فإن إظهار ذلك مما يزعزع تماسك البيت، ويضر بسلامة البناء الداخلي لأهل البيت، وعدم إدخال من لا يُرضى دينه وخلقه إلى البيت، قال رسول الله: (( مثل جلس السوء كمثل صاحب الكير ) )، وفي رواية البخاري: (( وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة ) )، إي ورب الكعبة، إنه يحرق بيتك بأنواع الفساد والإفساد، فكم سبّب دخول المفسدين والفاسقين العدوان بين أهل البيت، وكم فرّق بين الرجل وزوجته بسبب دخول الفاسدين المفسدين، وكم سبّب دخولهم العداوة بين الأب وأولاده، وما أسباب وضع السحر في البيوت أو حدوث السرقات أحيانًا وفساد الخلق كثيرًا إلا بإدخال من لا يُرضى دينه وخلقه.
وإن المرأة تتحمّل في البيت جزءًا عظيمًا من هذه المسؤولية، قال رسول الله: (( يا أيها الناس، أي يوم أحرَم؟ أي يوم أحرم؟ أيّ يوم أحرم؟ ) )قالوا: يوم الحج الأكبر، ثم قال في ثنايا خطبته الجامعة في ذلك اليوم: (( فأما حقكم على نسائكم فلا يوطِئن فرشَكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون ) )رواه الترمذي وهو في صحيح الجامع.
أيها المسلمون، ومن الوسائل في إصلاح البيوت الدقة في الملاحظة لأحوال أهل البيت، فكثير من الآباء لا يعرفون من يصاحب أبناؤهم، ومع من يجلسون، ومع من يسافرون، والبنت من هن صديقاتها؟ وما مدى تعلّمها؟ وهذا الإهمال قد يكون أكبر الأسباب في انتكاس كثير من الأبناء ووقوعهم في الشر والفساد، إلا أنه ينبغي عليك ـ أيها الأب ـ مراعاة ما يلي: عدم تحسيس الأولاد بفقدان الثقة بهم، مراعاة النصح أو العقاب بأعمار الأولاد ومداركهم ودرجة الخطأ، أن تكون المراقبة خفية.
أيها الأب، أيتها الأم، عليكما بالاهتمام بالأطفال في البيت، وذلك في جوانب عدة منها: تحفيظهم القرآن والقصص الإسلامية، الحذر من خروج الأطفال مع من هب ودب، الاهتمام بلعب الأولاد المسلية والهادفة غير المحرمة، التفريق بين الذكور والإناث في المضاجع، الممازحة والملاطفة.
وعليكما بالحزم في تنظيم أوقات النوم والواجبات وحفظ أسرار البيوت، قال: (( إن من شرار الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ) )رواه مسلم، وغيرها من الأدلة.
أيها المسلمون، ومن الوسائل أيضًا إشاعة خلُق الرفق في البيت، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( إذا أراد الله عز وجل بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق ) )رواه الإمام أحمد وهو في صحيح الجامع، وفي رواية: (( إن الله إذا أراد أهل بيت أدخل عليهم الرفق ) )رواه ابن أبي الدنيا وغيره وهو في صحيح الجامع، أي: صار بعضهم يرفق ببعض.
ومن الوسائل أيضًا معاونة أهل البيت في عمل البيت، فقد كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله ـ يعني: خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
ومنها: الملاطفة والممازحة لأهل البيت، (( فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحك ) )رواه البخاري.
ومنها: مقاومة الأخلاق الرديئة في البيت كخلق الكذب والغش، فقد كان كما تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله إذا اطّلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة. وهو في صحيح الجامع.
وهذا بخلاف ما يفعله بعض الناس اليوم حيث يرى أحد أبنائه يغشّ أو يكذب فلا ينكر عليه، بل ربما شجعه على ذلك، ولربما قال الأب للبنت أو للابن: إذَا فلان من الناس دقّ الباب وسأل عني فقل له: غير موجود. فأين هذا وأمثاله من هدي رسول الله: كان رسول الله إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله. ففسدت البيوت وضاع الأولاد ونزعت البركة بسبب المعصية وعدم إنكار المنكر.
ومنها: تعليق السوط حيث يراه أهل البيت، وذلك تلويحًا بالعقوبة لكل من يرتكب ما يغضب الله، ولكل من يستحقّ التأديب، قال: (( علّقوا السوطَ حيث يراه أهل البيت؛ فإنه أدب لهم ) )أخرجه الطبراني وهو في السلسلة الصحيحة.
وأخيرًا: الحذر الحذر من المنكرات في البيوت، من الاختلاط بين الأقارب من الرجال والنساء وصور ذوات الأرواح والتدخين واقتناء الكلاب والنظر إلى الشاشات المحرمة والعبث بالهاتف، وإنني أنصح كل واحد منكم بقراءة كتاب مهم جدًا: (أخطار تهدّد البيوت) للشيخ محمد المنجد. فقد فصّل فيه الأخطار التي تواجه البيوت بما فيه كفاية.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من المصلحين، تحظوا برضا الخالق رب العالمين، وتكونوا عنده سبحانه من المفلحين الفائزين.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظ بيوتنا وبيوت المسلمين من كل شر ومكروه، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ألا وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله، حيث قال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...