الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الكبائر والمعاصي, اللباس والزينة, قضايا المجتمع
ناصر بن عمر العمر
المدينة المنورة
جامع جابر الأحمدي
1-عموم البلوى بقضية التصوير. 2- معنى التصوير. 3- أقسام التصوير. 4- أحاديث في النهي عن التصوير. 5- الفرق بين صنع الصور وبين اقتنائها. 6- حكم الصور. 7- حكم لعب الأطفال المصورة. 8- التصوير الفوتغرافي. 9- توجيهات ونصائح بهذا الخصوص. 10- أثر الصور في الانحراف العقدي. 11- مفاسد انتشار الصور بسبب التقنيات الحديثة.
نواصل حديثنا المهم حول اللباس والزينة، ونحن نُعَرِّف ونُذَكِّر بما حرمه الله حتى يتجنبه المسلم، وليكون على حذر منه، وحتى لا يقول الجاهل: لا أدري، وحتى يتذكر الناسي ويتنبه الغافل، وحتى تصحَّح بعض المفاهيم وتكون منضبطة بضوابط الشرع المطهر.
ومما يحرم في باب اللباس لبس ما عليه تصوير لذوات الأرواح، وبهذه المناسبة نتكلم في هذه الخطبة عن التصوير عموما؛ وذلك لأن موضوع التصوير مما عمت به البلوى وكثر وشاع حتى لا يخلو منه مكان، وحتى أنه يستغرب البعض من طرح مثل هذه المواضيع؛ ولذا رأيت أن أفصّل قليلا في موضوع التصوير على أن نجمل الموضوع وأجمع شتاته ما استطعت.
التصوير في اللغة العربية معناه التخطيط والتشكيل وصناعة الصور واختراعها سواء كانت مجسمة أو مسطحة.
وذكرُنا للتعريف اللغوي هنا لنلمح بعد قليل لمسألة التصوير الفوتوغرافي، والتصوير إما أن يكون لذوات الأرواح أو يكون لما لا نفس له، ويكاد الإجماع ينعقد بين العلماء على جواز تصوير ما لا نفس له.
والتصوير ينقسم حسب صنعته إلى ثلاثة أقسام: أحدها التصوير المجسَّم الذي له أبعاد وجرم محسوس، والآخر المسطح وهو اليدوي في الغالب وهو الرسم المعروف، والثالث هو التصوير الضوئي أو الفوتوغرافي.
وبادئ ذي بدء نسوق عددا من أحاديث السنة المطهرة الصحيحة في شأن التصوير، ففي الصحيحين يقول: (( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) )، ويقول: (( أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ) )، ويقول: (( إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة ) )، ويقول: (( كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فيعذبه في جهنم ) ). فنسأل الله السلامة والعافية. وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: (( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، وليخلقوا حبة، وليخلقوا شعيرة ) ). وقد امتنع جبريل عليه السلام من الدخول على النبي في بيته، وعلل ذلك بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صور وتماثيل.
هذه بعض الأدلة الشرعية سقتها مختصرة لأبين عظيم وخطر أمر التصوير وأنه من كبائر الذنوب؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله، ولما فيه من الحرمان من بركة دخول الملائكة الأطهار.
ويجب أن نفرّق بين صنعة الصورة بتشكيلها أو رسمها أو تصويرها وبين استعمال هذه الصور، فممّا لا شك فيه أن المصور أشد إثما وأكبر جرما من مستعملها، وإن كان مستعملها لم يستعملها إلا رضًا بما صنعه المصور وإعجابا به، لكن يظل أخف وطأة ممن شكل أو رسم أو صور.
وذهب جماهير أهل العلم من السلف والخلف إلى تحريم صناعة الصور المجسمة وصناعة الصور المسطحة، والأدلة على ذلك ما يلي:
في البخاري أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما يستفتيه فقال له: إني رجل أصوّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: أنبئك بما سمعت من رسول الله ، سمعته يقول: (( كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس فتعذبه في جهنم ) )، فاشتد الأمر على الرجل واصفر وجهه فقال له: فإن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
ومما استدل به العلماء في ذلك قصة جبريل عليه السلام حيث قال للنبي: (( إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل ) )، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، أي: صور مسطحة مرسومة، (( فمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر يقطع فيجعل منه وسادتان توطآن ) ).
وأمر النبي بهدم التماثيل التي كانت في مكة وجزيرة العرب، وأوصى عليا بقوله: (( لا تدع تمثالا إلا طمسته ) ).
واتفق جماهير العلماء على جواز صنعة الصور والتماثيل لذوات الأرواح إذا كانت مقطوعة الرأس قطعا تاما بحيث يزال الرأس تماما بعيدا عن الجسد، ولم يعتبروا وجود خيط أو خط مانعا للتحريم كما يفعله بعض الجهلة.
ويبقى في هذا الجانب تساؤل مهم حول صناعة لعب الأطفال كالعرائس للبنات وغيرها، فلعب الأطفال هذه على نوعين: نوع مما كان موجودا من القدم، ونوع جديد استجدّ في الوقت الحاضر. أما النوع القديم وهو ما كان مصنوعا من القطن والخرق والقماش وهذه في الغالب لا تتميز فيها صورة ذوات الروح تمييزا تاما كاملا دقيقا فهذه قد أجازها كثير من العلماء السابقين والمعاصرين، واستدلوا على ذلك بأن أم المؤمنين عائشة وقد تزوّجها النبي وهي صغيرة كانت تلعب بمثل هذه العرائس وتسميها بناتها، وكان النبي يدخل عليها وهي تلعب بها وهو يضحك منها ولا ينكر عليها. قال العلماء: إن الأطفال يتسامح في حقِّهم ما لا يتسامح به مع الكبار المكلفين، ولأن الصغار تنفعهم مثل هذه الأمور في تربيتهم الحالية والمستقبلية، فجاء الشرع بالرخصة للأطفال في هذا الباب.
وأما النوع الثاني من لعب الأطفال فهي بعض العرائس الحديثة التي تصنع من البلاستيك، وهي لم تكن موجودة في السابق، فلم يتكلم عنها علماء السلف الصالح، واختلف العلماء المعاصرون فيها، وبعضهم توقف في الفتوى فيها كسماحة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. قال بعضهم عن هذه العرائس: ليست من جنس العرائس التي كانت تلعب بها السيدة عائشة ، فتلك كانت من العيدان والخرق، أما هذه اليوم فهي مصنوعة بحرفية كاملة وهي تشبه المخلوق تماما، وبعضها يمشي وبعضها يتكلّم؛ ولهذا حرمها بعض العلماء لأن فيها مشابهة ومضاهاة لصنع الخالق تبارك وتعالى وهو أحسن الخالقين، وهو الذي صور عباده فأحسن صورهم، في أي صورة ما شاء ركبهم.
وذهب بعض العلماء إلى أن الأصل في هذه الألعاب المسامحة طالما كانت للأطفال، ونظروا إلى الهدف منها وهو المساعدة على تربية هذه الأطفال، والأولى بأولياء الأمور أن يشتروا ـ إن كان لا بد ـ تلك العرائس من القطن والتي لا يكون فيها تشابه شديد مع الحقيقة، وتترك هذه الألعاب البلاستيكية.
والنبي دخل على عائشة يوما فقام على الباب ولم يدخل حجرتها، فعرفت عائشة الكراهة والغضب في وجه رسول الله فسارعت فقالت: أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت؟! قال: (( ما بال هذه النمرقة؟ ) )والنمرقة هي الوسادة، قالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال: (( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) )، وقال: (( البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة ) ).
والنوع الثالث من أنواع التصوير هو التصوير الحديث المعروف بالفوتوغرافي، وهذا لم يتكلم عليه العلماء السابقون، إنما هو من الأمور المستحدثة. وانقسم فيه العلماء المعاصرون، فقسم يرى فيه التحريم والمنع إلا للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، كالتصوير من أجل الهوية ولأجل التعليم الذي لا بد منه، وكالنواحي الأمنية والحربية وغيرها من المصالح الضرورية. وقسم من العلماء أجازه مطلقا على أن لا يصوّر شيء محرّم كالعورات. وبعضهم توسط فيه، فلم يجعله كالتصوير الذي يشمله الوعيد والنهي، ولم يجز في نفس الوقت فتح باب التصوير لكل شيء، وهذا ما ذهب إليه سماحة الشيخ العثيمين رحمه الله حيث توسّط وقال:"التصوير الفوتوغرافي ليس هو التصوير المتوعَّد عليه بالعقوبة، ولكن ينظر ما هو المراد من هذا التصوير، فإن كان المراد من التصوير مباحا أبحناه، وإن كان المراد به شيئا محرما حرمناه، وقال: ومن الأمور المحرمة في التصوير الفوتوغرافي هو التصوير للذكرى، فهي من المحرمات، وكذلك التصوير لتعليقها في البيوت، فهي من المحرمات".
والسبب في اختلاف العلماء يعود في نظرتهم إلى ماهية التصوير الفوتوغرافي، فمن نظر إليه كنظره لعمل المجسات والرسوم المسطحة مِثلا بمثل حرّمه وعدّه من الكبائر، ومن نظر إليه إلى أنه في الحقيقة ليس هو التصوير المعروف وإنما أخذ اسمه فهو حبس للصورة الأصلية التي خلقها الله كما هو حال المرآة، ويقول ابن عثيمين رحمه الله:"لو أن شخصا وقّع توقيعا على ورقة، وقام رجل آخر بتصوير هذه الورقة في آلة التصوير المعروفة، لم يقل أحد: إن هذا الرجل الذي صوّر الورقة قد قام بتقليد وعمل هذا التوقيع، على عكس ما لو جاء رجل وقام بتقليد أو تزوير هذا التوقيع وحاول أن يعمل مثله".
والتصوير الفوتوغرافي هذا ليس فيه تقليد أو مضاهاة لخلق الله، بل كل ما في الأمر هو حبس هذه الصورة الموجودة في الواقع على ورق دون أي تعديل.
وهذا التصوير في الحقيقة مما عمت به البلوى في هذا الزمان ولم يسلم منه أحد، فوجد في الهويات والنقود والكتب والقراطيس والملابس وكل شيء تقريبا، ولذلك فإن مما يوجه به الناس وينصحون به:
أولا: ما نصحنا به رسول الله في مثل هذه الحالات التي يقع فيها اللبس والتردد بين الحلال والحرام، وسماها رسول الله المتشابهات، فماذا قال نبينا مرشدا لنا ومعلما لنا وهو يعلم أن هذا سيقع علينا؟ قال: (( إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) ). فهذا الحديث هو منهج نبوي حكيم في التعامل مع المتشابهات التي تقع حين اختلاف العلماء، وخاصة إذا كان هذا الاختلاف في شيء من كبائر الذنوب.
ثانيا: أن على المسلم أن يتقي الله ما استطاع في الابتعاد عن هذه الصور، ولا يكلف الله نفسا إلى وسعها، فإن استطاع أن لا يشتري شيئا فيه صور فليفعل وليأخذ سلعة غيرها ليطهر بيته منها.
وصناعة الصور ليس كاستعمالها، وخاصة إذا وردت إلينا هذه الصنعة من غير المسلمين، فالمستعمل لهذه الصور لا يخلو من حالين: إما أن تكون الصور مباحة كلعب الأطفال، وخاصة القديم منها، وكذلك متى كانت هذه الصور مهانة تستخدم للجلوس عليها والوطء عليها، وإن كان الأولى أن لا تشتري خروجا من خلاف العلماء واستبراء للدين. أو يكون استعمالها محرما، وهي ليست كحرمة صنعتها، وإنما أخف، وهذه لا يجوز استعمالها للزينة في البيوت والسيارات، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وهذه نص العلماء على تحريمها قطعا، وهي مانعة لدخول الملائكة للبيوت، وفيها مشابهة الكفار في صناعتهم الصور وافتتانهم بها. وابتعاد الملائكة هو في الحقيقة عقوبة لحامل هذه الصور، والملائكة عباد مطهرون أنقياء، وعدم دخولهم للبيوت وأماكن العمل مصيبة عظيمة، فيُحرم أصحاب الصور من استغفار الملائكة لهم والدعاء لهم وحفظهم لهم من شياطين الجن والإنس، ولذلك كان من أدب اللباس الذي هو موضوعنا في الأصل أن لا تكون الثياب مشتملة على صور لذوات الأرواح، فاللابس لها لا تقربه الملائكة، ولبسها محرم، وشراؤها وبيعها محرم كما بينا من الأدلة.
لقد ارتبط التصوير منذ فجر التاريخ بالضلال والهلاك للأمم، وكان الشيطان حريصا على فتنة الأمم بالتصوير، فزين للناس أعمالهم حتى سار بهم خطوة بخطوة إلى الشرك والعياذ بالله، فما كانت الأصنام عبر التاريخ إلا من تزيين الشيطان لبني آدم بعد فتنهم بالتصوير، واليوم يزيد الشيطان بني آدم على فتنة التصوير فتنة أخرى واستدراجا آخر لهم عبر التصوير الفوتوغرافي والمتحرك، حينما زينه لهم فتعلقت به قلوب العباد حتى ترى الواحد قد وضع في سيارته وفي غرفته وفي محفظته شيئا لمن فتن بهم والعياذ بالله من صور المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات واللاعبين، بل وحتى من الخليلات نسأل الله السلامة، انتشر التصوير فانتشرت معه المصائب للبنات في بيوتهن، وهتكت الأعراض بسبب هذا التصوير، وصورت حفلات أفراح والنساء في كامل زينتهن، ويقال: إن الشريط لا يطلع عليه أحد، ثم يقدر الله خيانة أو سرقة المنزل بما فيه من هذه الأشرطة، فتنتشر صور هذه العورات، صاح أحدهم وهاج في مركز الشرطة حينما سرق بيته يقول: ليأخذوا من البيت كل شيء لا يهمّ، ولكن شريط الفيديو في الدولاب هو المصيبة هو المصيبة، لقد كان يصوّر نفسه هو وزوجته في مخدع الزوجية، فانظر إلى عقوبة الله حينما ينحرِف الناس عن الجادّة.
وازدادت فتنة التصوير حتى ظهر علينا الهاتف الجوّال بكاميراته التي أزعجت الناس وجعلت الحليم حيرانا، ففتن الناس بالتصوير، فيحمل على هذا الجهاز الصغير مئات الصور، يقول أحدهم: لقد رنّ جوال الذي بجانبي في الصلاة، وإذا به يخرجه من جيبه ليغلقه، فإذا على شاشته صورة إحدى المغنيات، فحمل هذا العفن حتى إلى بيوت الله.
لقد انتشرت الكاميرات وأصبحت الكاميرا التي ترصد وتسرق عورات الناس في كل مكان وبكل سهولة، وهذه المصائب تحتاج اليوم إلى وقفة جادّة من المجتمع في محاربتها، وعلى النساء اليوم المحافظة على سترهن، وعدم وضع ثيابهن إلا في بيوت أزواجهن، ولا يهتكن ستر الله عليهن فيندمن.
إن العالم أجمع أصبح يعاني من هذه التقنية الخطيرة، فالآن تدور مشكلة حتى في الغرب من هذه الجوالات التي أصبحت تتلصص وتسرق وتنظر إلى ما لا يحل لها عرفا وأدبا وقانونا.
نخلص من خطبتنا هذه بأن التصوير محرم في شريعة الإسلام، وما أجيز منه أجيز فقط للضرورة والحاجة، والضرورة تقدر بقدرها لا تزيد عليها، فأنا أدعوكم اليوم إلى التوبة إلى الله العلي العظيم من ذنوب التصوير على كافة أشكاله، والبعض قد يقول في نفسه: إن الخطيب يغرّد بعيدا في عالم آخر، نعم ولكني أخاطب القلوب المؤمنة أن تتوب إلى الله وأن تترك هذه التصاوير والتماثيل التي في البيوت، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، فتوبوا إلى ربكم توبة نصوحا، وأتلفوا ما عندكم من الصور، فهي قربة تتقربون بها إلى ربكم.