فهرس الكتاب

الصفحة 4341 من 5777

الوالدان

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي, الوالدان, فضائل الأعمال, مكارم الأخلاق

حمود بن عبد الله إبراهيم

الدمام

جامع بلاط الشهداء

1-أهمية بر الوالدين ومنزلته. 2- وجوب طاعة الوالدين في غير معصية. 3- ما جاء في حق الأم على ولدها. 4- ما جاء في حق الأب على ولده. 5- فوائد بر الوالدين. 6- التحذير من عقوق الوالدين. 7- نماذج من بر السلف بآبائهم.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فهي وصية الله لنا ولمن قبلنا: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ [النساء:131] .

أيها الإخوة، حديثنا اليوم عن عبادة من أفضل القرب التي تقرّبنا إلى ربنا عز وجل، وهي سبب لحصول الرزق والتوفيق إلى كل خير في الدنيا والآخرة. ونظرًا لأهميتها فقد قرنها الله مع عبادته في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] ، إنها عبادة بر الوالدين.

ونظرًا لعظم حق الوالدين فإن الله جل شأنه قرن شكره بشكرهما، فقال تعالى: أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ [لقمان:14] ، حيث إن بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله وأفضلها بعد الصلاة، وهو مُقدَّم حتى على الجهاد في سبيل الله، سئل النبي: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( بر الوالدين ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )متفق عليه، وروى مسلم في صحيحه: أقبل رجل إلى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله عز وجل، قال: (( فهل من والديك أحد حي؟ ) )قال: نعم، بل كلاهما، قال: (( فتبتغي الأجر من الله عز وجل؟ ) )قال: نعم، قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) )، وفي رواية البخاري أنّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: (( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ) )قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (( فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) )، وفي حديث إسناده جيد أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: (( هل بقي من والديك أحد؟ ) )قال: نعم، أمي، قال: (( قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج معتمر ومجاهد ) ).

وقال رجل لابن عباس: إني نذرت أن أغزو الروم، وإنّ أبواي منعاني، فقال: (أطع أبويك؛ فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك) ، حتى إن سفيان الثوري ذهب إلى أبعد من ذلك فقال:"لا يغزو إلا بإذنهما، وإن كانا مشركين".

أيها الإخوة، مما يؤكد فقه الصحابة لمسألة بر الوالدين ما حدث في قصة كلاب بن أمية المشهورة، فقد أرسل عمر بن الخطاب كلابًا أميرًا على جيش للجهاد في إحدى الغزوات، وعندما علم أبو كلاب برحيل ابنه تأثّر تأثّرًا شديدًا لفراق ابنه كلاب، وقال هذه الأبيات المحزنة:

لِمن شَيْخَانِ قد نَشَدَا كِلابَا كتابَ الله لو عَقَلَ الكتابَا

أُنادِيهِ فيُعْرِضُ فِي إبَاءٍ فلا وأبي كلابٍ ما أصابا

إذا سَجَعَتْ حَمامةُ بَطْن وادٍ إلى بيضاتِها أدعو كِلابا

تركتَ أباك مُرْعِشَةً يداه وأمّكَ ما تسِيغُ لها شَرابا

فإنك والتماس الأجر بعدي كباغي الماء يلتمس الشَّرابا

فسمع عمر بن الخطاب هذه الأبيات من أبي كلاب، فاستدعى كلابًا على الفور، وعندما حضر كلاب وأبوه لا يعلم بحضوره، فسأله عمر: كيف كان برّك بأبيك؟ فقال: إني أحلب له كل يوم وأسقيه اللبن، فقال له عمر: احلب هذه الشاة، واستدعى عمر أبا كلاب وقدّم له اللبن وهو لا يشعر بوجود ابنه عند عمر، فقال الأب: إني لأشم رائحة يدَي كلاب، فبكى عمر وقال لكلاب: جاهد في أبويك. قال ابن عبد البر:"هذا الخبر صحيح".

أيها الإخوة، ومما يؤكد عظم حق الوالدين أنهما حتى لو كانا كافريْنِ فيجب برّهما، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهمَا قَالَتْ: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة مشركة، أفأصِلها؟ قال: (( نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ ) )رواه البخاري.

بل الأمر ـ أيها الإخوة ـ أعظم من كونهما كافرين، بل وحتى لو كانا يأمران ولدهما المسلم أن يكفر بالله فيجب أن يبرهما، ويحسن إليهما، لكن لا يطيعهما في الكفر، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15] .

أيها الأخ المسلم، إن حق أمك عليك عظيم جدًّا، ولو تأمّلت ما في هذه الأدلة التي سأذكرها لنذرت نفسك لخدمتها ليلًا ونهارًا، ولن تستطيع أن توفّيها شيئًا من حقها عليك، قال تعالى: وَوَصَّيْنَا ?لإِنسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ إِحْسَـ?نًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَـ?لُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15] . وروى البخاري أنه جاء رجل إلى النبي فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) )، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من برّ الوالدة) ، وقال هشام بن حسان: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن:"تعشَّ العشاء مع أمك تقر به عينها، فهو أحب إلي من حجة تحجها تطوّعًا"، وقال: (( دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان، فقال: كذلك البر ) )، وكان أبر الناس بأمه. والحديث في السلسلة الصحيحة.

أيها الإخوة، وقد وردت نصوص أيضًا في فضل وعظم حق الوالد عند الله عز وجل، قال النبي: (( رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد ) )والحديث رواه الترمذي وصححه ابن حبان.

ومن عظيم مكانة الوالد أن الله يستجيب دعاءه على ولده، فقد قال: (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ) )حديث حسن.

فاسع ـ أخي المسلم ـ في إرضاء والدك حتى تنال الخير العظيم، وتوفّق في أولاد يحسنون إليك كما أحسنت أنت إلى أبيك، واحذر أن تعقّه فيدعو عليك.

أيها المسلمون، إن لبر الوالدين فوائد كثيرة تعود على الولد، فلماذا نفرط في هذا الخير العظيم؟!

فمن هذه الفوائد سعة الرزق وطول العمر، فعن رسول الله قال: (( من سرّه أن يُمَدَّ له في عمره ويُزادَ له في رزقه فليبرّ والديه وليصل رحمه ) )والحديث حسن بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين.

كما أنه بفضل بركة بر الوالدين تحصل ـ بإذن الله ـ حسن الخاتمة، فعن علي بن أبي طالب أن النبي قال: (( من سره أن يُمَدَّ له في عمره ويُوسَّعَ له في رزقه ويُدفَعَ عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه ) )والحديث إسناده جيد.

وقد جعلَ اللهُ البرَّ بِالْوَالِدَيْنِ بابًا للفوْزِ برضاهُ سبحانهُ، ففي الحديثِ أنَّ رسُولَ اللهِ قَالَ: (( رِضا الرَّبِّ فِي رِضا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا ) )والحديث في صحيح الجامع.

ومن الفوائد كذلك أن نكسب بر أولادنا لنا في المستقبل، وأيضًا من الفوائد استجابة الدعاء من الله لمن بر والديه، وكذلك في بر الوالدين تكفير للذنوب والآثام.

أيها المسلمون، لا أظن بمن سمع تلك الأحاديث والآيات الواردة في فضل بر الوالدين أن يتردد في برهما، خاصة وقد جاءت نصوص أخرى تحذر وتنذر وتتوعد من عَقَّ والديه، فمن ذلك أن النبي قال: (( كل الذنوب يؤخّر الله تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات ) )رواه مسلم.

إن عقوقَ الوالديْن يعتبر من كبائرِ الذّنُوبِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (( الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ) )رواه البخاري، وَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ من الثَلاثَةِ الذينَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: (( الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ) )والحديث في صحيح الجامع.

والله تعالى لا ينظر يوم القيامة إلى من عَقّ والديه، ولا يدخله الجنة، ففي الحديث الذي خرّجه النَّسائي والحاكم وصحّحه عن رسول الله أنه قال: (( ثلاثة لا ينظر اللهُ إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنانُ عطاءَه ) )، وقد دعا رسول الله على من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة، فقال: (( رَغِمَ أنفُهُ، ثم رَغِمَ أنفُهُ، ثم رَغِمَ أنفُهُ ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة ) ).

ومن خطورة أمر العقوق أن من تسبّب في أن يشتم والديه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، فقد قال الرسول: (( من الكبائر شتم الرجل والديه ) )، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (( نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمّه ) )رواه مسلم.

ولذلك حذر السلف من مصاحبة الشخص العاق لوالديه، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"لا تصحب عاقًّا لوالديه؛ فإنه لن يبرّك وقد عَقّ والديه".

أيها الإخوة، هذا والد يخاطب ابنه العاق بأبيات تقطع القلب، فيقول:

فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي إليها مَدَى ما كنتُ فيك أؤمّلُ

جعلتَ جزائي غِلْظَةً وفَظَاظَةً كأنك أنت الْمُنْعِمُ الْمتفضِّلُ

فليتكَ إذا لَم تَرْعَ حقَّ أُبَوّتِي فعلتَ كما الْجارُ المجاورُ يفعلُ

فأوليتني حقَّ الْجوار ولم تكن عليّ بِما لِي دون مالك تبخلُ

أسأل الله أن لا يجعل من بيننا من هو عاق لوالديه.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه كان غفّارًا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فهي وصية الله لنا ولمن قبلنا: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ [النساء:131] .

أيها الإخوة، حديثنا اليوم عن عبادة من أفضل القرب التي تقرّبنا إلى ربنا عز وجل، وهي سبب لحصول الرزق والتوفيق إلى كل خير في الدنيا والآخرة. ونظرًا لأهميتها فقد قرنها الله مع عبادته في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] ، إنها عبادة بر الوالدين.

ونظرًا لعظم حق الوالدين فإن الله جل شأنه قرن شكره بشكرهما، فقال تعالى: أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ [لقمان:14] ، حيث إن بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله وأفضلها بعد الصلاة، وهو مُقدَّم حتى على الجهاد في سبيل الله، سئل النبي: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( بر الوالدين ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )متفق عليه، وروى مسلم في صحيحه: أقبل رجل إلى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله عز وجل، قال: (( فهل من والديك أحد حي؟ ) )قال: نعم، بل كلاهما، قال: (( فتبتغي الأجر من الله عز وجل؟ ) )قال: نعم، قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) )، وفي رواية البخاري أنّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: (( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ) )قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (( فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) )، وفي حديث إسناده جيد أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: (( هل بقي من والديك أحد؟ ) )قال: نعم، أمي، قال: (( قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج معتمر ومجاهد ) ).

وقال رجل لابن عباس: إني نذرت أن أغزو الروم، وإنّ أبواي منعاني، فقال: (أطع أبويك؛ فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك) ، حتى إن سفيان الثوري ذهب إلى أبعد من ذلك فقال:"لا يغزو إلا بإذنهما، وإن كانا مشركين".

أيها الإخوة، مما يؤكد فقه الصحابة لمسألة بر الوالدين ما حدث في قصة كلاب بن أمية المشهورة، فقد أرسل عمر بن الخطاب كلابًا أميرًا على جيش للجهاد في إحدى الغزوات، وعندما علم أبو كلاب برحيل ابنه تأثّر تأثّرًا شديدًا لفراق ابنه كلاب، وقال هذه الأبيات المحزنة:

لِمن شَيْخَانِ قد نَشَدَا كِلابَا كتابَ الله لو عَقَلَ الكتابَا

أُنادِيهِ فيُعْرِضُ فِي إبَاءٍ فلا وأبي كلابٍ ما أصابا

إذا سَجَعَتْ حَمامةُ بَطْن وادٍ إلى بيضاتِها أدعو كِلابا

تركتَ أباك مُرْعِشَةً يداه وأمّكَ ما تسِيغُ لها شَرابا

فإنك والتماس الأجر بعدي كباغي الماء يلتمس الشَّرابا

فسمع عمر بن الخطاب هذه الأبيات من أبي كلاب، فاستدعى كلابًا على الفور، وعندما حضر كلاب وأبوه لا يعلم بحضوره، فسأله عمر: كيف كان برّك بأبيك؟ فقال: إني أحلب له كل يوم وأسقيه اللبن، فقال له عمر: احلب هذه الشاة، واستدعى عمر أبا كلاب وقدّم له اللبن وهو لا يشعر بوجود ابنه عند عمر، فقال الأب: إني لأشم رائحة يدَي كلاب، فبكى عمر وقال لكلاب: جاهد في أبويك. قال ابن عبد البر:"هذا الخبر صحيح".

أيها الإخوة، ومما يؤكد عظم حق الوالدين أنهما حتى لو كانا كافريْنِ فيجب برّهما، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهمَا قَالَتْ: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة مشركة، أفأصِلها؟ قال: (( نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ ) )رواه البخاري.

بل الأمر ـ أيها الإخوة ـ أعظم من كونهما كافرين، بل وحتى لو كانا يأمران ولدهما المسلم أن يكفر بالله فيجب أن يبرهما، ويحسن إليهما، لكن لا يطيعهما في الكفر، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15] .

أيها الأخ المسلم، إن حق أمك عليك عظيم جدًّا، ولو تأمّلت ما في هذه الأدلة التي سأذكرها لنذرت نفسك لخدمتها ليلًا ونهارًا، ولن تستطيع أن توفّيها شيئًا من حقها عليك، قال تعالى: وَوَصَّيْنَا ?لإِنسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ إِحْسَـ?نًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَـ?لُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15] . وروى البخاري أنه جاء رجل إلى النبي فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) )، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من برّ الوالدة) ، وقال هشام بن حسان: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن:"تعشَّ العشاء مع أمك تقر به عينها، فهو أحب إلي من حجة تحجها تطوّعًا"، وقال: (( دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان، فقال: كذلك البر ) )، وكان أبر الناس بأمه. والحديث في السلسلة الصحيحة.

أيها الإخوة، وقد وردت نصوص أيضًا في فضل وعظم حق الوالد عند الله عز وجل، قال النبي: (( رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد ) )والحديث رواه الترمذي وصححه ابن حبان.

ومن عظيم مكانة الوالد أن الله يستجيب دعاءه على ولده، فقد قال: (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ) )حديث حسن.

فاسع ـ أخي المسلم ـ في إرضاء والدك حتى تنال الخير العظيم، وتوفّق في أولاد يحسنون إليك كما أحسنت أنت إلى أبيك، واحذر أن تعقّه فيدعو عليك.

أيها المسلمون، إن لبر الوالدين فوائد كثيرة تعود على الولد، فلماذا نفرط في هذا الخير العظيم؟!

فمن هذه الفوائد سعة الرزق وطول العمر، فعن رسول الله قال: (( من سرّه أن يُمَدَّ له في عمره ويُزادَ له في رزقه فليبرّ والديه وليصل رحمه ) )والحديث حسن بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين.

كما أنه بفضل بركة بر الوالدين تحصل ـ بإذن الله ـ حسن الخاتمة، فعن علي بن أبي طالب أن النبي قال: (( من سره أن يُمَدَّ له في عمره ويُوسَّعَ له في رزقه ويُدفَعَ عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه ) )والحديث إسناده جيد.

وقد جعلَ اللهُ البرَّ بِالْوَالِدَيْنِ بابًا للفوْزِ برضاهُ سبحانهُ، ففي الحديثِ أنَّ رسُولَ اللهِ قَالَ: (( رِضا الرَّبِّ فِي رِضا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا ) )والحديث في صحيح الجامع.

ومن الفوائد كذلك أن نكسب بر أولادنا لنا في المستقبل، وأيضًا من الفوائد استجابة الدعاء من الله لمن بر والديه، وكذلك في بر الوالدين تكفير للذنوب والآثام.

أيها المسلمون، لا أظن بمن سمع تلك الأحاديث والآيات الواردة في فضل بر الوالدين أن يتردد في برهما، خاصة وقد جاءت نصوص أخرى تحذر وتنذر وتتوعد من عَقَّ والديه، فمن ذلك أن النبي قال: (( كل الذنوب يؤخّر الله تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات ) )رواه مسلم.

إن عقوقَ الوالديْن يعتبر من كبائرِ الذّنُوبِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (( الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ) )رواه البخاري، وَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ من الثَلاثَةِ الذينَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: (( الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ) )والحديث في صحيح الجامع.

والله تعالى لا ينظر يوم القيامة إلى من عَقّ والديه، ولا يدخله الجنة، ففي الحديث الذي خرّجه النَّسائي والحاكم وصحّحه عن رسول الله أنه قال: (( ثلاثة لا ينظر اللهُ إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنانُ عطاءَه ) )، وقد دعا رسول الله على من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة، فقال: (( رَغِمَ أنفُهُ، ثم رَغِمَ أنفُهُ، ثم رَغِمَ أنفُهُ ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة ) ).

ومن خطورة أمر العقوق أن من تسبّب في أن يشتم والديه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، فقد قال الرسول: (( من الكبائر شتم الرجل والديه ) )، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (( نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمّه ) )رواه مسلم.

ولذلك حذر السلف من مصاحبة الشخص العاق لوالديه، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"لا تصحب عاقًّا لوالديه؛ فإنه لن يبرّك وقد عَقّ والديه".

أيها الإخوة، هذا والد يخاطب ابنه العاق بأبيات تقطع القلب، فيقول:

فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي إليها مَدَى ما كنتُ فيك أؤمّلُ

جعلتَ جزائي غِلْظَةً وفَظَاظَةً كأنك أنت الْمُنْعِمُ الْمتفضِّلُ

فليتكَ إذا لَم تَرْعَ حقَّ أُبَوّتِي فعلتَ كما الْجارُ المجاورُ يفعلُ

فأوليتني حقَّ الْجوار ولم تكن عليّ بِما لِي دون مالك تبخلُ

أسأل الله أن لا يجعل من بيننا من هو عاق لوالديه.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه كان غفّارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت