فهرس الكتاب

الصفحة 2572 من 5777

حديث إلى المعلم

العلم والدعوة والجهاد

التربية والتزكية

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-قيام المعلم بواجبه وسيلة دعوية لا تضاهى. 2- بعض المعلمين لا يعرف أهمية الواجب المنوط به. 3- مكاسب وفضائل مهنة التعليم والتدريس. 4- فضل طلب العلم وتعليمه.

أما بعد: فاحمدوا الله ربكم أن جعلكم مسلمين، وسلوه سبحانه أن ينْظُمكم في سلك عباده المتقين المتصفين بصفات المؤمنين إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـ?نًا وَعَلَى? رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?لَّذِينَ يُقِيمُونَ ?لصَّلَو?ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَـ?تٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] .

أيها المسلمون، ما ظنكم لو كان في محافظة المجمعة ألف وثلاثمائة من الدعاة والمرشدين المؤهلين، الحريصين على بث الخير والدعوة إليه، ألا يكون لهم أثر بالغ ودور فاعل في التأثير ونشر الخير؟ ولو كان لهذا العدد الكبير من الدعاة المؤهلين علميًا وتربويًا خمس ساعات يوميًا يقضيها كل داعية مع ثلاثين طالبًا في مقتبل أعمارهم، وفي السن الذهبية التي يتلقى فيها النشء مبادئ العلم وأصول التربية، ألا يكون لهذا العمل ثمرة يانعة ودور تربوي مشهود؟ بلى وربي.

عباد الله، تفيدنا إدارة تعليم البنين في محافظة المجمعة أن عدد المعلمين في جميع مدارس المحافظة يبلغ ألفًا وثلاثمائة معلم تقريبًا، وأن عدد الطلاب يبلغ اثني عشر ألفًا، فبالله عليكم لو قام كل معلم بدوره التربوي المأمول مع طلابه الذين يبقى معهم بضع ساعات في صباح كل يوم، ألا يكون نتيجة ذلك وجود جيل كامل من أبنائنا تربى في محاضن تربوية وعلى يد أساتذة أكفاء، فحبب إليه العلم، وغرس في فؤاده حب الله ورسوله، والانتماء إلى معقل الدين ومأرز الإيمان، ثم يقطف المجتمع هذه الثمرة اليانعة صلاحًا في الأبناء واستقامة في الخلق والسلوك؟

إن الجواب أيها الأحبة لواضح ولا جدال فيه، ولكن التساؤل المطروح أيها المسلمون، هل قام المعلمون بهذا الواجب كما أمروا به؟ وهل استشعر كل معلم أنه يؤدي عبادة جليلة وخدمة عظيمة لدينه حين يعلم أبناء المسلمين ويرشدهم، أم أن المعلم يرى أنه مجرد موظف يتقيد بالدوام اليومي ويقبض أجره في نهاية كل شهر، كغيره من الموظفين؟ أخي المعلم، إليك أوجه حديثي فأصغ سمعك رعاك الله ورفع قدرك في الدنيا والآخرة.

ألا ترى أخي الكريم أن هناك فئة من العاملين في قطاع التعليم قد أهان هذه الوظيفة الشريفة، حين اتخذها وسيلة للثراء والكسب المادي؟ فهو لا ينظر لهذا العمل إلا من خلال هذه الزاوية، إن وظيفة التعليم أسمى وأعلى من أن تكون وظيفةً رسميةً، أو مصدرًا لكسب الرزق فحسب، إنها إعدادٌ للأجيال، وبناءٌ للأمة.

وكم سمعنا منكم يا معشر المعلمين من يشكو دهرَه، ويندب حظَّه، فإجازاته ليست بيده، والطلاب أحالوا سوادَ شعره إلى بياض، وهو أسوأ الناس حظًّا، فأقرانه حاز بعضهم مراتب عالية، وعملهم مريح، ويتعاملون مع أوراق ومعاملات، أما هو فيعيش بين ضجيج المراهقين، وصخب الصغار، وزيارات المشرف وملاحظاته، ليعود بعدها إلى أكوام الدفاتر.

وصورة أخرى لدى بعض المعلمين، صاحبها متبلد الإحساس، فاقد الغيرة، يرى أبناء المسلمين يتهافتون على الفساد، ويقعون في شباك الرذيلة، وقد احتوشتهم شياطين الجن والإنس، ولا يحرك الأمر لديه ساكنًا، أو يثير عنده حمية، فهذا ليس من شأنه. شأنه تدريس الفاعل والمفعول، أو توضيح المركبات وقوانينها، أو حل المعادلات، بل قد يوكل إليه تدريس العلم الشرعي ومواد التربية الإسلامية، ومع ذلك فواقع الطلاب لا يعنيه في قليل ولا كثير.

إن هذه الصور مظاهر لحقيقة واحدة هي الإهمال وعدم إدراك المسؤولية، فما الصورة التي نريد، ومن المدرس الذي نتطلع إليه؟

إننا نريد المعلم الذي اختار طريق التعليم ليخدم الأمة من خلاله، فيعدَّ الجيل ويربيَ النشء. إنه يحترق على واقع أبناء المسلمين، ويعدهم أبناءه، ويعتبر إصلاحهم من أولويات وظيفته، ويرى تربيتهم من مسؤوليته. ولا مانع من أن يقصد مع ذلك تأمين معيشته ومعيشة أسرته فيؤدي واجبات وظيفته على الوجه المطلوب ليهنأ بأكل راتبه حلالًا، ويجمع بين خيري الدنيا والآخرة.

أيها المعلم، إن مما يعينك على أداء واجبك أن تسمع وتعلم ما ينتظرك من الخير والأجر عند الله ـ إن أحسنت النية وأخلصت العمل في تعليمك ـ، فإليك جملة من هذه الفضائل والمكاسب:

أخي المعلم، ألا ترغب في أن يكون لك مورد دائم من الأجور يمدك بالأجر حتى وإن انتقلت عن هذه الدار؟ فحين تنقطع أعمال الناس بموتهم يبقى للمعلم غرس لا يزول أثره حين يخلف علمًا نافعًا أو يخرج طالب علم يحمل هذا العلم وينافح عن الدين، كما أخبر بذلك معلم البشرية. وقد صح عنه قوله: (( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره ) )أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني، وانظر إلى الثمرة التي جناها أبو حنيفة رحمه الله حين علَّم مسألة واحدة، قال مكي بن إبراهيم:"كنت أتجر فقال لي الإمام: التجارة بلا علم ربما تورث فساد المعاملة، فما زال بي حتى تعلمت، فما زلت كلما ذكرته وذكرت كلامه وصليت أدعو له بالخير؛ لأنه فتح عليَّ ببركته أبواب العلم".

وما من إمام أو قائد أو مسؤول إلا وقد عبر من قنطرة التعليم وتلقى عن أساتذته ومعلميه، يقول أحد علماء التربية المعاصرين:"إن عظماء العالم وكبار الساسة فيه وصناع القرارات الخطيرة، كل هؤلاء قد مرُّوا من خلال عمليات تربوية طويلة ومعقدة، شارك فيها أساتذة ومعلمون، وليس من المحتم أن يكون هؤلاء العظماء وقواد الأمة ومصلحوها قد مرُّوا على عيادات الأطباء، أو على مكاتب المهندسين، أو المحامين، أو الصيادلة، أو المحاسبين."

بل إن العكس هو الصحيح إذ لابد أن يكون كل هؤلاء الأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والمحاسبين وغيرهم، لابد وأن يكونوا قد مرُّوا من تحت يد المعلم؛ لأنهم من ناتج عمله وجهده وتدريبه"."

واعلم أيها المعلم أن المدرس يمتد أثره إلى خارج أسوار المدرسة، حيث إن المدرس الناصح المخلص لن يعدم واحدًا من بين طلبته المئات من يحمل أفكاره، ويتلقى علمه، ثم يبذلها للآخرين، وفي ذلك من نشر الخير ما الله به عليم، واعلم أيها المعلم أن الطالب ناقد بصير، قلّ ما تفوته من معلمه شاردة أو واردة، ولا يسمع كلمة إلا التقطها، فاحرص أن لا تقع أعين طلابك إلا على الطيب، ولا تسمع آذانهم إلا الحسن الجميل الذي يسرك أن ينقل عنك، وكلنا مررنا بهذه المرحلة، وغالبنا له أبناء ينقلون عن معلميهم كل ما يشاهدونه أو يسمعونه من خير أو شر، ولا شك أن خير الناس أنفعهم للناس، وشر الناس من كان فتنة وبلية على من رآه أو تلقى عنه، ولا سيما من يتولى تعليم الصغار وتربيتهم.

إذ إن الطالب الصغير يرى أن معلمه قدوة له في جميع ما يأتي ويذر، فكن على حذر أيها المعلم، واللهَ اللهَ أن تؤتى أجيال المسلمين من قبلك، بارك الله لك في جهدك وعملك ورزقنا جميعًا الصدق والإخلاص في القول والفعل.

أقول...

أخي الحبيب، لو قيل لك إن العالم الفلاني يدعو لك في ظهر الغيب لسرك ذلك ودعاك إلى مضاعفة العمل وبذل الجهد، فما ظنك إذًا بمن يدعو له ملايين الخلق، عن أبي أمامة الباهلي أن النبي قال: (( إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير ) )ـ والصلاة من المخلوق هي الدعاء [رواه الترمذي (2685) ، والدارمي (289) ] .

أي منزلة عالية تلك التي يبلغها المدرس، أن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى وملائكته الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ بل وسائر أهل السماء وأهل الأرض، وهذا النبي يدعو لمن علم وعلم، ففي الحديث المتواتر (( نضرَّ الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع ) )، فهذه دعوة من النبي للمعلم، فبادر أخي المدرس في تعليم الخير لتفوز بدعوة النبي ، فرُبَّ كلمة لا تلقي لها بالًا تقع على من يكون أوعى لها منك، فينالك أجرها.

واعلم أيها الأخ الحبيب، يا من سلكت طريق التعليم أن من أعظم ما تدخره في الحياة الدنيا أن تكسب طالبًا، يتلقى توجيهك، ويحمل علمك، ويعرف بعد ذلك قدرك. ويوصيك بذلك ابن جماعة فيقول:"واعلم أن الطالب الصالح أعوَد على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه، ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد؛ لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم، ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر".

وبعد أيها المسلمون، إن شرف التعليم وحيازة فضائله ليس مقصورًا على من توظف معلمًا، بل الواجب على كل مسلم أن لا ينفك عن تعليم الناس الخير ولا سيما أهله وأقرب الناس إليه، ولا تحقر نفسك، فالنبي يقول: (( بلغوا عني ولو آية ) )فاجعل من نفسك معلمًا للخير مرشدًا للناس تفز برضا ربك وتنل نصيبك من فضائل التعليم وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت