العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
الأمر بتقوى الله والصدق مع الله ، وكيفية ذلك -
كيفية نصر المرء الله تعالى:(بالانتصار على نفسه الأمارة - التغلب على الهوى - الغيرة
لدينه وحرماته)-
نصر الله للصحابة ووعده لعباده المؤمنين بالتمكين لهم وشروط ذلك كما في الآية -
نماذج من نصر الله لعباده المؤمنين:
1-نصر في الدفاع والخلاص: غزوة الأحزاب.
2-نصر في الطلب والغلبة: كرامة الله لسعد بن أبي وقاص في عبوره وجيشه النهر في طلب
الفرس -
نصر الله للأمة عندما كانت قائمة بأمره ، وخذلانها لما أعرضت عن دينها ، وضياع القدس.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين، اصدقوا الله تعالى في عقائدكم وفي نياتكم في أقوالكم وفي أفعالكم، عاملوا الله تعالى كما أمركم أن تعاملوه به، اعبدوه مخلصين له الدين، التزموا شريعته غير مغالين ولا مفرطين، انصروا الله تعالى بالانتصار على أنفسكم الأمارة بالسوء والتغلب على أهوائكم التي تهوي بكم إلى النار.
انصروا الله تعالى بالغيرة لدينه وحمايته والذود عنه فإن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [محمد:7] . كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز [المجادلة:21] . وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [النور:55] . ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:40-41] . ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين [الأنبياء:105-106] .
فيا أمة القرآن يا أمة محمد يا أمة التوحيد والإيمان: إن ما سمعتم من هذه الآيات الكريمة وهذه الوعود المؤكدة الصادقة إنها لكلام ربكم العليم القدير القوي العزيز، ولقد صدق الله وعده وأنجز نصره وهزم الأحزاب وحده.
لقد كان ذلك حينما كانت الأمة الإسلامية قائمة بالشرط المشروط عليها للنصر تؤمن بالله ورسوله وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالنصر من عند الله عز وجل لأنها تؤمن بأن لله وحده عاقبة الأمور، لا ترهب الأعداء ولا تخاف من قواهم المادية، وإنما تقابل عددهم بشجاعة وعددهم بما هو أقوى وأعتى وأفكارهم وتصرفاتهم الماكرة بما هو أدهى وأنكى، ممتثلين بذلك أمر الله عز وجل: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخير ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [الأنفال:60] . معتمدين في ذلك على الله عز وجل: فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. مؤمنين بقول من بيده ملكوت السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
ولهذا أتم الله لهم النصر في مواطن تزيغ فيها الأبصار وتنحسر الأفكار وتنقطع الحيل، وإنّي ضارب لكم في ذلك مثلين، أحدهما: نصر في الدفاع والخلاص، والثاني: نصر في الطلب والغلبة.
أما الأول: ففي غزوة الأحزاب حين تألب الأحزاب من قريش ومن مالأهم من كفار العرب على رسول الله وحاصروا المدينة في نحو عشرة آلاف مقاتل ونقضت يهود بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النبي فكان الأعداء على المدينة كما وصفهم الله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا [الأحزاب:10-11] .
وحاصروا النبي والمؤمنين قرابة شهر وأصاب المسلمين من الجوع والتعب والبرد ما كان من أعظم الابتلاء فدعا عليهم رسول الله فقال: (( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم ثم أرسل الله تعالى عليهم ريحا شرقية باردة شديدة لم تبق لهم خيمة ولا نارا ولا قرارا ) ).
قال حذيفة بن اليمان لقد رأيتنا مع رسول الله في غزوة الخندق فصلى رسول الله هويا من الليل في ليلة ذات ريح شديدة وقر يعني بردا فقال النبي: (( ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة فلم يتقدم أحد من شدة البر والجوع والخوف ) )، أعادها الثانية والثالثة ثم قال: يا حذيفة قم فائتنا بخبر القوم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني باسمي فقال: (( يا حذيفة اذهب فائتنا بخير القوم ولا تُحْدِثن شيئا حتى تأتينا ) ).
قال فمضيت كأنما أمشي في حمام أي في جو دافئ هادئ لا برد ولا ريح فدخلت في القوم والريح وجنود الله تعالى تفعل بهم ما تفعل لا تُقِرّ لهم قرارا ولا تبقي خيمة ولا نارا، فإذا أبو سفيان وكان يومئذ كافرا، يُصْلى ظهره بالنار فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته، فذكرت قول النبي قال فرجعت إلى النبي وأنا أمشي في مثل الحمام يعني في جو دافئ هادئ فأخبرته بخبر القوم، فلما فرغت أصابني البرد فألبسني رسول الله من فضل عباءة كان يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال النبي: (( قم يا نومان ) ).
ثم تفرق الأحزاب خائبين خاسرين كما قال الله عز وجل ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا [الأحزاب:25] . وحينئذ قال النبي: (( الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم ) ).
أما يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي وهم آخر قبائل اليهود في المدينة فخرج إليهم النبي بعد رجوعه فورا، وحاصرهم نحو عشرين ليلة حتى نزلوا على حكم النبي فحكّم فيهم النبي سيد الأوس سعد بن معاذ فقال أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذريتهم وتقسم أموالهم فقال النبي: (( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ) ). فجيء بالقاتلة مُكتّفين فضربت أعناقهم وكانوا بين السبعمائة والثمانمائة، وسبيت نساؤهم وذريتهم وغنمت أموالهم كما قال الله تعالى فيهم: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم (أي من حصونهم) وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقًا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرًا.
هذا مثال لنصر الله تعالى للمؤمنين في الدفاع والخلاص مما لا طاقة لهم به.
أما نصره إياهم في الطلب والغلبة، فقد ذكر المؤرخون أن سعد بن أبي وقاص الذي فتح الله تعالى على يديه أكثر بلاد فارس وقال فيه النبي: (( اللهم أجب دعوته وسدد رميته ) )لما تابع الفرس يفتح بلادهم بلدا بلدا فوصلوا إلى نهر دجلة عبروها إلى عاصمتهم المدائن ولم يتركوا للمسلمين جسورا ولا سفنا فلما وصل سعد إلى النهر بعساكر الإيمان أخبرهم أنه عازم على العبور إلى الفرس على ظهر الماء فاقتحم بفرسه النهر وهو يجري ويقذف بالزبد واقتحم الناس معه ولم يتخلف أحد منهم، فجعلت خيولهم تعوم بهم في الماء وهم يحدثون على ظهورها كأنما تمشي على ظهر الأرض، فإذا تعب فرس أحد منهم قيض الله له مثل الصخرة الكبيرة يقف عليها ليستريح حتى عبروا النهر فلما رآهم الفرس ولّوا هاربين وتركوا بلادهم وأموالهم غنيمة للمسلمين وتحقق قول الله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.
ولما وصل خُمْسُ الغنيمة إلى عمر في المدينة ونظر إليه قال: إن قوما أدوا هذا لأمناء. فقال له علي إنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا.
فهذا مثالٌ من نَصْرِ الله تعالى للمؤمنين في طلبهم لعدوهم وغلبتهم عليه بما لا طاقة لهم به، فمن يتصور أن النهر ممتلأ ماء يمشي عليه المجاهدون بخيولهم حتى يعبروا إلى الجانب الآخر، ذلك ليس بعزيز على الله تعلى فإنه القادر على كل شيء: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
اللهم هيئ لهذه الأمة نصرا عزيزا تعز به أهل طاعتك وتذل به أهل معصيتك وتعلي به كلمتك إنك على كل شيء قدير.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله حمدا كثيرا كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وإليه المنتهى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليما.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن النصر من عند الله وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولما كانت الأمة الإسلامية قائمة بشريعة الله حافظة مشارق الأرض ومغاربها وكان لها السلطة والسيطرة على الأمم لأنها تقاتل لله وبالله وفي الله إخلاص لله تعالى واعتماد عليه والتزام بشريعته فلما اختلفت أهواؤها وتفرقت كلمتها وتشعبت مناهجها دب فيها الضعف وتكالبت عليه الأعداء وغزوها من كل جانب وبكل سلاح، غزوها من ناحية الفكر والعقيدة فغيروا الأفكار وأفسدوا العقيدة، غزوها من ناحية الأخلاق والمثل العليا فأفسدوا الأخلاق وهدموا المثل، غزوها من ناحية المنهج والسلوك فضيعوها في متاهات الجهل والخرافات والبدع وفرقت الأمة دينها وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وأبدلوا القوانين الشرعية الإلهية بقوانين وضعية طاغوتية فحكموا بغير ما أنزل الله بل زعموا أن الحكم بما أنزل الله قد انقضى وقته وانقرض أهله فلا يطابق هذا العصر ولا يناسب أهله وما هو إلا رجعية وتخلف إلى الوراء: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة:50] .
فلما بلغت الأمة إلى هذا المستوى انحطت معنويتها ونزعت من قلوب أعدائها هيبتها وتسلط الأعداء عليها بقوة السلاح فغزوها غزوا عسكريا في حرب التتار وفي حرب الصليبيين النصارى وفي حرب الصهيونيين اليهود وفي حروب أخرى هناك وهناك. وفي هذا الأسبوع تبجح رئيس وزراء اليهود بانتصاراته التي قال إنها أسعد أيامه مفتخرا برفع العلم اليهودي على أرض فلسطين قبل أكثر من ثلاثين عاما، ومفتخرا بتوحيد القدس مدينة المسجد الأقصى لصالح الأمة اليهودية بعد أن كانت مقسومة بين اليهود والعرب وكان المسجد الأقصى في القسم العربي فاستولى اليهود عليه قبل عشرة أعوام وعلى أراض أخرى من أراضي العرب.
أيها المسلمون إن لنا أن نتساءل لماذا سلطت هذه الأمة اليهودية على أمة العرب حتى استحلت من بلادها ومقدساتها ولكن علينا أن نتصور تصورا صريحا قبل الجواب والصراحة وإن كانت مرة في بعض الأحيان لكنها هو الوسيلة للحكم الصحيح كشق الجرح يؤلم المريض لكنه الوسيلة للعلاج الناجح. وعلينا بعد التصور الصريح أن نحكم بالعدل والعقل ولو على أنفسنا.
إننا إذا نظرنا إلى تسليط هؤلاء اليهود على العرب وجدناه من عند أنفسهم كما قال الله تعالى في الجواب على سؤال المصابين يوم أحد: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مِثَليْها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ، ثم ختم الآية بقوله إن الله على كل شيء قدير [آل عمران:165] . إشارة إلى أنه قادر على أخذ أعدائهم، فهل تدرون ما هذا الذي كان من عند أنفسهم إنها معصية واحدة في أمر تنظيمي كانت من أسباب هذه المصيبة فلو تصورنا حال العرب اليوم تصورا صريحا وحكمنا حكما عدلا مبنيا على العقل بعيدا عن تيارات العاطفة لوجدنا في العرب اليوم ما هو من أكبر أسباب الخذلان والهزيمة، ففي العرب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وفي العرب من يشرك بالله بدعاء المخلوقين وتعظيمهم والتعلق بهم كما يفعل ذلك في الله عز وجل، وفي العرب من لا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة وفي العرب من لا يصوم رمضان ولا يحج البيت وفي العرب من يحكم بغير ما أنزل الله ويرى أن الحكم بما أنزل الله قد انتهى وقته وانقرض أهله وأنه غير صالح لهذا العصر، وفي العرب من تباع الخمور في أسواقهم وتشرب علانية كما حدثني بذلك من أثق به وفي العرب من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وفي العرب من لا يقيم الحدود التي أوجب الله في الجرائم ويرى أن ذلك همجية ووحشية إلى غير ذلك من المعاصي والمنكرات.
فإذا كانت معصية واحدة من بعض المجاهدين في غزوة أحد من أسباب مصيبة الهزيمة فما بالكم أيها الأخوة بهذه الفظائع التي توجد في بعض البلاد العربية اليوم.
إن الطمع في النصر بدون وجود أسبابه طمع في غير محله، إنه كالطمع في الأولاد بدون نكاح وكالطمع في الأشجار بدون غرس، أو في ربح التجارة بدون اتجار.
إننا متى صدقنا الله تعالى في الجهاد في سبيله فكان قتالنا لتكون كلمة الله هي العليا وشريعته هي الحكم فنقيم على أرض الله تعالى دولة إيمانية تؤمن بالله واليوم الآخر وتعمل صالحا فتقوم بأمر الله وتحكم بشريعة الله وتوالي من والى الله ورسوله وتعادي من عادى الله ورسوله وتتمشى في ظاهرها وباطنها على ما مشى عليه عباد الله الصالحون من سلف هذه الأمة فستكون العاقبة لنا وسيورثنا الله أرضهم وديارهم وأموالهم كما أورثها سلف هذه الأمة وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا [الأحزاب:27] إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين [الأعراف:128] . ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين [الأنبياء:105] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.