الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-فضل الاستقامة على طاعة الله تعالى. 2- باب الخير لم يغلق. 3- أصناف الناس بعد رمضان. 4- الحياة الطيبة. 5- حياة الشقاء. 6- صيام التطوع. 7- صلاة التطوع.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، إنّ من كمال إيمان العبدِ استقامتَه على طاعة الله ومواصلة الأعمال الصالحة والعلمَ اليقينيّ أنّ الله جلّ وعلا إنّما خلقه لعبادته، خلقه ليعبده وحدَه لا شريكَ له، لينفّذ فرائضَه ويقومَ بما أوجب عليه، وليعمرَ هذه الأرض بطاعةِ الله، ثُمَّ جَعَلْنَـ?كُمْ خَلَـ?ئِفَ فِى ?لأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14] .
أيّها المسلم، فالاستقامة على طاعة الله دليل على قوّة الإيمان وحقيقةِ الإيمان، فإنّ المستقيمَ على الشيء إنّما يستقيم عليه لعلمِه الحقّ بأنّ هذا طريقُ الحقّ والهدى، فاستقام عليه وداوَم عليه إيمانًا بالله وتعظيمًا لأوامره، ولذا أثنى الله على المستقيمين بقوله: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ [فصلت:30] ، استقاموا على هذا الإيمان فلم ينحرفوا عنه يمنةً ولا يسرةً، لماذا؟ لأنّهم على يقين أنّ هذا الطريق الذي سلكوه واستقاموا عليه هو الطريق الحقّ الذي أمرهم الله به. وربّنا جلّ وعلا جعل حياةَ المسلم كلَّها طاعة له، وإنّما تنقضي الأعمال بموتِ العبد ومفارقتِه الدنيا، وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] .
أيّها المسلم، لئن كان الله جلّ وعلا خصّ بعضَ الشهور بالفضائلِ فلا يلزَم من ذلك انقطاعُ العمل في غير ذلك، فرمضان سيّد الشهور وأفضل الشهور، وقد أودع الله فيه من أسبابِ مضاعفة الحسناتِ وتكفير السيّئات ما لا يخفى، ولكن هل بعد انقضاء رمضان تُطوَى صحائفُ الأعمال؟! هل بعد قضاء رمضان تُعطَّل تلك الأعمال الصّالحة؟! هل بعد قضاء رمضان يعود الإنسان إلى جهلِه وغفلتِه؟! هل بعد رمضان يهجر الأعمال؟! كلاّ يا أخي، إنّ هذا لهو التصوّر الخاطِئ والفَهم غير السّليم، فرمضان إنّما جاء ليروِّض النفوسَ وليعدَّها للمستقبل وليهيّئها للخير ويحملها على الخير، ويكون فرصةً للتوبة والإنابة والرجوع إلى الله. ثمّ هو يعطي المسلمَ قوّةً في العمل، وجعل الله رمضانَ مكفِّرًا لما بينه وبين رمضان الآتي، (( الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر ) ) [1] .
يا أخي، صمتَ رمضان وتقرّبتَ إلى الله بما يسّر من صالحِ الأعمال، فما هي العزيمة بعدَ ذلك؟ هل كانت العزيمة والنّية الاستمرارَ على الخير الذي ألفتَه في رمضان وذُقتَ لذّةَ الطاعةِ ونعيمَ المناجاة وأثر الأعمال الصالحة فعقدتَ العزمَ على مواصلة الطاعةِ بالطاعة وإتباع الحسناتِ بالحسنات لكي يستمرَّ لك الخير ويبقى لك الخير؟ وهذا من شكرِ نعمة الله عليك أن تواصلَ العملَ بالعمل، فنِعَم الله عليك مترادِفة متتابِعة، وكلّ نعمةٍ تحتاج منك إلى شكرِ الله، ولا أعظمَ شكرًا لله من طاعتِه والقيام بما أوجب والبُعد عمّا نهى عنه.
أيّها المسلم، هكذا يكون المؤمنون المستقيمون، أمّا مَن ضعف إيمانُه فإنه إذا انقضى رمضان عنه فكأنّ الأعمال الصالحةَ لا مجالَ لها ولا محلّ لها ولا وزنَ لها، الصلوات الخمس يُتساهَل بها، المساجدُ تعطَّل عن الجماعات، كتابُ الله تهجَر تلاوته، اللّسان الذي كان مهذّبا ممنوعًا عن الغيبة والنّميمة والأقوالِ الرذيلة اليومَ ينبسِط في القيل والقال وغيبةٍ ونميمة وبهتان وأقوالٍ بذيئة سيّئة، البصرُ الذي أُمِر بغضِّه انطلق هنا وهناك، والجوارحُ التي أمِر بالمحافظة بها على طاعةِ الله أعطِي لها السّراح أن تعملَ ما تشاء.
يا أخي المسلم، ليس هذا حالَ من ذاق لذّةَ الطاعةِ وأنِسَ بنعيم المناجاة.
أيّها المسلم، إنّ من ذاق لذّةَ الطاعةِ على الحقيقة لا يسأم العبادةَ ولا يملّها، اسمَع الله يقول: مَنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَو?ةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97] ، مَنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? ، والعمل الصالحُ الخالص لله الموافِق لشرعه، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَو?ةً طَيّبَةً فالحياة الطيّبة هي لذّة المناجاة لله، قوّة الاتّصال بالله والثّقة بالله والاعتمادُ على الله والأُنس بطاعةِ الله والرّاحة بالقيام بما أوجَب الله. إنّ الحياة الطيّبةَ لا يحقِّقها مالٌ تكسبهُ ولا جاه تناله ولا بَنونَ ولا عُمر مديد، وإنّما يحقّقها الارتباط بالله جلّ وعلا. فالمؤمنون الصّادقون الذين هم دائمًا على صِلة بربّهم بذكره بعبادتِه بالثّناء عليه بالقيام بواجبه هم الذين يتنعّمون في هذه الحياة حقَّ التنعّم ويجِدون الحياة طيّبة هنيئةً مباركة، حياةُ المؤمن الصادِق حياةٌ كلُّها خير؛ صبرٌ على البلاء وشُكر في الرخاء وقيامٌ بالواجب ونية صادِقة وتحرّك في كلّ الأعمال على وفق ما يحبّ الله ويرضاه، فهؤلاء حياتهم طيّبةٌ وحياتهم راحةُ بال وانشراح صدرٍ وقرّة عين، ولذا يقول المصطفى: (( وجُعلت قرّة عيني في الصّلاة ) ) [2] ، وكان يواصل في صيامه ويقول: (( إنّ لي مطعِمًا يُطعمني وساقيًا يسقيني ) ) [3] ، قال العلماء: قوّة مناجاتِه لربّه وقوّة تعلّق قلبِه بربّه قام مقامَ الطعام والشراب له. فالحياة الطيّبة حياة الخَير، الحياة التي يعمل بعدها المؤمن بتوفيق من الله أن ينتقلَ إلى دارِ كرامة الله، تلك الدّار التي لا رحيلَ عنها، لا يبغون عنها حولًا، إِنَّ ?لْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ فِى جَنَّـ?تٍ وَعُيُونٍ [الدخان:51، 52] ، وقال: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـ?تُ ?لْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَـ?لِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:107، 108] . هكذا المؤمن حياتُه طيّبة لأنّ آماله بالله قويّة، أنّ الله سيستجيب له ويحقّق له مطلوبَه ويحقّق له وعدَه الصادقَ الذي وعد به المتّقين، وعد به المستقيمين، وعد به أهلَ الإيمان الصادِق، وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا [النور:55] ، وقال الله: هَـ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ ?لصَّـ?دِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذ?لِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [المائدة:119] .
إذًا، فالمؤمنُ في هذه الحياةِ حياتُه طيّبة، حياةُ راحةٍ لأنّه يعمل ويجِدّ، وهو على يقينٍ بأنّ الله جلّ وعلا سيحقّق وعدَه لعباده الصادقين المخلِصين، ولن يخلِف الله وعدَه، وهو أرحم الراحمين وأكرَم الأكرمين.
أمّا غير المؤمن فحياته شقاءٌ وتعَس ونكَد، كلّما فقد من دنياه شيئًا عاش في همّ وغمٍّ وحزن؛ لأنّه لا صلةَ له بربّه، فلا يملأ فراغَه إلاّ الدنيا وحطامُها، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? [طه:124] ، فجعل حياتَه حياةَ ضنك، حياةَ تعاسةٍ وشقاء وإن نال من الدّنيا وجاهِها وثروتِها ما نال، لكن يبقى القلب شقيًّا تعِسًا لأنّه لا يدري أين مصيره، مصيرُه مصيرٌ مظلم، مصير سيّئ، أمّا المؤمن فلا، على يقينٍ وعلى بصيرة، يعبد الله على بصيرة، ويستقيم على هذا الدين، وكلُّه أملٌ ورجاء في الله أن لا يخيِّب ظنَّه وأن يحقّقَ له مطلوبَه، والله لا يخلِف الميعاد.
عليك ـ أيّها المسلم ـ أن تستقيمَ على هذا الدّين في رمضانَ وفي غير رمضان، وليكن رمضانُ حاملًا لك على الخير، سائقًا لك إلى الخير، لتستقيم على طاعة رَبّك في كلّ أوقاتك.
أسأل الله أن يثبّت الجميعَ على دينه، وأن لا يزيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يعيذَنا من أسبابِ حبطان الأعمال، إنّه على كلّ شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الطهارة (233) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] أخرجه أحمد (3/128) ، والنسائي في عشرة النساء، باب: حب النساء (3939) ، وصححه الحاكم (2/174) ، والمقدسي في المختارة (4/367) ، وابن حجر في الفتح (3/15) ، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (1809، 3291) .
[3] أخرجه البخاري في الصوم (1963) عن أبي سعيد رضي الله عنه، وجاء عن غيره من الصحابة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، لئن كانَ شهر الصيامِ مضى ـ نسأل الله أن يعيدَ أمثالَه علينا وعليكم بالخير واليُمن والبركة ـ فإنّ الأعمال الصالحةَ ما انقضَت.
لا شكّ أنّ صيام رمضان هو الركن الرابعُ من أركان الإسلام، ولكن مع هذا فعبادةُ صيام التطوّع باقيَة، فهناك ستّة أيّام من شوّال، يقول فيها نبيّكم: (( من صام رمضانَ وأتبعه بستٍّ من شوّال كان كمن صامَ الدّهر ) ) [1] ، فصيامُها شكر لله على إكمالِ الصيام والقيام، شكرٌ لله على التوفيق للقيام بالواجِب، وهي أيضًا ترفَع خلَل الصيام، وتكفّر ما عسَى أن يقع منّا من خلَلٍ في صيامِنا.
أيّها المسلم، وهناك صيامُ غيرِ الستّ من شوّال، النبيّ يقول في أيّام عشرِ ذي الحجّة: (( ما من أيّامٍ العمل الصالحُ فيهنّ أفضل من هذه الأيّام العشر ) )، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: (( ولا الجهادُ في سبيل الله إلاّ رجل خرج بنفسه ومالِه فلم يرجع من ذلك بشيء ) ) [2] ، وقال في يوم عرفة: (( أحتسبُ على الله أن يكفّرَ السنةَ الماضية والآتية ) ) [3] ، وقال في يوم عاشوراء: (( أحتسب على الله أن يكفّرَ السنةَ الماضية ) ) [4] ، وشرع صيامَ ثلاثة أيّام من كلّ شهر، قال أبو هريرة رضي الله عنه: أوصاني خليلي أن أصومَ من كلّ شهر ثلاثةَ أيّام وأن أصلّيَ ركعتي الضّحى وأن أوترَ قبل أن أنام [5] ، وصيامُ الاثنين يقول فيه نبيّكم: (( ذاك يومٌ ولِدت فيه، ويوم بُعثتُ فيه، ويومٌ أنزِل عليّ فيه ) ) [6] ، وصيام الاثنين مع الخميس تقول عائشة: كان رسول الله يتحرّى صيامَ الخميس والاثنين [7] ، وأخبر أنّ الأعمال تعرَض على الله في ذلك اليومين فقال: (( أحِبّ أن يُعرَض عملي على ربّي وأنا صائم ) ) [8] ، وكان يكثِر أن يصومَ في شعبانَ ما لا يصوم في بقيّة الشهور [9] ، لأنّ الناس يغفلون عنه قبلَ رمضان
[1] أخرجه مسلم في الصيام (1164) عن أبي أيوب رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري في الجمعة (969) عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
[3] أخرجه مسلم في الصيام (1162) عن أبي قتادة رضي الله عنه.
[4] أخرجه مسلم في الصيام (1162) عن أبي قتادة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الصوم (1981) ، ومسلم في صلاة المسافرين (721) .
[6] أخرجه مسلم في الصيام (1162) عن أبي قتادة رضي الله عنه.
[7] أخرجه الترمذي في الصوم (745) ، والنسائي في الصيام (2186، 2187، 2360، 2361، 2362، 2363، 2364) ، وابن ماجه في الصيام (1739) ، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (595) .
[8] أخرجه أحمد (2/329) ، والترمذي في الصوم (747) ، وابن ماجه في الصيام (1740) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب"، وقال البوصيري في الزوائد:"إسناده صحيح رجاله ثقات، روى الترمذي بعضه"، وصححه الألباني في الإرواء (949) . وله شاهد من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عند أحمد (5/200، 204، 208) ، وأبي داود في الصوم (2436) ، والنسائي في الصيام (2358) ، وصححه ابن خزيمة كما في الفتح (4/236) .
[9] أخرجه البخاري في الصوم (1969، 1970) ، ومسلم في الصيام (782، 1156) عن عائشة رضي الله عنها بمعناه.