فهرس الكتاب

الصفحة 1735 من 5777

الغرور بأنعم الله

الرقاق والأخلاق والآداب

أمراض القلوب

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1 ـ الدنيا يعطيها الله لمن أحب أو كره.

2 ـ النعم قد تكون استدراجًا.

3 ـ الاغترار بالدار العاجلة الفانية عن الدار الآخرة الباقية.

4 ـ منزلة الدنيا من الآخرة.

5 ـ أهم أسباب التخلف عن العمل ضعف العلم واليقيم.

أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله تبارك وتعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:

فإنه ربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعمة الله عليه، وأنه سبحانه لا يغير ما به، ويظن أن ذلك من محبة الله له، وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك، وهذا من الغرور، وقد قال أحد الرجلين اللذين ضرب الله مثلهما للناس في سورة الكهف، والذي جعل الله له جنتين من أعناب محفوفتين بنخل، وجعل بينهما زرعًا، وفجر خلالهما نهرًا، قال هذا الرجل لصاحبه وهو يحاوره، وكان له ثمر: أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـ?ذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ ?لسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى? رَبّى لاجِدَنَّ خَيْرًا مّنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: 34 ـ 36] .

فانظر إلى هذا الرجل كيف نظر لنعمة الله عليه، وأنه سبحانه لا يغير ما به بالرغم من إقامته على معاصيه، فاعتبر أن هذا من محبة الله تعالى وإكرامه له، وأن ما بصاحبه من الفقر والحاجة إنما هو لهوانه على الله، فقاس مكانته في الآخرة على مكانته في الدنيا. فقال: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى? رَبّى لاجِدَنَّ خَيْرًا مّنْهَا مُنْقَلَبًا فعاقبه الله على شركه ومعاصيه وسوء ظنه فبدل ما به من النعم وأحل محلها نقمًا. قال تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَيَقُولُ ي?لَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ?للَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [الكهف: 42، 43] .

وبين الله سبحانه وتعالى أن طباع الإنسان المذمومة في سورة فصلت فقال: لاَّ يَسْئَمُ ?لاْنْسَـ?نُ مِن دُعَاء ?لْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ?لشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَـ?هُ رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـ?ذَا لِى وَمَا أَظُنُّ ?لسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَى? رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى? [فصلت: 49، 50] .

فهدد الله ما كان هذا طبعه بقوله: فَلَنُنَبّئَنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: 50] .

ثم بين تعالى في الآية التي بعدها أن من شأن الإنسان أنه إذا أنعم الله عليه ومسه بخير أعرض، وإذا مسه الشر فدعاءه عريض يجأر ويتضرع ويدعو، قال سبحانه: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ?لإنسَـ?نِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ?لشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ [فصلت: 51] .

وقد رد سبحانه على من ظن إسباغ الله النعم على بعض خلقه إنما هو لمحبته لهم. وأنما ابتلاؤه لبعضهم إنما هو لهوانهم عليه، فقال سبحانه في سورة الفجر: فَأَمَّا ?لإِنسَـ?نُ إِذَا مَا ?بْتَلـ?هُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ?بْتَلَـ?هُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ كَلاَّ [الفجر: 15 ـ 17] أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه في رزقه أكون قد أكرمته، ولا كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل أبتلي هذا بالنعم وأكرم هذا بالابتلاء.

قال أبو حازم التابعي سلمه ابن دينار رحمه الله تعالى:"إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره فإنما هو استدراج منه يستدرجك به؛ قال تعالى في سورة الزخرف: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ?لنَّاسُ أُمَّةً و?حِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِ?لرَّحْمَـ?نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْو?بًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـ?عُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لاْخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 33 ـ 35] ."

أي ليس إعطاء الله تبارك وتعالى وإسباغه للنعم على بعض عباده ليس دليلًا على محبته لهم وإكرامه لهم، ولو شاء الله سبحانه أن يكرم الكفرة المشركين ويعطيهم من هذه النعم ما لا قدرة لأحد على تقويمه، ولا يخطر بباله لأعطاهم، لولا أن يكون ذلك سببًا لتحبيب الكفر والمعاصي والشرك للناس، يقولون: كما مرّ من بيان سوء ظن الإنسان وغروره، لولا مكانتهم عند الله لما أعطاهم هذا العطاء، إذن فمن يعمل مثل عملهم يُعطى عطاؤهم فلولا ذلك لأعطاهم الله ولأعطاهم سُقُفًا مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْو?بًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـ?عُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لاْخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ.

وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرورٍ بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم، وأعظم الخلق غرورًا من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة، ورضي بها من الآخرة حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد ٌوالآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة، فشبه الدنيا بالمال الذي يدفع في العاجلة (الدنيا نقد) الدنيا تشبه لو أنك بعت على أحد سلعة وأعطاك الثمن فورًا هذه هي الدنيا، وأما الآخرة فهي بمثابة أن يقول لك بعد سنتين، بعد عشر، بعد عشرين، فما يعطى الآن خير ولا شك مما يعطى فيما بعد، أنا أريد أن أستمتع بنقودي وحقي في حياتي لعلي لا أظفر به،ويكون من نصيب الورثة مثلًا، أنا أريده لنفسي الآن، فالدنيا نقد والآخرة نسيئة، شبه الدنيا بالمال الذي يُدفع عاجلًا، وشبّه الآخرة بالمال الذي يؤجل دفعه، ففضَّل الدنيا على الآخرة بهذا الاعتبار.

ويقول بعضهم: درةٌ مفقودة ولا درة موعوده، أي درةٌ لؤلؤةٌ ثمينه تتلقاها وتتسلمها فورًا وعاجلًا خيرٌ وأفضل من درة توعد أن تتلقها وتتسلمها آجلًا.

ويقول آخر: لذات الدنيا متيقنه ولذات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدع اليقين بالشك. وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله والبهائم العُجم خير من هؤلاء؛ لأن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضُربت، لو مرت البهيمة في طريق وتوهمت أن أمامها ماء أو عمقًا سحيقًا لا يمكن أن تسير خطوة واحدة ولو ضربتها ما وسعك الضرب، البهيمة لا تقدم على ما تتوهم خطورته ولو ضربت، وهؤلاء يقدم أحدهم على عطبه وهو يعلم.

فيقدم على ما فيه هلاكه وهو بين مصدق ومكذب فهذا الصنف من الناس إن كان يؤمن أحدهم بالله وبرسوله والجزاء، فهو من أعظم الناس حسرةً لأنه أقدم على علم، وإن لم يكن يؤمن بالله وبرسوله والجزاء فبعدًا له.

وقول هذا القائل:"النقد خيرٌ، من النسيئة"جوابه:

إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير وإذا تفاوتا وكانت النسيئة خير وأفضل فهي خير، فكيف والدنيا كلها كنفس واحد من أنفاس الآخرة، أين وجه الشبه لو كانت الدنيا حقًا نقدًا والآخرة نسيئة مؤجلة، أين وجه الشبه بينهما والدنيا كلها كنفس واحد من أنفاس الآخرة.

كما جاء في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه عن النبي قال: (( والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع ) )مثل أن يضع أحدكم إصبعه في البحر، فلينظر بم يرجع من ماء البحر، فلينظر بالقدر الذي يعلق بإصبعه من ماء البحر فإنه قيمة الدنيا في الآخرة.

فإيثار هذا النقد على النسيئة من أعظم الغبن، وأقبح الجهل، وإذا كان هذا نسيئة، الدنيا بمجموعها إلى الآخرة فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة، إذا كانت الدنيا كلها نفسًا من أنفاس الآخرة بمجموعها، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة، فأيما أولى بالعاقل إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب لمتيقن لا شك فيه ولا انقطاع له، ليأخذ ما لا قدرة للناس على تقويمه ولا يخطر ببالهم ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده. أيما أولى بالعقل.

وأما قول الآخر:"لذات الدنيا متيقنة ولذات الآخرة مشكوك فيها، فلا أدع متيقنًا لمشكوك فيه"فنقول له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، وإما أن تكون على يقين من ذلك، فإن كنت على يقين فقد تركت ذرة عاجلة فانية عن قرب لمتيقن لا شك فيه ولا انقطاع له، وإن كنت على شك فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده، وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به عن الله، وتجرد حتى يتبيَّن لك أن ما جاء به الرسل هو الحق الذي لا شك فيه، وأن خالق هذا العالم ورب السماوات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه على خلاف ما أخبرت به رسله، عنه يتعالى أن يكون بخلاف ما أخبرت به رسله عنه أو لا يتحقق ما أخبرت به رسله عنه فمن نسبه إلى غير ما وصفه به رسله وأخبروا به عنه، من نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه وكذَّبه وأنكر ربوبيته ومُلكه إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزًا أو جاهلًا لا يعلم شيئًا ولا يسمع ولا يبصر، كلا، ولا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء، ولا يرسل آحاد البشر ولا يليق به، هل يليق بأحد ملوك البشر في أي جزء من الدنيا ومن الأرض أن يقال عنه أنه عاجز، أن يقال عنه أنه لا يعلم، أن يقال عنه أنه لا يسمع ولا يبصر، لا يأمر ولا ينهى، لا يُرسل رسله إلى أطراف المملكة، لا يعتني برعيته!! إذا كان هذا قدح في آحاد ملوك البشر ولا يليق به فكيف يجوز نسبته إلى الملك الحق المبين، فقد بان أن المضّيع مغرور على التقديرين، المضيع الذي لا يعمل وفرّط مغرور على التقديرين، تقدير تصديقه ويقينه؛ لأنه لم ينتفع بهذا التصديق بشيء مادام قد ضيع، وتقدير تكذيبه وشكه هو مضيع، ولذلك فهو مغرور على كلا التقديرين، وإنما يسلم من هذه الطباع المذمومة والغفلة التي تؤدي إلى الخسران من كمّل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بعمل الصالحات والتواصي بالصبر، فإن الله تعالى أقسم في سورة العصر على أن كل الناس في خساره، أقسم على أن كل الناس في خسار إلا من آمن وعمل صالحًا وتواصى بالحق وبالصبر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وَ?لْعَصْرِ إِنَّ ?لإِنسَـ?نَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لصَّبْرِ [سورة العصر] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله الله الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فإن هذا سؤالًا يتعلق بما مضى من الكلام، وهو كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل؟ كيف يجتمع عند أحد التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ثم يتخلف عن العمل؟! وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة إن أساء، ويكرمه أتم كرامة إن أحسن، ثم يبيت قائمًا ساهيًا غافلًا ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبته، قد علمنا جميعًا أن من طباع الإنسان المذمومة ما قد ذكره من أنه يغتر بنعم الله عليه ومن عدم تغييره سبحانه لما به من النعم. ويظن أن ذلك من محبة الله له وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك. وعلمنا من الطباع المذمومة للإنسان أنه لا يسئم من دعاء الخير، ومن طلب الخير، وأنه إذا مسه الشر يأس وقنط، وعلمنا أن من طباعه المذمومة أنه إذا مسه الله بخير أعرض، وإذا مَسّه بضر جأر وتضرع ودعا، وعلمنا أن من سوء طبع الإنسان أنه يظن أن إسباغ الله النعم على بعض خلقه أنه إكرام وأن ابتلاء الآخرين بالتضيق في الأرزاق أنه إهانة، كل ذلك قد تم علمه وأنه في طباع البشر إلا من استثناه الله تبارك وتعالى بما سمعتموه في سورة العصر، لكن هل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب ليقف بين يدي الملك، ثم لا يستعد لهذا اللقاء! ليس هذا من طباع البشر، ليس هذا في طباعهم إلا مع ملك الملوك، ورب السماوات فحسب، هذا الطبع لا تراه إلا مع مالك السموات والأرض وما بينهما المتيقن منهم يعلم أنه موقوف بين يدي الله عز وجل لقوله في سورة الصافات: وقفوهم إنهم مسؤولون إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا الوقوف وعلى الحساب والعرض والفصل. ومع ذلك قليلٌ من عباد الله تعالى من أدَّاه يقينه إلى العمل، وهذا السؤال والله سؤال صحيح، وارد على أكثر الخلق فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء حقًا، يقين وتخلفٌ عن العمل، والتخلف عن العمل له عدة أسباب أهمها:

ضعف العلم ونقصان اليقين: ضعف العلم واستيلاء الجهل بدلًا من العلم الذي يشرف الناس ويتبعون به إلى المعالي. ضعف العلم عند الناس ونقصان اليقين والتصديق بما أخبرت به الرسل عن الله تبارك وتعالى اليقين ناقص، فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضار الإنسان أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتكوين النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وغرور الشيطان ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخَصْ التأويل؛ إذا استولت هذه الأمور على الإنسان لا يمسك الإيمان على نفسه وقلبه، لا يمسك الإيمان ساعتها إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، كيف يستقيم إيمانٌ مع استيلاء هذه المضار؟ كيف يستقيم؟! إنه لا يمسكه حينئذٍ إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا بالرغم من أنها توشك أن تنشق وتنفطر، توشك الأرض أن تنشق بسبب ما يُعمل من معاصي ابن آدم ويمسكها الله تعالى أن تزولا، يمسكها سبحانه، فلا يمسك الإيمان مع وجود هذه المضار حينئذ إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا. وهذا إيمان مهددٌ بألا يتماسك ومهددٌ بأن يتضعضع ويتغير كما ستتغير الأرض والسماوات عند قيام الساعة. قال تعالى في سورة إبراهيم: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فسيتغير هذا الإيمان الضعيف حتمًا إن لم يعمد صاحبه إلى تقويته وإلى إزالة الأمور والمضار التي تحيق وتحيط بهذا الإيمان وتوشك أن تضعضعه، وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، بسبب ضعف العلم ونقصان اليقين إن الناس فيه على درجات وبسبب ذلك يتفاوتون في الإيمان وفي العمل، فمن عظم علمه ويقينه كان أشد إيمانًا وأكثر عملًا، ومن قل نصيبه من هذا قلّ نصيبه من ذاك، وجماع هذه الأسباب يرجع إلى البصيرة والصبر، وقد مدح الله تعالى أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة الدين. فقال في سورة السجدة: فجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون.

فلنعمد إلى العلم حتى لا نكون كالنصارى الذين جهلوا الحق فضلوا عنه بسبب ضلالتهم عن هداية العلم، فقد قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن التابعي الجليل رحمه الله: العلم وسيلة إلى كل فضيلة، فإن علمنا ولم نعمل ولم يورثنا علمنا خشية فلنتفقد قلوبنا، فإن فيها حينئذ شبهًا بقلوب اليهود. فإنهم علموا الحق فلم يعلموا به بل اتبعوا أهوائهم.

أعود فأقول: هذا السؤال الماضي سؤال هام وصحيح: كيف يكون المرء مؤمنًا بالله ورسوله موقنًا بالمعاد والجنة والنار متخلفًا عن العمل؟!

وقد علمنا أسباب ذلك فلنعمد إلى إزالتها نوفق للعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت