الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-فتنة الشرك من أعظم الفتن ، وذكر بعض صور هذه الفتنة. 2- فتنة انتشار المعازف
والغناء. 3- فتنة وحدة الأديان والتقارب بينها. 4- أمور مبنية من الفتن. 5- موقف المسلم من
الفتن ودوره في الإنكار.
تكلمنا في السابق عن الفتن التي تتعرض لها قلوبنا كما جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا، عودًا، فأي قلب أشرنها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه ) ). وكان حديثنا عن هذا الحديث كله منصبًا على أنواع القلوب ومواقفها من الفتن. فما هي الفتن، التي تتعرض لها قلوب المسلمين وما هو موقف المسلم من هذه الفتن وإذا أصاب أحدنا شيء منها كيف يتخلص منها أو من آثارها على نفسه وقلبه؟ إن هذا أمرٌ مهم جدًا لكل مسلم حتى يخرج من هذه الدنيا خير مخرج فيلقى الله بقلب سليم ويفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
أيها الإخوة: إن أعظم فتنة تتعرض لها الأمة هي فتنة الشرك والعياذ بالله أو فتنة الردة عن الإسلام أو النفاق، لقد حُذر سيد الموحدين صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل، وحُذرت الأمة كلها من الوقوع في الشرك قال تعالى: ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين والشرك ليس فقط بالصلاة أمام الصنم أو بدعاء غير الله والاستغاثة به كما يفعل عند الأضرحة والقبور، فهذا شرك واضح وقد وقع فيه كثير من المسلمين في بلاد العالم، ولكن هناك شرك المحبة وشرك الطاعة والخوف الرجاء، فكم من منفذ لتعليمات فيها مخالفة صريحة للشرع ومخالفة لأمر الله وأمر رسوله، فحينما يقال لهذا المنفذ: إن هذا حرام مخالف للشرع، يرد عليك ويقول: أنا عبد مأمور، عبد من أنت؟ يا هذا اتق الله، العبودية لله وحده، فكيف ترضى أن تكون عبدًا لمخلوق مثلك لا ينفع ولا يضر ولا يستطيع أن يرد عن نفسه خيرًا ولا أن يكسبها نفعًا إلا بمشيئة الله وحده، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فهذا من شرك الطاعة.
وقد يكون الشرك في الطاعة، بالتعصب لقول عالم أو فقيه مع أن قوله مخالف للدليل، وفي التعصب لقول هذا العالم رد لحكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون مثل قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله وذلك بطاعتهم فيما أفتوا بأن أحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله فتكون طاعتهم عبودية لغير الله لأن في ذلك رد لشرع الله واتباع لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيم الهوى: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم.
ولقد ظهر في المجتمع الإسلامي من يدعو لعبادة غير الله بأن أجاز التوسل بأهل القبور ودعاءهم وطلب الغوث منهم، بل وظهر في الأمة من أخذ يعلن صراحة انخلاعه من الإسلام والدخول في دين النصارى.
أيها الإخوة: وإن من النفاق المعلن في أمة الإسلام الاستهزاء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء بشيء ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الفرح بانهزام دين النبي صلى الله عليه وسلم وانحساره، والفرح بانتصار دين الكفار وانتشاره، والعياذ بالله من هذه الفتن.
وإن من الفتن المنتشرة فتنة المال وما يسعى أرباب الأموال والسلطة في العالم الإسلامي إلى فتنة المسلمين به بإباحة الربا والدعوة للمشاركة فيه بالمساهمات والاستثمارات والادخار وعرضه للأمة عن طريق التقاسيط الوهمية أو غير ذلك من الوسائل التي فيها تحايل على نشر الربا وإغراق الأمة فيه على مستوى الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة، وهذه حرب معلنة على الله ورسوله فلتستعد الأمة لهذه الحرب، ولينتظروا نتائجها قريبًا إن لم تتب إلى الله وتعود إلى الجادة وإلى الصراط المستقيم.
كذلك أكل أموال الناس بالباطل على مستوى الفرد والجماعة سواء بالرشوة أو بالمكوس والضرائب كل ذلك مما ابتليك به الأمة من الفتن تحت مسميات وأساليب متنوعة أجارنا الله منها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام ) ).
ومن الفتن التي تتعرض لها الأمة انتشار المعازف والغناء والسعي على إخراج المرأة من حشمتها ودينها لتجاري نساء اليهود والنصارى وإماتة روح الغيرة عن طريق المجلات الخليعة أو المسلسلات والأفلام الخبيثة أو بأي وسيلة إعلامية ممكنة وفتح مجال للشباب لممارسة الرذيلة عن طريق السياحة الخارجية وتسهيلها ماديًا والدعوة إليها علنًا جهارًا نهارًا دون خشية أو رقابة والله المستعان.
ومن الفتن التي تتعرض لها الأمة الدعوة إلى مصادقة أعداء الله من اليهود والنصارى وإماتة روح الجهاد في قلوب الأمة وموالاة أعداء الله عز وجل مخالفين بذلك ما جاء في القرآن والسنة من أن العداوة الدينية باقية إلى يوم القيامة وأنه لا دين مقبول إلا الإسلام إن الدين عند الله الإسلام وقال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
إن هذه الدعوة الفاسدة تحت ما يسمى بالتقارب بين الأديان ما هي إلا ذلة وخضوع واستسلام وترك لما أمر الله به، وفعل ما نهى الله عنه موالاة لأعداء الله ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
وقال تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا. وقال تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وقال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
أيها الإخوة: كلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون، والفتن كثرت، والبلاء عم وطم، وما منا إلا وتعرض عليه الفتن في اليوم مرارًا ن فقد يضعف أحدنا في لحظة ويقع في منكرًا أو معصية أو يلتبس عليه أمر فيجد في قلبه تغيرًا واضطرابًا. ولا تكون النجاة من هذه الأمور ومن آثارها على قلوبنا وجوارحنا إلا بالرجوع إلى القرآن والسنة على فهم السلف الصالح صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار بالليل والنهار وخاصة في الأسحار، والتوبة إلى الله بما وقعنا فيه والرجوع إليه، ونكثر الخطا إلى المساجد ونسبغ الوضوء، ونصل الرحم، ونحسن للجار، ونفشي السلام، ونصافح الإخوان، ونبتسم في وجوههم، ونحضر مجالس الذكر، وننصت للخطبة ونساعد المحتاج، ونوالي المؤمنين ونعادي الكافرين، حتى تشملنا رحمة الله إن أصاب الناس بلاء وبأس. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وهو في صحيح الجامع عن أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم قوم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته ) ).
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الفتن وكثرتها كما جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل ترون ما أرى إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ) ).
أي مثل المطر، فالله الله في الرجوع إلى الله ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ما هو موقف المسلم من هذه الفتن؟ أيها الإخوة من المعلوم أن تغيير المنكر يكون باليد أو باللسان أو بالقلب، وليس بعد ذلك حبة خردل من إيمان كما ثبت بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون، من أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ) ).
إذًا لا يرضى المسلم بالمنكرات وبهذه الفتن، ولا يتابع عليها أحدًا، ويستبرئ لدينه وعرضه، فإذا ما عرضت على قلبه شبهة أو شهوة أنكرها وردها وتمعر وجهه، فإن كان بمقدوره تغييرها بيده بأن يكون ذا سلطة وولاية لم يتأخر، فقام وغيّر، وإن لم يكن صاحب ولاية فينكر بلسانه وقلبه، ويرد على أصحاب الشبهة والشهوة بكل وسيلة إعلامية ممكنة، وأن لم يكن يستطيع ذلك لخوف من سلطة أو بطش جبار، فلا يرضى بقلبه، فينكر عليهم ولا يشاركهم في مجالسهم، ويبغضهم ويبغض أعمالهم.
فإذا رأى المسلم شيئًا يخالف أمر الله وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم في السوق أو في موقع عمله أو في طريقه، فإما أن يكون صاحب سلطة وولاية فيغير المنكر بيده، أو صاحب كلمة مسموعة ونصح وإرشاد فينكر المنكر بلسانه، أو من عامة المسلمين الذي لا يستطيع أن ينكر بيده ولا بلسانه، فينكر بقلبه ولا يغشى هذه الأماكن إلا للضرورة.
فمثلًا هذه البيوت التي تحارب الله جهارًا نهارًا في داخل بلاد المسلمين والمسماة بالبنوك يجب أن نبغضها ومن يدعو لتدعيمها والمساهمة فيها إذا اضطررنا للذهاب إليها لحوالة أو لتسديد حساب مصلحة من المصالح أو لاستلام المعاش فإننا نذهب ونحن غير راضين وندخلها خائفين من وقوع العذاب عليها ونحن بداخلها ونحاول إنهاء أعمالنا فيها بسرعة حتى نخرج منها، أما من رضي وتابع فهو منهم، ممن يحارب الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، كذلك كل المعاصي والمنكرات المعلنة في الصحف والمجلات ومحلات بيع الأشرطة للأفلام والغناء وما يعرض في جميع الوسائل من صور للنساء وتبرج وخلاعة، وما يعلن أو يباع من الدخان والجراك... فإذا رأينا محلًا لا يبيع هذه المنكرات ولا يرضاها في محله فعلينا أن نذهب إليه ونتعامل معه، وعلينا أيضًا أن نبغض كل من يساعد أو يؤيد بيع ونشر هذه المنكرات، وعلى المسؤولين منعها باليد ومعاقبة من يسعى إلى نشرها، وإلا كانوا مثلهم ومعهم حتى ولو اضطررنا للتعامل معهم كما يضطر الجائع للحم الميتة.
كذلك مسألة أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرسوم والضرائب ويجب أن لانرضاها حتى وإن اضطررنا لدفعها لأي جهة، ندفعها مستيقنين أنها محرمة وأنها مكوس.
أما الرشوة فلا يجوز دفعها أبدًا لأن فيها تعاونًا على الباطل، ولعن الله الراشي والمرتشي والرائش.
والضرورة في مسألة الرشوة أيها الإخوة هي الضرورة التي يكون فيها إنقاذ نفس من الموت وليس تأخير المعاملة لعدة أشهر أو الإستعجال بها من الضرورات التي تبيح الرشوة.
أما مسألة المكوس والضرائب التي تدفع للجهات الرسمية فإنه ليس لنا خيار لا بد من الدفع حتى نستحصل على الرخص فندفع المبالغ ونحن كارهون مبغضون لمن يأخذ أموال الناس بالباطل ونحذرهم من هذا الأمر ونخوفهم من الاستمرار في هذا والله المستعان.
أما مسألة نشر الضلال والفتاوى المبيحة للمحرمات كفتاوى إباحة المعازف أو تحليل أنواع من الربا فلا يرضا بها المسلم ولا يتابعها ويبغض من يفتي بها ويعلنها، كذلك من يدعو لعبادة القبور ودعاء الأموات وإقامة الحفلات البدعية الشركية فيجب على المسلم الموحد بغضهم وعدم الرضا بذلك وبغض كل من يعينهم وينشر بدعهم وضلالاتهم. وأما مسألة الردة وإعلان الكفر فهنا لا بد من توضيح أهمية المسؤولين والحكام من إقامة حد الردة دون هوادة فلأن يقام حد من حدود الله خير من أن ينزل المطر أربعين يومًا فإذا لم يقام الحد تهاونًا أو خشية من دول الكفر، اليهود، والنصارى، فهذا إثم عظيم وذنب كبير يجب على الجميع إنكاره وعدم الرضا به، وأما إن كان ترك إقامة هذا الحد بسبب رضا تلك الحكومة بإعلان الردة في رعاياها وترى ما يسمى بحرية الأديان فهم يشتركون في الردة والكفر، وعلى جميع الحكومات الإسلامية مقاطعة تلك الحكومة وبغضها حتى تعود إلى أمر الله وتقيم حد الردة على هؤلاء المرتدين من رعاياها، وعلى كل مسلم غيور أن لا يرضى بالكفر ويمقت الكافرين ويبغضهم فكل كافر ما هو إلا شاتم ساب لله ولرسوله مكذب بالله وآياته ورسوله فكيف نرضى بمحبة وموالاة أعداء الله. والله لو أن أحدهم شتم أباك أيها المسلم وكذبه مع علمك بأن أباك صادق لا يكذب ولا يعتدي على أحد فإنك لن ترضى بهذا وسنعاديه وربما نقاتله انتصارًا لأبيك فكيف ترضى، بمن يشتم ربك ويكذب نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم وتتخذه صديقًا وخليلًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله عز وجل: كذبني عبدي ولم يكن ذلك له، وشتمني عبدي ولم يكن ذلك له، أما تكذيبه إياي أن يقول لن يعيدنا كما بدأنا، وأما شتمه إياي أن يقول اتخذ الله ولدًا وأنا الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد ) ).
أيها الإخوة: استعيذوا بالله من الفتن ما ظهر منها أو بطن، وقوموا بدوركم تجاه هذه الفتن، كلٌ يحسبه، وتعلموا العلم الشرعي لتتحصنوا من الوقوع فيها.