العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القصص, قضايا دعوية
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-العقبات والشدائد تعترض سبيل الدعاة والأنبياء. 2- صبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام. 3- حرص الأنبياء على هداية أقوامهم. 4- خشية العلماء من الله تعالى. 5- دعوة إبراهيم عليه السلام أباه لنبذ الأصنام. 6- البراءة من المشركين.
أما بعد: فلقد اقتضت حكمة الله وإرادته ومشيئته أن يبعث في الناس رسلًا منهم مبشرين ومنذرين، ومن بين أولئك الرسل رسولنا محمد خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، والدعوة إلى الإصلاح عمومًا محفوفة بالمخاطر ومحاطة بالأشواك والأقذاء، ومن شأن هذه المخاطر أن تكون وسيلة لتثبيط همة الداعي وتسرّب اليأس إلى نفسه، فكان من الخير أن يُحال بين اليأس وبين قلب الرسول ، ويبقى للداعي إلى الله أن يسلك هذا المسلك، وتلك العقبات التي تعترض الداعي والشدائد التي يراها المصلح لا غنى له عنها لأنها سنة فيمن سبق من الرسل كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: 34] .
إن المصلحين في أي زمان أو مكان لا ينجون من تلك الشدائد والمحن والأشواك والأقذاء التي تعترضهم في دعوتهم؛ لأنهم يحملون إلى الناس ميراث النبوة ويبلغون ما أمروا بتبليغه وآمنوا به وجاهدوا من أجله، فالرسل وأتباعهم ومن سار على نهجهم لن ينجوا من ذلك؛ لأن مهمتهم أن يحولوا بين النفوس وشهواتها والقلوب وأهوائها ويرسموا لها طريقًا غير الطريق التي اعتادته وألفته من الشهوات، وكثيرًا ما تستحكم الشهوات والأهواء ويتمكن الفساد من الأمة إلى حدٍ كبير يحتاج معه المصلح إلى شيء كثير من السلوى ونماذج متعددة من سيرة المرسلين والمصلحين، فينبغي أن تكون سيرة الرسل الماضين ودعوتهم لأقوامهم مُثلًا صالحة للدعاة إلى الله، وتكون أنباؤهم وأخبارهم تثبيتًا لقلوب المصلحين وتطمينًا لنفوسهم، وخاصة سيرة رسولنا محمد وكذلك الرسل والأنبياء قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
إن المصلح إذا قرأ واطلع على دعوة الرسل لأقوامهم واستنبط منها واستخرج الدروس والعبر والعظات من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله وكتب التفسير والتاريخ الموثوقة مما لاقاه كل رسول من جراء دعوته، إذا فعل ذلك فسيقف على الشيء الكثير من أخلاق البشر في بداوتهم وتحضرهم وعاداتهم وطباعهم ومواقفهم الغريبة من دعاة الإصلاح والعقبات والعراقيل التي تقف في طريق المصلحين من مختلف الطبقات والدوافع التي تحملهم على وضع تلك العقبات في طريق المصلحين، عند ذلك يستطيع المصلح أن يسير في إصلاحه على هدى، ويعدّ له من العدة والحجج والبراهين ما ينبغي إعداده كالذي أعده من سبقه؛ لأن نفوس المكابرين المعاندين المفسدين في كل زمان متقاربة ووسائلهم في محاربة الحق متشابهة.
ونحن اليوم مع أحد أولي العزم من الرسل، مع أبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه إلى يوم الدين.
فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء، وهو الجد الأكبر لرسول الله محمد ، إذ الرسول محمد من ولد إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم، فيكون إبراهيم الجدّ الأعلى لرسول الله ، ولقد خصّ الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام بخصائص ومزايا فريدة، فجعله أبًا للأنبياء وإمامًا للمتقين وقدوة للمرسلين، فهو خليل الرحمن بنصّ القرآن الكريم، ومنه تناسل الأنبياء وتتابعوا عقب الأجيال من ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهم السلام جميعًا، قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] ، وقال تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] ، وقال عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: 41] .
وقد ابتُلي إبراهيم الخليل عليه السلام بأنواع من الابتلاء وامتُحن بضروب من الامتحان فصبر، وكان في إيمانه مثل الجبال الرواسخ لم يتزعزع ولم يضطرب ولم يدخل إليه وهن أو ضعف، وأشد هذه المحن عليه حين أُمرَ بذبح ولده إسماعيل، ولكنه كان مثالًا للعبودية والطاعة والإذعان لأوامر الله عز وجل، فكان قدوة للأنبياء من بعده ولأتباعهم، بل جعله الله أمّة بمفرده في إيمانه وصبره وتحمله وطاعته لله رب العالمين كما قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120-123] ، وقال تعالى لنبينا محمد: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161] ، وقال عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ الآية [الممتحنة: 4] .
وإبراهيم عليه السلام ينتهي نسبه إلى سام بن نوح، وبينه وبين نوح عليهما السلام مدة تزيد عن ألف عام، وأبوه هو آزر وهو مشرك بالله عز وجل. ويستعظمُ هذا الأمرَ كثيرٌ من الناس في كل زمان ومكان، أي: كيف يكون الأب مشركًا وكافرًا والابن مسلمًا أو العكس، أو الزوج وزوجته على طرفي نقيض؟! ويعتبرون أن ذلك مُخِلٌّ بمقام الرسل أو الدعاة إلى الله عز وجل وينقص من قدرهم، وهذا من جهلهم، وإلا لو علموا الحكمة لزال عنهم العجب والاستغراب، والطريف في الأمر أن هذا الجهل ليس بين عامة الناس فقط ولكنه سرى بين بعض طلبة العلم حتى أظهروا الشماتة عندما كان من أولادهم أو عوائلهم من هو على خلاف ما كانوا عليه، فعليهم أن يتقوا الله عز وجل ويحمدوه ويشكروه على نعمه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى ومنها استقامة من لهم بهم قرابة وصلة، وقد يكون منهم أناس يظهرون الاستقامة أمام أهليهم وهم على النقيض من ذلك في تعاملهم وفي خلواتهم، فلا بد من الحيطة والحذر والدعاء للمسلمين بالهداية والصلاح والتوفيق.
والحكمة من ذلك أنها تدلهم على وحدانية الله عز وجل وتبعد عنهم شبح الشرك والتعلق بالمخلوقين أيًا كانوا ومهما كانت منزلتهم من الصالحين أو الأنبياء والرسل، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وما على أولئك البشر إلا أن يسلكوا طريق الهداية التي يستطيعونها ويقدرون عليها وهي في حدود إمكاناتهم واستطاعتهم، ألا وهي هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية القلوب المسماة بهداية التوفيق فهي بيد الله وحده جل جلاله، فهو يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. على الرسل وأتباعهم أن يسلكوا ما أمرهم الله به من إبلاغ الرسالة إلى الناس، والله سبحانه هو الذي يتولى هدايتهم بعدله وحكمته، فله الحكمة البالغة عندما يكون الرسول وولده أو أبوه أو زوجه أو عمه على طرفي نقيض ليبين للناس جميعًا أن البشر ليست بأيديهم هداية القلوب وإنما هي بيد الله وحده، وعليهم هم أن يدعوا الله عز وجل ليثبت قلوبهم على الدين الحق كما كان يدعو بذلك رسول الله ويقول: (( يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، وكما قال: (( إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) )، وكما قال عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] .
فالرسل وأتباعهم عليهم هداية الدلالة والإرشاد إلى الصراط المستقيم، يدعون الناس إلى الله عز وجل ولا يملّون ولا يفترون ولا يتوانون، وعلى الأتباع أن يسلكوا هذا المسلك الذي سلكه الرسل، ومنهم رسولنا محمد الذي ظل يدعو عمه إلى آخر لحظة من حياته لعل الله يهديه، ولكن الله عز وجل سبق في علمه أنه لن يهتدي، وأراد عز وجل ذلك ليعلم الناس جميعًا أن محمدًا مهما بلغ من المنزلة والدعوة إلى الله فلن يستطيع أن يحوّل قلب إنسان لم يردِ الله له الهداية مهما كانت منزلته؛ لأنه بشر لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله، فلقد حاول مع عمه أبي طالب شتى المحاولات ليسلم ويقول: (( لا إله إلا الله ) )، ولكنه لم يفعل ولم يتلفظ بها لحكمة ظاهرة للناس جميعًا يجب أن يأخذ المسلمون منها العظة والعبرة والدروس المتعددة المستفادة في الدعوة إلى الله عز وجل، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: 56] .
فهذه هداية القلوب التي لا يملكها البشر، أما هداية الدلالة والإرشاد إلى الطريق والدعوة إلى الله فقد قام بها الرسول محمد ، وهي واضحة جلية في سبب نزول هذه الآية السابقة، وكان يمارسها فعلًا مع عمه، ودلت الآية على الهدايتين أي: تلك التي لا يملكها إلا الله عز وجل وهي هداية القلوب، وتلك التي باستطاعة البشر القيام بها، وهي هداية الدلالة والإرشاد، كما قال الله جل جلاله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى: 52، 53] ، وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [يوسف: 108] ، وقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125] . فالفرق بين الهدايتين واضح، والحكمة أيضًا واضحة جلية للناس أجمعين؛ ليتّجهوا لله رب العالمين ويعبدوه وحده سبحانه ويفردوه بالعبادة لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
وليس هناك ما يخلّ أو ينقص من قدر الرسل وأتباعهم عندما يكون أقرب قريب إليهم على خلاف ما هم عليه، فتلك حكمة الله عز وجل، فلله الحكمة البالغة والمشيئة والإرادة المطلقة، فلقد كان أبو إبراهيم عليه السلام مشركًا وإبراهيم حنيفًا مسلمًا، وكانت زوجة فرعون مؤمنة وفرعون كافرًا، وكان نوح رسول الله موحدًا وولده وزوجته كافرَيْن، ولوط رسول الله موحدًا وزوجته كافرة. وتلك هي سنة الله عز وجل وحكمته سبحانه وتعالى ليعرفوا قدرته عز وجل وحكمته سبحانه وتعالى ويقفوا عند حدودهم البشرية. إذًا لا عجب ولا استغراب عندما يكون الأب صالحًا والابن فاسدًا أو العكس، أو الرجل فاسدًا والمرأة صالحة أو العكس، أو الأسرة بكاملها على غير صلاح وأحد الأبناء أو البنات على هدى من الله ونور أو العكس، فتلك حكمة الله وحجته يقيمها على خلقه لينتبهوا ويفيقوا ويرجعوا إلى ربهم عز وجل.
قال تعالى: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] . ومما ينبغي الإشارة إليه لمن كان تعليمه قليلًا هو خلْطُ بعضهم بين الفاعل والمفعول وعن فهمهم للمعنى في بعض آيات القرآن الكريم خاصة عندما يتقدم المفعول على الفاعل ويلتبس عليهم المعنى في هذه الآية وغيرها، حيث يظنون ويفهمون ويقرؤون كذلك (إبراهيم) بالرفع و (ربه) بالنصب، وهذا غلط واضح يقلب المعنى، فالله عز وجل هو الذي ابتلى إبراهيم عليه السلام، وكذلك الحال من حيث القراءة وقلب المعنى في قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] أي: أن العلماء هم الذين يخشون الله سبحانه وتعالى حق خشيته، فعندما يقرأ من لا يفهم قواعد الإعراب يرفع لفظ الجلالة وينصب كلمة العلماء. وهذا من أشنع الأخطاء وأوضحها غلطًا وخلطًا ممن لا يفهم اللغة العربية وقواعدها، وفيه خطورة على عقيدة المسلم لو اعتقد ذلك، وليس هذا الفهم قاصرًا على فئة معينة من الناس، بل إنه منتشر بين حملة الشهادات العليا كما يقولون، والآيات التي يُساء فهمها عند من لا يعرف معناها أو يجهل إعرابها كثيرة ومتعددة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده عز وجل وأشكره وأومن به وأتوكل عليه وأثني عليه الخيركله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد: فلقد ورد في القرآن قصة دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر الذي هو مشرك بالله ويعبد الأصنام، وأحق الناس بإخلاص النصيحة له إنما هو أبوه، لهذا لم يَأْلُ جُهدًا ولم يدّخر وُسْعًا في تذكير أبيه ونصحه وتحذيره من عذاب الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام في دعوته لأبيه مثالًا للولد البارّ الرحيم الذي لا يريد إلا الخير لأقرب الناس إليه، فلم يَقْسُ عليه في الكلام، ولم يعنّفه أو يزعجه، بل خاطبه بكل أدب واحترام ووقار، وجادله ودعاه بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبيّن له في محاورته ومجادلته بطلان ما هو عليه من عبادة أوثان وأصنام لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عن صاحبها شيئًا، وذكّره بأن هذه الأصنام إذا لم تستطع أن تدفع الضُّرَّ عن نفسها ولا أن تجلب النفع والخير إليها فكيف تستطيع أن تدفعه عن غيرها أو تحقق لعابدها ما يرجوه منها مع أنها تفقد القدرة والقوة على عمل أي شيء من الأشياء؟!
وهكذا مضى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه بالحكمة والموعظة الحسنة في أدب ووقار، ولكن أباه لم يستجب لهذا النصح ولم يعتبر بمنطق الحجة والبرهان، بل أصرّ على الضلال والعناد وهدّد ابنه إبراهيم بالضرب فيما إذا عاد إلى ذكر آلهته المزعومة بالسوء أو الشر، قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: 41-50] ، وقد استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه كما وعده في الآية السابقة عندما دعاه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وعندما كان يطمع في إسلامه وتوحيده لله قبل أن يعرف منه الإصرار على الشرك، فقال كما في الآية السابقة: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47] ، وكما كان من ضمن دعائه في آيات أخرى: هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 83-89] ، وكما قال تعالى عنه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة: 4، 5] .
وعندما ظهر لإبراهيم عليه الصلاة والسلام إصرار أبيه على الشرك والوثنية وعداوته المتأصلة لدين الله عندها تبرأ إبراهيم عليه السلام من أبيه، قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114] .
وفي هذا درس بليغ لأهل العقيدة والإيمان ليقتدوا بالرسل الكرام ويسيروا على نهجهم وسيرتهم العطرة، فإبراهيم يتبرأ من أبيه، ونوح يتبرأ من ابنه، وهذا هو كمال الإيمان، ولكن هذه البراءة وقطع الصلة في الإسلام ليست على إطلاقها خاصة من الولد لوالديه، البراءة تكون من ناحية عدم طاعتهما في الشرك بالله وارتكاب ما حرم الله، ولكن ذلك لا يمنع المسلم من الإحسان والبر بوالديه وإن كانا مشركَيْنِ كما ورد بذلك أمر الله عز وجل في القرآن الكريم، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 15] ، والإطلاق هنا في التعامل الدنيوي والإحسان والعدل والقسط والرحمة والشفقة بالوالدين والتعامل الحسن معهما مع البراءة من شركهما وكفرهما، ويجب علينا أن نفهم الإسلام على حقيقته ونعمل به جملة واحدة. وسوف نواصل الحديث عن دعوة إبراهيم عليه السلام في الخطب القادمة إن شاء الله تعالى.