الإيمان
نواقض الإيمان
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
1-حقيقة المنافقون. 2- صور من مكائد المنافقون. 3- عظم خطرهم في هذا الزمان. 4- من أعلام الكفر والنفاق. 5- أقسام النفاق. 6- أعمدت النفاق خوف الصالحين على أنفسهم من النفاق. 7- مصير المنافقين.
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى.
أيها المؤمنون، كادوا للمسلمين المكائد وتربصوا بهم الدوائر، وكم هموا بما لم ينالوا يُخَـ?دِعُونَ ?للَّهَ وَ?لَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] . لم يرتضوا الإسلام دينا ولا الكفر الصريح مبدأ، فكانوا مذبذبين بين الكفار والمؤمنين غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، اتصفوا بحسن الظاهر، فإن رؤوا أعجبوا وإن قالوا أحسنوا، إلا أن بواطنهم أخمرت كفرًا، وامتلأت قلوبهم على الإسلام والمسلمين غلا وحقدًا، استبدلوا الضلالة بالهدى والبصيرة بالعمى، والكفر بالإيمان والحياة الدنيا بالآخرة، فبئس ما يصنعون.
قلوبهم قاسية وعقولهم قاصرة، شجعان في السلم فإذا جد الجد لاذوا بغيرهم يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4] . يخدمون الكفار ويتجسسون على المؤمنين، ويخذلونهم عن النصرة، وإذا شاركوهم أحدثوا الخلل والاضطراب في صفوفهم، فيهم يأس من رحمة الله، ويلجئون في طلب النصر إلى الأعداء، يستغلون الفرصة المناسبة للطعن في دعاة الإسلام المخلصين وتشويه سمعتهم عن طريق الكذب وتغيير الحقائق، يستغلون الفرص لإيثار الشبهات ونشر الشهوات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
نعم، إنهم المنافقون، ذلك مسلكهم وديدنهم، فضحهم القرآن بآيات تتلى، وكان التاريخ ولا زال شاهدًا عليهم وعلى فعلهم بالمسلمين، يتربصون بهم الدوائر، ويستغلون الأزمات التي تظهر شرهم، ففيها يظهر حقدهم، ينقدون الإسلام بنقد مناهجه التعليمية، ينشدون التفسخ الأخلاقي بزعمهم تحرير المرأة، وتحت مسمى حاجاتها يبثون دعواهم لقيادتها السيارة أو لاستخراج بطاقة أو انتقاد العباءة أو النيل من تعليمها الخاص بها، ورغبتهم هي أن تفسخ المرأة حياءها وأن يحل المجتمع رباط الأخلاق باسم الترفيه والسياحة أو عبر مسلسلات تهدم الدين والخلق وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ?لْحُسْنَى? وَ?للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـ?ذِبُونَ [التوبة:107] .
ووقتهم الذي يبرز حقدهم عبر التاريخ حين تحيط بالمسلمين أزمة يتربصون بهم، ويريدون إلغاء الاحتكام إلى الشريعة بجعل الأمة لا تفيء إلى دين أو عقيدة، يرجعون في كتاباتهم إلى التاريخ الجاهلي أو الأساطير والخرافات ويستغلون الأزمات وتداعياتها كما هو الآن، لرمي المسلمين الملتزمين والإسلام المتين بكل تأخر وتخلف، ويقدمون أنفسهم خبراء مجربين ونخبة مثقفين، في حين أنهم كما يوضح تاريخهم لا يوالون إلا مصالحهم، ولم يقربوا إلا ما كان على شاكلتهم، فكانت المرافق التي تولوها أطلالًا يسطع الإفلاس من جهتها، انظر إلى بؤس المرأة التي أخرجوها في بعض بلاد المسلمين من حصن العفة وقيادة الأسرة إلى عمل يلغي كيانها وحياءها، فلا يبقى فيها ولا يذر، كيف دعوا إلى فصل الاقتصاد عن الدين لينخره سوس الربا، إنهم المنافقون الذين نص الله على خطرهم، ويوجدون في كل زمان ومكان، ويلتبسون ألوانًا من الإيهام والتضليل، ترى بعضهم يحارب الإسلام ويضيق على أهله باسم الخوف من الفتنة أَلا فِى ?لْفِتْنَةِ سَقَطُواْ [التوبة:49] . فالفتنة في الجهل والتجهيل والتزمير والتطبيل ومواجهة الأسئلة الواعية بإجابات مخادعة.
وترى بعضهم يدعي الوطنية والعمل لخير الوطن ويروج تحت هذا الشعار ما يريده من أنواع الخداع والتضليل، ويثير القادة على شعوبهم أو العكس، يسارع أحدهم عند أي حادثة لإبراز ما في قلبه من غلٍ وحقد، وقد يعجب بعض الناس بقوله: وَيُشْهِدُ ?للَّهَ عَلَى? مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ?لْخِصَامِ [البقرة:204] .
لقد تفاقم غش هؤلاء في هذا الزمان وعظم خطرهم وانتشر أثرهم لانتشار وسائل الخداع الميسرة لهم من صحافة وقنوات وإذاعات تؤثر في عقول الأمة ويحارب أغلبها معاني الفضيلة والخير ويبثون الزيغ والتلبيس، ثم تسموا بأسماء ظاهرها جمال، وباطنها مر المذاق.
وتحت راية الحداثة أو العلمانية يتنكرون لكل ما هو ماض ويصفونه بالرجعية والتخلف، وهم ليسوا منحصرين في زمان معين أو مكان، ينتشرون ليترقبوا الفرصة المواتية للنيل من الإسلام والمسلمين وهم أخطر من الكافرين الذين يعلنون حربهم في حين أن المنافقين يغدرون من الخلف ويضربون من الداخل، مع المسلمين وليسوا منهم.
ولقد كانت شواهد التاريخ كثيرة تلك التي تدل على فسادهم وخطرهم الذي يؤول إلى قتل الأفراد والجماعات وإثارة الفتن والخصومات وخيانة الأمة في أحرج الأوقات بدءًا بزعيمهم عبد الله بن سبأ وكيف أثار الفتنة ثم إلى دعاة الدولة العبيدية الرافضية والدروز والقرامطة كابن العلقمي ومحمد بن نصير الطوسي وتاريخهم الحافل بالدماء ثم إلى من أفسدوا الأمة الإسلامية الحاضرة تحت دعاوى مفلسة كالقومية والبعثية والشيوعية والماسونية، وكم قاست الأمة العربية المسلمة من نكبات ونكسات بسبب مكر الذين نافقوا وهم يلعبون بعقول الناس ويتاجرون بالدين تارة أو برايات متلونة تارة أخرى، وإذًا بعد كل ذلك ناسب أن نتحدث عنهم وتعرفهم وأن تعرف صفاتهم مما ذكرها القرآن وفصل فيها لنحذر منهم...
أيها المسلمون، يقول ربنا جل وعلا: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ?للَّهَ عَلَى? مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ?لْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى? سَعَى? فِى ?لأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ?لْحَرْثَ وَ?لنَّسْلَ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ?تَّقِ ?للَّهَ أَخَذَتْهُ ?لْعِزَّةُ بِ?لإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ?لْمِهَادُ [البقرة:204-206] .
وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـ?مُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ?لْعَدُوُّ فَ?حْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ?للَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4] . الإعجاب بالظواهر لمجردها موقع في الهلكة، إعجاب يزيد النفوس الضعيفة اضطرابًا، واكتئابًا، ويحسبون أنها تغني عن الإيمان، أو تهدي إلى الحق، أو تقود إلى الصلاح والإصلاح، وأعظم مظهر يتجلى فيه خلل الميزان، وأكبر صورة يتبين فيها انتكاس العقل وارتكاس الفطرة وضلالة البصيرة النفاق والمنافقون.
إن النفاق وأهله وصفات المنتمين إليه يطرح قضية خطيرة في حياة الإنسانية بعامة، وحياة المسلمين بخاصة، إنها علاقة المخبر بالمظهر، والباطن بالظاهر، والعقيدة بالسلوك، والقول بالعمل، إنهم الطابور الخامس كما يقول المعاصرون.
ولقد انتدب القرآن الكريم بآياته وسوره لفضح هذه الفئة، وهتك أستارها، فجلى دخائل نفوسها، وخلجات ضمائرها، وسوء فعالها وأقوالها، من اضطراب المعتقد، والإعراض عن الهدى والحق، ونقض العهود، وإخلاف الوعود، والخداع والكذب، والتلون، والتقلب، والصد عن سبيل الله ولإيذاء المؤمنين والمؤمنات.
وأما أهل العلم رحمهم الله فقسموا النفاق إلى نوعين: نفاق كفر مخرج من الملة، وهو نفاق العقائد، يظهر صاحبه الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وهو يبطن الكفر بذلك كله أو بعضه، لا هو مخلص في إيمانه، ولا هو معلن في كفره.
ونفاق دون ذلك في الفروع والأعمال.
وصفات المنافقين كبائر موبقة، وجرائم مردية، لا تصدر عن مؤمن ملأ الإيمان قلبه، من جمعها كان منافقًا خالصًا، ومن اتصف ببعضها لازمته حتى يدعها.
النفاق أيها الأخوة، عمدته ثلاث خصال كبرى، خوفٌ في داخل النفس، وكذب في الأقوال، وخداع في الأعمال.
المبتلى بالنفاق خائف مضطرب يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ يخاف من انكشاف الحال وافتضاح الأمر، ومن ثم فإن خوفه ينبت الجبن والهلع، لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَـ?رَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [التوبة:57] . الحق والقوة والشجاعة والبسالة إنما تكون في اليقين والثبات من نور الفطرة، وصفاء القلب، وضياء الإيمان، وأهل النفاق منغمسون في ظلمات النفوس، محتجبون بلذائذ الماديات والشهوات، يزعزعهم الشك، ويقلقهم الريب، فيغلبهم الجبن والخور، ويلجئون إلى التخذيل والفتنة لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولاَوْضَعُواْ خِلَـ?لَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ?لْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـ?عُونَ لَهُمْ [التوبة:47] .
المبتلى بالنفاق رأس ماله الكذب: وَ?للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لَكَـ?ذِبُونَ [المنافقون:1] . ورائج بضاعتهم المخادعة يُخَـ?دِعُونَ ?للَّهَ وَ?لَّذِينَ ءامَنُوا [البقرة:9] . إذا وعدوا أخلفوا، وإذا عاهدوا غدروا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ترددوا ثم أعرضوا وتوقفوا وتحرجوا.
وفي الحديث المتفق على صحته عنه: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ) ) [1] وزاد مسلم في روايته: (( وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ) ) [2] .
يصل به التهتك في النفاق والفساد في الأخلاق أن يظهر بوجهين، ويتكلم بلسانين، ويمشي بين الفريقين كالشاة حائرة بين القطيعين، تميل إلى هذا القطيع تارة وإلى ذاك أخرى مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم من رؤوس الكفر وقياداته وصناع الفساد وأنصار الباطل ودعاة الفتنة قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون، ?لَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ?للَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـ?فِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [النساء:141] .
قد يبلغ النفاق ببعض أهله إلى أن يتصلوا بأعداء الله وأعداء المؤمنين، ويودون لو تولى العدو أمر المسلمين، وتصرف في شؤونهم ودولهم وأن تكون الغلبة له، بَشّرِ ?لْمُنَـ?فِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?لَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ?لْكَـ?فِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ?لْمُؤْمِنِينَ [النساء:138، 139] .
لأيمان الكاذبة مركبهم، والحلف الفاجر وقايتهم، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ?لْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة:14] . وقوله تعالى: ?تَّخَذْواْ أَيْمَـ?نَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16] .
أيها الأخوة، إن النفاق حينما يسري في بعض النفوس فتحسب اللؤم قوة؟ والمكر السيء براعة وما هذا وربك إلا ضعف وخسة، وخور وسفه، فالقوي بحق لا يكون لئيمًا ولا خداعًا ولا متلونًا، ولكن الذين لا يخلصون لله سرائرهم يتعذر عليهم أن يشعروا بفساد أعمالهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:12] . لماذا؟ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد يتأرجح عندهم مع الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية، يزعمون أنهم مصلحون وهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم.
المنافقون مذبذبون يأتون بظواهر العبادات وقد قام بهم الرياء وهو أقبح مقام، وقعد بهم الكسل، وهو بئس القعيد وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ?لصَّلَو?ةِ قَامُواْ كُسَالَى? يُرَاءونَ ?لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:142] . تكاسلًا وثقلًا وشحًا وبخلًا لا يرجون ثوابًا ولا يخشون عقابًا، فيهم من تلبس بالغش والخديعة حتى أصبح لا يؤمن جانبه، لا يبالي أن يخلف وعدًا، وينكث عهدًا، ولا يتورع عن ظلم الغير أو الاستيلاء على الأموال والحقوق العامة والخاصة لا يزغه إيمان ولا حياء عن الخيانة فيما ائتمن عليه، يخادع الناس بكلامه ولطافة خلقه، ولكن بخلاف ما يظهر، قد امتلأ قلبه حقدًا وغلًا ومراوغة، يبيع دينه بعرض من الدنيا ويهدر كرامته في سبيل غرض شخصي أو حاجة دنيوية غير مبالٍ بحرمة فعله وعظيم إثمه إِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [الأنفال:49] .
ومن مراتب النفاق الكبرى أن يجلس جالسهم مجلسًا يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فيسكت ويتغاضى ملتمسًا لنفسه أعذارًا، ومدعيًا أنه صوت من التسامح واللباقة والدهاء والكياسة وسعة الأفق وحرية الرأي، وما درى أن هذه هي الهزيمة تدب في أوصاله وتنخر في فؤاده، وما فرق بين حرية الفكر وجريمة الكفر: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ?لْكِتَـ?بِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـ?تِ ?للَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ?للَّهَ جَامِعُ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْكَـ?فِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] .
أهل النفاق لا يعتبرون من الفتن، ولا يرجعون عند الكوارث ولا يستفيدون من الحوادث أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] .
أما وقت ظهورهم فساعة البلاء والتمحيص وَمَا أَصَـ?بَكُمْ يَوْمَ ?لْتَقَى ?لْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ?للَّهِ وَلِيَعْلَمَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ?لَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أَوِ ?دْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَـ?كُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـ?نِ [آل عمران:166، 167] .
عباد الله، إن بلية الإسلام بهم - كما يقول الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله - شديدة، لأنهم منسوبون إليه وهم أعداؤه على الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، حتى ليظن الجاهل أنهم على علم وإصلاح، فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصنٍ قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم طمسوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول رأسه ليقلعوها، استعان بهم الشيطان على الفتن والتحريش في تاريخ الإسلام العريض، وما كثر القتل وتعددت الأهواء، وانتشرت المذاهب الباطلة، والسبل الضالة، إلا بما وضعوه من التفسيرات المنحرفة والتأويلات المتعسفة، وما عبثوا به من المصطلحات وزيفوا من المبادئ، وفي أخبار الزنادقة ومن لف لفهم ممن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ما يدل على عظيم البلاء وخطر الابتلاء، فلا يزال الإسلام وأهله في محنة وبلية، ما أكثرهم وهم الأقلون، وما أجبرهم وهم الأذلون، وما أجهلهم وهم المتعلمون: وَيَحْلِفُونَ بِ?للَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ وَلَـ?كِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة:56] .
فالله وحده المستعان على ما يصفون وعليه التكلان فيما يجترؤون.
أيها المسلمون، إن على المسلم الواعي أن يتحرز دائمًا من النفاق وأن يكون منه على وجل، ومن الاتصاف منه على حذر، ولعظم خطر هذا المسلك ودقته وشناعة جرم أصحابه فقد تقطعت قلوب السلف الصالح خوفًا من الوقوع فيه، لقد ساءت ظنونهم بأنفسهم حتى خشوا أن يكونوا منهم، فهذا عمر بن الخطاب الفاروق الذي إذا سلك فجًا سلك الشيطان فجًا غيره يقول لحذيفة: (نشدتك بالله هل سماني رسول الله من المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا) [3] ويقول ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله كلهم يخاف على نفسه النفاق، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل [4] .
وبلغ من حذرهم رحمهم الله أن قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: ما خاف النفاق على نفسه إلا مؤمن، ولا أمنه على نفسه إلا منافق [5] . فإن كان هؤلاء المتقون الأبرار والصفوة الأخيار يخشون النفاق على أنفسهم فإن غيرهم من الناس لا سيما في أعقاب الزمن أولى على أن يحذروا منه وأن يخشوا على أنفسهم منه.
أيها الإخوة، ولفظاعة هذا الجرم وشدة أثره على أهل الدين والدنيا فقد لعن الله أصحابه وذمهم، وبالعذاب المقيم توعدهم، وفي الدرك الأسفل من النار حشرهم وَعَدَ الله الْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقَاتِ وَ?لْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ?للَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68] . وقال تعالى: إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ فِى ?لدَّرْكِ ?لاْسْفَلِ مِنَ ?لنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] . ولكن الله البر الرحيم ذا الفضل العظيم شرع الباب مفتوحًا لمن رجع وأناب مهما كانت شناعة الفعل ومهما كان الذنب إذا أصلح عمله واعتصم بربه وأخلص لله دينه إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَ?عْتَصَمُواْ بِ?للَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] .
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألستنا من الكذب وأعيننا من الخيانة.
بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق (32) ، مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق (59) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: خصال المنافق (59) .
[3] انظر: مدارج السالكين (1/358) ن وطريق الهجرتين (ص433) .
[4] أخرجهما البخاري معلقًا في: الإيمان، باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
[5] أخرجهما البخاري معلقًا في: الإيمان، باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
لم ترد.