الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة
الآداب والحقوق العامة, جرائم وحوادث, قضايا المجتمع
محمد بوهو
آزرو إقليم إفران
مسجد الراحة
1-من مقاصد الشريعة حفظ الكليات الخمس. 2- سلامة القصد في شراء المركب. 3- قيادة المركبة سلوك وأخلاق. 4- قيادة المركبة مسؤولية اتجاه الآخرين. 5- قيادة المركبة وتطبيق القوانين. 6- وسائل ضرورية لتحقيق السلامة المطلوبة. 7- من هدي الرسول في الركوب والسفر.
أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأن نقدم لأنفسنا أعمالا تبيض وجوهنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا جاهدين لنيل رضاه، وتذكروا أنكم بين يديه موقوفون وسوف تحاسبون، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281] ، فكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
عباد الله، جاء الإسلام بمبادئه العظيمة وتشريعاته الحكيمة وتعاليمه الربانية الجليلة التي تحافظ على الإنسان في كل مراحله، وتمنع الاعتداء عليه أو التسبّب في إلحاق الضرر به، ولذلك فإن من مقاصد الشريعة حفظ النفس والعقل والمال والعرض والنسل، وتوفير الحماية لهذه الكليات الخمس من الفساد؛ رغبة في أن يكون المجتمع آمنًا مطمئنًا.
ولا يخفى على أحد كثرة الحوادث في أيامنا، والتي تذهب بحياة الكثيرين وتلحق الضرر بالآخرين، فكم من أسرة أصيبت وفجعت، وكم من امرأة ترملت وأطفال تيتموا، وكم من أب فقد ابنه وهو في أشد الحاجة إليه، وكم من أم غاب عنها ولدها وفلذة كبدها.
وفئة الشباب هي من أكثر الفئات التي تتعرض للحوادث وتتضرر بها، نتيجة أسباب متعددة، من أبرزها: الإهمال وعدم التقيد بقوانين السير وعدم تحمل المسؤولية في كثير من الأحيان.
وبمناسبة الأيام الوطنية للوقاية من حوادث السير نقف وفقات مع هذا الحدث سائلين المولى عز وجل أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أولًا: سلامة القصد من شراء المركب، فالواجب عليك ـ أيها المسلم ـ أن تحدد الهدف من شراء مركبك، فمِن نِعَم الله علينا وجود هذه المركبات، أعني السّيّارات وغيرها التي هيّأها الله وسَخَّرها، وأَلهَم خَلقًا من خَلقِه لاختِراعِها وتكوِينِها، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] .
إنَّ الله تعالى يذكِّر عبادَه نِعمَه ويعرِّفهم بها لكَي يشكروه على هذه النِّعمِ، ويثنوا بها عليه ثناءً يليق بجلالِه، فهو أهل الثناء والمجد.
نِعَم الله متعدِّدةٌ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] ، ومن تِلكُم النِّعَم ما بيَّن الله في كتابِه من امتِنانهِ على عباده بأن سخَّر لهم ما يركبون وينتفعون، ويقضون به حوائِجَهم ويقطعون به المسافاتِ العظيمة، كلُّ ذلك من توفيق الله تعالى، قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:71-73] . إذًا فكَون بعضٍ من هذه الأنعامِ للرّكوب نِعمةٌ تحتاج أن نشكرَ الله عليها، وقال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ثم قال: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8] . فأخبر الله تعالى أنّه سيخلُق ما لا يَعلمون ولا يجولُ بِفكرهم ويتصوّرُه حالهم، وهذا من كمالِ قدرته جلّ وعلا، وقد خلق ما لا يعلَمون وأتتِ العجائب، فسبحان الخالق لكلِّ شيء.
والله جلّ علا قال لنا أيضًا: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:12-14] ، وقال: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:7] .
هذه النّعمَة العظيمةُ هل شكَرنا الله تعالى عليها؟! وهل حسُن استعمالُنا لها أم ساء الاستعمال وذهب الشّكر وقلَّ الثناءُ على الله جل وعلا؟! إنَّ شكرَ الله عليها أمر متعيِّن، فالله تعالى الذي يسَّرها وهيَّأها، وإنَّ حسنَ استعمالها لمن شُكر نِعَم الله علينا، فكم من محسِنٍ لاستعمالها، وكم من مسيءٍ لاستعمالِها، وإن أقل مراتب الشكر لهذه النعم هو أن نستعملها فيما يرضي الله تعالى ولا نستعملها فيما يغضبه، وأن يكون الهدف هو الخير وليس غير ذلك.
ثانيًا: قيادة المركبة سلوك وأخلاق، قيادة المركبة من الأمور التي تدخل في أسلوب حياة الإنسان، فإذا كان هذا الإنسان سوي الأخلاق حسن المعاملة تكون قيادته كذلك، لأن القيادة سلوك وأخلاق كذلك. وقد قال بعض المربين:"إن قيادة المركبة تعكس شخصية السائق وتبين معدنها، فإذا كان متصفا بالحلم والتسامح ويحب لأخيه ما يحب لنفسه فهو في قيادته كذلك، وإن كان جاف الخلق متكبرا متبرما ينتصر لنفسه لأتفه الأشياء ويغضب لأبسط الأمور فهو للخصام أميل منه إلى العفو وتفهم الآخرين".
وإلا فقولوا لي بالله عليكم: كيف يغضب سائق لمجرد أن سيارة أخرى تجاوزته في الطريق، أو أن أحدا أطلق إشارة الإنذار وراءه؟! أليس هذا أسلوبا يبين تدني أخلاق هذا السائق؟! ثم إن الذي يسوق سيارته ويقوم ببعض التصرفات الصبيانية لهو دليل على مستوى أخلاقه المنحطة ومستواها الهابط.
وقد رسم لنا المصطفى ووجهنا وحثنا على الالتزام بآداب الطريق ومراعاة الآداب العامة فيه، فذكر من تلك الآداب كف الأذى، وذلك يحتم على السائق وهو يقود سيارته أن يعمل بهذا التوجيه النبوي، فلا يؤذي إخوانه قائدي السيارات الأخرى، أو المُشاة بمضايقتهم، أو تعريض أرواحهم للخطر.
فالسائق الكيس الفطن هو الذي حين يقود سيارته يلتزم بالسرعة المحددة التي حَدَّدَتها الجهات المختصة لسلامة الجميع، ورسمتها لكل سائق حتى يحفظ نفسه ويحفظ غيره ممن يرافقه أو يستخدم الطريق التي يسلكها. والسائق المثالي هو الذي يسير في طريقه باعتدال واتزان وتعقل وتروٍّ، وهو يمسك بمقودِ سيارته يحسب ألف حساب لأي خلل يصدر منه أثناء القيادة، أو قد تكون عاقبته وخيمة ونتائجه سيئة أليمة. والسائق الحذق هو الذي يتوقع المفاجآت من الآخرين أثناء قيادته، ولذلك لا يرضى أن يوقع نفسه في موقف لا يحسد عليه، كما أنه يدرك أن أي عبث يمارسه وهو يقود السيارة قد يؤدي إلى اختلال سيرها وعدم قدرته على التحكم بها.
السائق المطلوب اليوم هو ذلك المسلم الفطِنَ ذو الفكر الناضج والفهم السليم والشعور الإسلامي المتمكن في قلبه الذي استقاه واستلهمه من قوله: (( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ) )رواه مسلم، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )رواه مسلم.
ثالثًا: قيادة المركبة مسؤولية تجاه الآخرين، السائق العاقل هو الذي أيقن أن مخالفته في قيادة سيارته قد يتمخض عنها إهدار أموال أو إتلاف أعيان أو ترمل نساء أو تيتم أطفال أو تفكيك أُسر أو إصابة آخرين بإعاقات كاملة أو جزئية، وتصَّور تلك النتائج السلبية المفزعة والعواقب الوخيمة والمفجعة التي ترتبت على المخالفات المرورية والاستهتار بآداب السير وعدم المبالاة بالتعليمات المستمرة والتوجيهات المتكررة التي تصدرها الجهات الأمنية، والحريصة على سلامة أفراد المجتمع والحفاظ على مقدراته وممتلكاته.
لقد بينت الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير في الأعوام الماضية أن الأرقام مهولة في هذا الصدد، وأن الطرق أصبحت مقابر للعديد من الخلق، فالحوادث المسجلة في عام 2003م بلغ عددها (38704) ، وفي عام 2004م بلغ عددها (37023) ، والحوادث القاتلة في عام 2003م بلغ عددها (916) ، وفي عام 2004م بلغ عددها (876) ، فيكون مجموع الضحايا قتلى ومصابون قد بلغ في عام 2003م (50079) ، وفي عام 2004م بلغ (48190) .
عباد الله، إنَّ الأقدارَ بيد الله، وكلّ ما يجري في الكونِ بقضاء الله وقَدَره، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] . هذا حقٌّ نؤمِن به ونصدّقه، ولكن لا يكون الإنسان سببًا في حصولِ الكوارث. إنَّ على المسلم أن يتّقيَ أسبابَ الكوارث بقدرِ إمكانه، والأمرُ الذي يقدِّره الله أمرٌ لا رادَّ له، لكن لا تكن ـ يا أخي ـ سببًا في حصولِ ما حصَل، أنت خُذ بالأسبابِ النافعة، وتوقَّ الشرَّ قدرَ استطاعَتِك، وما وقع بغيرِ إرادَتِك فالله جلّ وعلا لا يؤاخِذُك بذلك، أما أن تكونَ السببَ في إتلاف النفوس والأموالِ فأنت إذًا من الخاسرين، هدانا الله جميعًا سواءَ السبيل.
إنَّ هناك فئةً من مجتمعنا ـ هدانا الله وإيّاهم لكلِّ خير ـ تراهم في سيارتهم يتصرَّفون تصرّفاتٍ جنونية، وتصرّفات خارجة عن العقل والمنطِق، وتصرُّفات دالّة على ضعفٍ في العقل أحيانًا وعلى قِلّة مبالاةٍ بالنّفوس والمجتمع وعَدَم رِعاية الأنظمة وعدم المبالاة بالأرواح.
فكِّر قليلًا في نتائجِ هذه الكوارثِ، فكِّر قليلًا فيما يحصل مِن هذه الكوارثِ العظيمَة، ربما بقيادتك وتهوّرك تجني على فردٍ أو تجنِي على عدّةِ أشخاص، ويترتَّب عليه أمور، في مقدمتها معصيةُ الله جل وعلا بارتكاب الأسبابِ التي تخِلّ بنظامِ السّير.
أمرٌ آخر: فكِّر ـ يا أخي ـ في هذه الحوادثِ العظيمة، كم من نفوس تُقتل، وكم تصيب بإعاقة آخَرين، فما بين من زهقت نفسهُ، وما بين من أُعيق بقطع أطرافه، وما بين مَن أصبح عالةً على مجتمَعِه في إغماءٍ عظيم بما يحصل من هذه الكوارثِ.
وأمر آخر: تصور معي أن سائقا بتهوره أفقد حياة ذلك المسلم الذي يغتَنِم حياتَه لطاعةِ اللهِ تعالى، ويتقرَّب إلى الله بما يُرضيه، كيف كان السببَ في فَقدِه حياته وانقطاعِ أعمالِه التي كان يرجو أن تكونَ زادًا له يومَ لقاء الله تعالى، أو أن هذا الشخصُ الذي أتلفت حياته له امرأةٌ ترمَّلت وأطفالٌ صاروا بذلك أيتامًا وأموال تلفت، فيبقى بالحقيقةِ نادمًا على تصرّفاتِه الخاطئة إن كان فيه بقيّةٌ مِن خير.
أيّها المسلم، إذًا فعلى الجميع تقوَى الله تعالى، وعليهم التبصُّرُ في أمرِهم، وعليهم أن يعينَ بعضهم بعضًا. واعلم أنَّ الطريق ليس لكَ وحدَك، فمن خلفكَ ومن أمامك وعن جانبيك، كلُّهم شركاءُ لك في الطّريق، وكلٌّ مثلك يريد قضاءَ حاجتِه، فلنكُن متواضِعِين في أنفسِنا، ولنجتنِب الغرورَ والخداع. ما بالُك وأنت تنظُر لبَعض شبابِنا يتسابَقون في الطرقاتِ العامة سباقًا بينَهم لا لهدفٍ سليم، ولكن مفاخرةً وإعجابًا بالنّفوس وسيّارات ما تعِبوا على أثمانها، ولا بذَلوا فيها جهدًا، هيّأها لهم آباؤهم، فهم لا يبالون أتلَفوا اليومَ ويُعوَّضونَ غدًا، أو مؤمَّنٌ عليهم لا يبالون بما يفعَلون. ترى بعضَ يلقِي بعربَتِه عشوائيا دونَ مبالاةٍ بالطريق ومَن خلفَه ومَن أمامَه، كلُّ هذه التّصرّفاتِ الخاطئة تحمِّل المسلمَ إثمًا عظيمًا، لا يغرّنّك أنّك أمّنتَ على سيّارتك وأنّ مؤسّسةَ التأمين ستعفيك عن المسؤوليّة، إن أُعفيتَ عن المسؤوليّة في الدنيا فبأيِّ شيءٍ تلاقي الله يومَ قدومِك عليه؟!
إنّك ـ أيّها المسلم ـ بقتلِك الخطأ قد تتحمَّل الكفّارةَ المغلّظَة عِتقَ رقبةٍ، فإن عَجزتَ عنها فلا بدَّ مِن صيام شهرين كامِلَين متتابعَين، لا تفطِر بينها إلاّ لعذرٍ قهريّ كمَرَضٍ أو نحوه، ولو أفطرتَ بلا عذرٍ يومًا لأعدتَ الشهرين كاملَين توبةً من الله، وكان الله عليمًا حكيمًا.
إن على كل واحد منا أن يلتزم وهو يقود سيارته بآداب القيادة، وأن يحافظ على نفسه ومن معه ومن هم في الطرقات التي يسلكها إخوانه. إن التؤدة والتأني في السير من الأمور المحمودة ومن الصفات المرغوبة، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] .
رابعا: قيادة المركبة وتطبيق القوانين، القيادة تخضع لقانون منظم، والواجب احترام هذا القانون، ولو تمعن السائق في بنوده لوجده خيرا كله، ولكن نرى جمعا كبيرا ممن يقودون السيّارات لا يراعون الأنظمةَ المتّبعَة والأنظمَة المفروضة والتي لا تخالِف شَرعًا، ترى بعضَهم يسير في طريقِه لا يبالي بأنظمةِ السير، كيف يقِفُ ولا كيفَ ينطلِق، تراه يُغرِي من خلفَه، فهو يقِف مواقفَ غير مناسِبة، ولا يعطي لمن خلفَه تصوّرًا هل هو سيكون عن يَسارٍ أو يمين، يلقِي بعرَبَته أيَّ مكان دونَ مراعاةٍ لذلك، تراه أحيانًا في سرعتِه ربما قطعَ الإشارات النظاميّة من غير مبالاةٍ، ثم تقع الأخطار ويحاوِل أن يبرِّرَ موقفَه بأمرٍ هو كاذب فيه غير صادق.
وأذكر أنه عندما صدر قانون الالتزام بحزام السلامة وهو قانون فيه من أسباب السلامة والوقاية الشيء الكثير رأينا ردود أفعال مجموعة من السائقين للسيارات والشاحنات والحافلات، كيف أنهم أهالهم صدور مثل هذا القانون الذي لا يبغي سوى سلامة السائق وضمان حد أدنى من الوقاية. ففي حين أن بعض الدول التزمت بهذا الأمر منذ أمد بعيد وأصبحت كل السيارات مجهزة بجهاز لا يترك للسائق الاختيار فلا يمكن للسيارة أن تتحرك حتى يُربط حزام السلامة نجد عندنا من يقول:"إن مسألة الحزام ليست مشكلا لأن المغاربة بارعون في مجال السياقة". في الحقيقة هذا دليل على تخلف في الفهم ونكوص في الوعي.
أضف إلى هذا أنك تجد من لا يوفر أوراق السيارة الضرورية، وتجده كالخفاش يبحث عن الظلام لكيلا يضبط متلبسا في مخالفته، وإذا ضبط على ما هو عليه تجده يعالج المشكل بما هو أسوأ.
خامسًا: وسائل ضرورية لتحقيق السلامة المطلوبة، ونحن إذا كنا نحمل السائقين المسؤولية الأولى في السلامة الطرقية فمن الواجب علينا أن ننظر إلى المسألة من زاوية أوسع ومن تحليل أعمق، وذلك لتحقيق الإنصاف المطلوب والعدل المفروض، قال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] . من الأمور المحققة للسلامة الطرقية ما يلي:
1-ضرورة الصرامة في تسليم رخص القيادة، فما دمنا نسمع بين الفينة الأخرى أن أناسا يتسلمون رخصة القيادة بدون اجتياز أي اختبار فلا زلنا لم نخط الخطوة الأولى في طريق السلامة الطرقية، فالواجب أن يأخذ القانون مجراه في محاسبة من يتلاعب بأرواح الناس. فالواجب تأهيل السائق حتى يكون مدركا لكل ما من شأنه أن يصادفه على الطريق ومعرفة السلوك الواجب اتباعه. وقد حكى لي بعض الثقات أن كثيرا من أبناء جالياتنا في الخارج أعادوا رخص السياقة في البلدان التي يقيمون فيها؛ نظرا لأنهم بالرخص التي أعطيت لهم في بلادهم يرتكبون الأخطاء الفادحة.
2-صلاحية الطرق من الأمور التي لا تغيب على ذهن السائق الفطن، فنحن نلحظ أن مجمل الطرق التي يسلكها السائقون غير صالحة بالشكل الذي يسمح بتحقيق السلامة الطرقية المطلوبة، فمن طريق مليء بالحفر، إلى طريق ضيق، إلى طريق غير معبد. فالواجب قبل أن نطالب السائق باحترام قوانين السير أن نمكنه من شبكة طرقية سليمة من المخاطر والآفات. ونحن نلحظ أن هناك محاولات حثيثة لاستصلاح الطرق، لكنها لا زالت في البداية وغير كافية إلى حد الآن.
3-القيادة في حالة سكر، لقد أثبتت الإحصائيات في بلادنا أن جل الحوادث التي ذهب ضحيتها أبرياء كانت من جراء أخطاء بعض المواطنين الذين أوقعوا الآخرين في الحوادث. ومن هذا المنبر نقول: إنه من الواجب على كل المواطنين اتخاذ موقف موحد وجاد ضد وجود وانتشار المخدرات بكل أنواعها، فعلينا أن نبدأ من الأسرة ونحصن أبناءنا ضد المخدرات، ونسعى بكل الوسائل المشروعة للحد من بيعها في بلادنا. وهذا كله لن يتحقق إلا بالوعي والإيمان الصادق بأن طريق السلامة لن يكون بدون محاصرة أم الخبائث وبناتها.
4-معظم الضحايا الذين خسروا حياتهم في حوادث السير على الطرقات كانوا من الشباب، هم ضحايا الطرقات والسرعة والطيش. والشباب هم ضحايا أنفسهم غالبا فيما يتعلق بحوادث السير المروعة التي تقع على الطرقات، وهذا يضعنا أمام قضية من أصعب القضايا، ألا وهي توجيه الشباب وتربيتهم، وإلى أي مدى نحن مفرطون في تأطير الشباب وجعلهم في مستوى الدور المنوط بهم اتجاه أنفسهم وأوطانهم وبالتالي اتجاه أمتهم.
إذًا فنحن ـ أيّها المسلمون ـ يجب أن نكونَ محترِمين للأنظمةِ النافِعة المفيدة، وأن نعتقدَ أنّ احترامَها والتقيّد بها أمرٌ مطلوبٌ منّا شرعًا، لأنّ سلامةَ الأرواح والأموال مطلوبةٌ من المسلم، فالتهوّر وعدم المبالاة ليست مِن أخلاق المسلمين.
إنَّ أخلاقَ المسلمين قَبول الأنظمة النافعة وتطبيقُها، كلٌّ يطبّقها على نفسه ليسلمَ مجتمعُنا بتوفيق الله من هذه الكوارثِ التي تقضّ مضجَع المسلم وتؤلمه إيلامًا شديدًا، ما نسمَع في الصُّحف كلَّ يومٍ عن حوادِثَ مروّعة إنما أسبابها ـ بأمرِ الله ـ السّرعةُ الزائدة، التصرّفاتُ الخاطئة، قيادةُ السيارةِ لمن لا يحسِن القيادةَ ولا يطبّق الأنظمةَ ولا يعرف للسيرِ حقَّه، وممن يساهم من بعيد أو قريب في تأصيل هذه المصائب.
فهذا هو العلاج وتلك هي الوقاية، فلنتَّق الله في أنفسنا، ولنلتَزِم سلامةَ إخوانِنا ديانةً ندين الله بها. أسأل الله أن يأخذَ بنواصي الجميعِ لما يحبّه ويرضاه.
باركَ الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فِيهِ منَ الآيات والذّكر الحكِيم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العَظيمَ الجليلَ لي ولكم ولِسائرِ المسلمين مِن كلِّ ذنب. فاستغفِروه وتوبوا إليهِ إنّه هوَ الغَفور والرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أخي المسلم، إنّك حينما تمتطِي سيّارتَك فاتق اللهَ أولًا، واشكرِ الله على هذه النعمة وأن هيّأها الله تعالى لك ويسّر لك قيادَتها، فاعرف حقَّ الله تعالى واشكرِ الله وأثنِ عليه واستعِن بالله في كلِّ مهماتك، يقول رسول الله: (( من أصبح منكم آمنا في سربه معفى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ) )أخرجه الترمذي. ومعنى قوله: (( في سربه ) )أي: في مسلكه وطريقه.
ولكي يحصل لك ـ أخي المسلم أختي المسلمة ـ الأمن في سربك فالواجب عليك طاعة الله تعالى، والاستعانة به في كل الأحوال، والتحلي بأخلاق الإسلام في المشي والركوب والقيادة.
روى الطبراني عن النبي أنه قال: (( ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( من أراد سفرا فليقل لمن يخلف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ) )أخرجه أحمد.
ومما علمنا إياه رسول الله وهو دعاء الخروج من المنزل، فعليك ـ أيها المسلم ـ أن تقول وأنت خارج من بيتك: (( باسم الله، توكّلتُ على الله، لا حول ولا قوّةَ إلا بالله ) )، يجيبك الملك: هُديتَ وكُفيتَ ووقيتَ، ويتنحَّى عنك الشيطان ويقول: ما لي برجلٍ قد هدِيَ وكُفيَ ووقِي؟!
وعند ركوبك السيارة أو الحافلة أو غيرها فلتقل: بسم الله الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم تقول: الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وإذا أردت سفرًا فلتقل أيضا: اللهم نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ومن كآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل. كما في صحيح مسلم.
وكان رسول الله وأصحابه رضي الله عنهم إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا.
وعندما يرجع المسلم من سفره ويطل على مشارف بلدته يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. كما في صحيح مسلم.
هكذا يكون التوكل على الله في الركوب والسفر، وهي بحق من الزاد الروحي الذي يجعل المسلم ينطلق في سربه وطريقه على هدى من الله تعالى، وعلى يقين بأن الحافظ هو الله تعالى، وبهذا يكون مستشعرا لمعيته ومراقبته، ومن ثم تكون أخلاقه وفق ما يحب ويرضى جل وعلا.
اللهم آمنا في سربنا، وعافنا في أجسامنا، وارزقنا رزقا حلالا. اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير يا رحمن يا رحيم.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم بالصلاة والسلام عليه، فقال في أصدق الحديث وأحسن الكلام: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا نبي الهداية والرحمة...