الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة, الموت والحشر
أحمد حسن المعلم
المكلا
خالد بن الوليد
1-الحكمة من خلق الخلق. 2- استغناء الله تعالى عن العباد وحاجتهم وافتقارهم إليه. 3- موعظة وتذكير. 4- الحث على التوبة.
أما بعد: فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه وتعالى.
ثم أما بعد: فيقول المولى سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115، 116] ، ويقول سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:1، 2] ، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النبي أنه قال: (( بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصير الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ).
إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد ، ما الهدف والغاية من وجودنا؟ لم خلِقنا يا عباد الله؟ ولم أوجِدنا في هذه الحياة؟ هل خلقنا لنأكل ونشرب ونلبس، أو وجدنا لنجمع الأموال الوفيرة والكنوز والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، أم الهدف والغاية من وجودنا وخلقنا أن نتمتع بزخرف هذه الحياة وزينتها؟!
لا والله يا عباد الله، ما خلقنا في هذه الدنيا عبثًا، ولم نترك فيها سدى، أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:36- 40] .
لقد خلقنا ـ والله ـ لمهمة عظيمة وغاية جليلة، تبرّأت منها السموات والأرض والجبال، وأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان.
لقد خلقنا لتوحيد الله الواحد الأحد وإفراده بالعبادة سبحانه وتعالى. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] .
أحد السلف يمرّ على صبية صغار يلعبون وبينهم طفل صغير يبكي، فيظن الرجل أن هذا الطفل يبكي لأنه ليس له لعبة كما لهم لعب، فقال له: يا بني، أتريد أن أشتري لك لعبة؟ قال: ما لهذا أبكي يا قليل العقل، إنما أبكي لأن هؤلاء يفعلون غير ما خلقوا له، أولم يسمعوا قول الله وهو يوبخ أهل النار: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115، 116] ؟! فدهش الرجل من إجابة هذا الطفل الصغير، وقال له: يا بني، إنك لذو لب ـ لذو عقل ـ وإن كنت صغيرًا فعظني، فقال له الطفل بيتًا واحدًا:
فما الدنيا باقية لحي وما حيٌّ على الدنيا بباق
فرضي الله عنكم ـ أيها السلف ـ يوم علمتم أن هذه الحياة بسنينها وأعوامها ينبغي أن تصرف في طاعة الله، ويوم علمتم أن هذه الحياة ليست حياة أكل وشرب وجماع، وإنما حياة عبودية وتذلل وطاعة لله الواحد الأحد.
والله ـ يا عباد الله ـ إننا لفي غفلة عما خلقنا لأجله، وإن قلوبنا في قسوة لا يعلم بها إلا الله، وإننا بحاجة للتذكير بهذه القضية الكبرى في كل أسبوع بل في كل يوم وفي كل لحظة، فحاجتنا إليها أعظم من حاجتنا إلى الأكل والشرب والهواء، وأعظم من حاجتنا إلى النوم والجماع واللباس.
فزاد الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمتَ ولا شربتَ
فأكثر ذكرَه في الأرض دأبًا لتذكَرَ في السماء إذا ذَكَرتَ
وقال آخر:
يا متعب الجسم كم تشقى لراحته أتعبتَ جسمَك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلَها فأنت بالروح لا بالْجسم إنسان
يا عامرًا لخراب الدار مجتهدًا بالله هل لخراب الدار عمران
معاشر المسلمين، الله سبحانه وتعالى غني عنا وعن عبادتنا وطاعتنا، لا تنفعه طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، بل نحن بحاجة إلى الله ونحن الفقراء إلى الله، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] ، (( يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ) )، وفي الأثر الإلهي الآخر يقول رب العزة: (( إني إذا أطِعتُ رضِيتُ، وإذا رضيت بارَكت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصِيتُ غضِبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد. وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره. وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب ) ).
فنحن ـ يا عباد الله ـ بحاجة إلى الله، ونحن مفتقرون إلى الله فلماذا نعصي الله؟! ولماذا لا نستشعر عبودية الله؟! ولماذا لا نستشعر حاجتنا لله وافتقارنا إلى الله؟!
فليتك تعفو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غِضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالَمين خراب
إذا صحّ منك الودّ يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب
والله، إن الإنسان إذا لم يرتبط بالله الواحد الديان فهو كالبهيمة بل هو أضلّ؛ لأن الله كرمه بالفعل وشرفه بالفكر وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا.
فيا أيها الإنسان، ما غرك بربك الكريم؟! ما الذي خدعك حتى عصيت الله؟! وما الذي غرّك حتى تجاوزتَ حدود الله؟! وما الذي أذهلَك حتى انتهكتَ حرمات الله؟! من أنت يا أيها المسكين الحقير الذليل الفقير؟! أما أنت الذي تؤذيك وتدميك البقّة؟! أما أنت الذي تنتنك العرقة؟! أما أنت الذي تميتك الشرقة؟! أما أنت الذي تحمل في جوفك العذرة؟! أما أنت الذي تتحوّل في قبرك إلى جيفة قذرة؟! من أنت يا أيها المسكين؟! أما كنت نطفة؟! أما كنت ماءً؟! أما كنت في عالم العدم؟! قبل سنوات لم تكن شيئًا مذكورًا، وبعد سنوات أيضًا لن تكون شيئًا مذكورًا، هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:1، 2] .
مسكين هذا الإنسان، حقير هذا الإنسان، أتى من ماء، أتى من نطفة، أتى من عالم العدم، فلما مشى على الأرض تكبر وتجبر ونسيَ الله الواحد.
بصق الرسول يومًا في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: (( قال الله عز وجل: ابن آدم، أنّى تعجِزني وقد خلقتُك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدّلتك مشيتَ بين بردَين وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة ) ).
فيا أيها الإنسان، تفكر في نفسك، تفكر في ضعفك وعجزك وافتقارك، وتفكر في عظمة الله وفي ملكوت الله، انظر إلى السماء بلا عمد، انظر إلى الأرض في أحسن مدر، انظر من أجرى الهواء، ومن سير الماء، ومن جعل الطيور تناظم بالنغمات، ومن جعل الرياح غاديات رائحات من فجر النسمات، من خلقك في أحسن تقويم، أهذا يعصى؟! أهذا يكفر؟! أهذا يجحد؟!
والله، إنّ السماء بما فيها من ملكوت لا تعصِي الله، وإن الأرض لا تقوى على معصيته، وإن الجبال الرواسي الشامخات لا تعصي الله، وإن الشمس بحرارتها وقوتها لا تعصي، وإن القمر بجماله لا يعصي الله، فلا إله إلا الله، كيف استطاع هذا الإنسان الضعيف الحقير أن يعصي ربه وخالقه ومولاه؟! كيف تجرأ هذا الإنسان أن يعصي جبّار السموات والأرض الذي لا يعذّب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد؟!
والله ـ يا عبد الله ـ لن يبقى معك إلا ما قدمتَ من أعمال صالحة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فقال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] ، وأما في القبر فسوف يرجع أهلك ومالك، ولن يبقى معك إلا عملك، فإن كان عملك صالحًا أتاك رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح، فتسأله: من أنت؟! فوجهك الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح ولا أفارقك، وإن كان عملك خبيثًا فسوف يأتيك رجل قبيح الوجه قبيح الثياب قبيح الريح فتقول له: من أنت؟! فوجهك الذي يأتي بالشر، فيقول لك: أنا عملك السيئ ولا أفارقك.
وليت أن الأمر ينتهي عند هذا الحد، بل سوف تقف عاريًا حافيًا في يوم كان مقداره خميس ألف سنة، يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق على قدر ميل منهم، ويكون الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ عرقه ركبتيه، ومنهم من يبلغ عرقه حقويه، ومنهم من يبلغ حنجرته، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.
فتفكر ـ يا عبد الله ـ يوم تقف بين يدي الله ليس بينك وبينه ترجمان، فتتلفت يمينًا فلا تجد إلا ما قدمت، وتتلفت شمالًا فلا ترى إلا ما قدمت، فتتلفت أمامك فلا ترى إلا النار، قد غضب الربّ غضبًا لم يغضب قبله ولا بعده قط. يوم تنصب الموازين فيقول الله: يا آدم، أخرِج بعث النار من ذريتك، فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون، عندها تذهل كل مرضعة أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
فعجبًا لك يا ابن آدم، كيف تجتهد وتتعب وتنصب وتشقى من أجل خمسين أو ستين سنة في هذه الحياة الدنيا، وهذا لمن بلغ الخمسين أو الستين، ولا تجتهد ولا تعمل من أجل يوم واحد فقط مقداره خمسون ألف سنة، ومن أجل موقف خطير ومصير مجهول إما إلى نار وإما إلى جنة؟!
أما والله لو علم الأنام لِما خلِقوا لما هجعوا وناموا
لقد خلِقوا ليوم لو رأته عيون قلوبهم ساحوا وهاموا
مَماتٌ ثم حشر ثم نشر وتوبيخ وأهوال عظام
ليوم الحشر قد عمِلت أناس فصلّوا من مَخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهينا كأهل الكهف أيقاظ نيام
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
عباد الله، اتقوا الله حقّ تقاته، واسعوا في مرضاته، وتدبروا القرآن الكريم، وتمسكوا بسنة خاتم النبيين، وتفقهوا في الدين، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
أما بعد: فقد جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم أحد السلف الزاهدين العابدين، هذا الرجل أسرف على نفسه في المعاصي، فجاء إلى إبراهيم وقال له: عظني حتى لا أعود إلى معصية، قال له إبراهيم: إن استطعتَ على خمسة أمور فلن تعصيَ الله: إذا أردتَ أن تعصي الله فاعصه حيث لا يراك، قال: وكيف ذاك وقد وسع علمه السموات والأرض؟! قال: وإذا أردت أن تعصي الله فاخرج من داره، فقال: وكيف ذاك وكل ما في السموات والأرض ملك لله؟! قال: وإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه، فقال: وكيف ذاك وكل ما في السموات والأرض رزق الله؟! قال: وإن أردت أن تعصي الله فإذا جاء ملك الموت فقل له: أخرني إلى أجل قريب، قال: وكيف ذاك وهو القائل: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34] ؟! قال: وإن أردت أن تعصي الله فإذا جاءك زبانية جهنم ليأخذوك معهم فلا تذهب معهم، فما كاد الرجل أن يسمع إلى هذه الخامسة حتى بكى بكاء شديدًا، وعاهد الله أن لا يعود إلى معصية.
فيا عبد الله، يا من أسرف على نفسه في المعاصي، يا من ابتعد عن الله، يا من أعرض عن الله، عد إلى الله فهو القائل: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، وهو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، وهو القائل: (( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئًا لغفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ) ).
سبحان من نهفو ويعفو دائما ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يُعطي الذي يُخطِي ولا يمنعه جلاله من العَطا لذي الخَطَا
لا يغرنك ـ يا ابن آدم ـ ستر الله، فإن كنتَ ستِرت هنا فتذكّر الفضيحة يوم الفضائح والكربات، يوم تبيّض وجوه وتسودّ وجوه.
تعرّض لنفحات الله ـ يا عبد الله ـ ما دمت فوق الأرض قبل أن تصير في بطن الأرض، تزوّد من الأعمال الصالحة ما دمتَ في النور قبل أن تصير إلى ظلمة القبور، تعرّض لرحمة الله وأن تسمع للمواعظ قبل أن تسمع قرعَ نعالِ من ودّعوك وأودعوك في قبرك، تذكر ـ يا عبد الله ـ واتّعظ وأنت في المهلة قبل النقلة، وأنت في دار العمل قبل أن تصير إلى دار الجزاء.
فيا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب
إن الْمنايا كالرياح عليك دائمة الْهبوب
يا ابن آدم، أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.