فهرس الكتاب

الصفحة 5108 من 5777

جريمة القتل

أديان وفرق ومذاهب, موضوعات عامة

جرائم وحوادث, فرق منتسبة

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-أصناف الناس. 2- صفات الأخيار وصفات الأشرار. 3- أعظم الإفساد في الأرض. 4- تحريم قتل الأنفس المعصومة. 5- استنكار جريمة قتل الفرنسيين الأربعة. 6- التحذير من الخوارج المارقين. 7- دعوة لشكر النعم ومحاسبة النفس.

أمَّا بعد: فاتَّقوا الله حقَّ التَّقوى بفعل مرضاتِه والبُعد عن محرَّماتِه، تكونوا من عبادِه المتَّقين الّذين وفَّقهم وأسعَدَهم ربُّهم في الدَّنيا، وآتاهم حُسنَ الثواب في الأخرَى.

عبادَ الله، إنّ مِن النَّاس مَن هُوَ مِن مفاتيحِ الخير، ومنهم من هوَ مِن مفاتيح الشَّرّ، وكلاهما يَلقَى جزاءَه في الدّارَين، قال النبيُّ: (( طُوبى لمن كان مِفتَاحًا للخير مِغلاقًا للشرّ، وويلٌ لمن كان مِغلاقًا للخير مفتاحًا للشرّ ) ) [1] . والخيرُ كلُّه ما دعا إليه الدِّين الإسلاميّ وأمر به، والشّرّ كلُّه ما نهى عنه الدّين الإسلاميّ وحذَّر منه.

وقد ذَكَر الله صفاتِ الأخيار لنعملَ بها، وصِفَاتِ الأشرارِ لنَتَجَنّبها، قَالَ اللهُ تعالى: وَعِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى? ?لأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـ?هِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـ?مًا وَ?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ?صْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَ?لَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: 63-69] ، كما ذكَر الله تعالى صفاتِ المجرمين المفسدين لنَحذَر أعمالَهم ونتجنَّبَ طرائقَهم، قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 11، 12] ، وقال تعالى: وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 142] .

وأَعظمُ الإفسادِ في الأرض الشِّركُ بالله تعالى في عِبادتِه، واتِّباعُ الهوى لأنّه يَصُدُّ عن الحقّ، وقتلُ النفس التي حرّم الله عزّ وجل قتلَها وعصَم دمَها وعظَّم خَطرَ قتلها في كلّ شَريعَةٍ، قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] ، وجاءَ في الوَصايَا العشرِ لموسَى في التوراة:"لا تتَّخذ إلهًا غيري في السّماء أو في الأرض، أكرِم أباك وأمَّك، لا تَقتُل، لا تَزنِ، لا تَسرِق، لا تَشهَد على قريبِك شهادةَ زورٍ، ولا تَشتَهِ حقلَه ولا ثورَه ولا حِماره"أي: لا تحسد. وجاءَ عيسى عبدُ الله ورسولُه المبعوثُ إلى بني إسرائيلَ وَكَلمتُه التي ألقاها إلى مريمَ العابدة وروح من الله تعالى، جاء يُؤكِّد هذه الوصايا العَشر، وأكَّدها داودُ وغيرُه من أنبياءِ بَني إسرائيلَ عليهم الصَّلاة والسّلام.

وأنزل الله تعالى على سيِّدِ المرسَلين محمّد عشرَ وَصَايَا عظيمة في شريعَتِه الغرّاء التي اتَّفَقَت مع شرائِع الأنبياءِ قبلَه في أصولِ الشَّريعة، ونسخَتِ الشرائعَ التي قبلَها، وحفظَ الله كتابَ هذه الشريعةِ مِنَ الزيادة والنقصان إلى يومِ القيامة، قال الله تعالى في هذه الوصايَا العَشر العظيمةِ: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـ?دَكُمْ مّنْ إمْلَـ?قٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ?لْفَو?حِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ ذ?لِكُمْ وَصَّـ?كُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ?لْيَتِيمِ إِلاَّ بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى? يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ?لْكَيْلَ وَ?لْمِيزَانَ بِ?لْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَ?عْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى? وَبِعَهْدِ ?للَّهِ أَوْفُواْ ذ?لِكُمْ وَصَّـ?كُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَـ?ذَا صِر?طِي مُسْتَقِيمًا فَ?تَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ?لسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذ?لِكُمْ وَصَّـ?كُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 151-153] .

ففي هذه الوصايا العشرِ العظيمة حرَّم الله قتلَ النّفس، وقال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ?للَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] ، وفي الحديثِ عن النّبيِّ: (( لا يَزالُ المرءُ في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا ) )رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما [2] ، وفي الحديث عن النبيِّ أنه قال: (( من قَتَل معاهدًا أو ذِمِّيًا لم يَرح رائحةَ الجنَّة ) ) [3] ، والمعاهد المستأمَن في هذا العصر هو الذي أُعطِيَ إقامةً من الإمام أو نُوَّابه وموظَّفيه وهو غيرُ مسلم، فإنّ هذا الوعيدَ الشديدَ على قتله يمنَع المسلِمَ أن يتعرَّض له في دمه أو ماله أو عِرضه.

وإنَّ ما وَقع في هذه الأيّامِ مِن حَدَثٍ إِجرَاميٍّ في صحراءِ بُواط من قتلٍ وعدوان وظلم وبَغي على نفوسٍ لا ذنبَ لها ومن عملٍ إرهابيّ سُفِكت فيه الدماء وأزهقت فيه النفوس وأُستحل به المحرم، هذا فعلٌ أثيم، إنَّ هذا عمل إجراميّ شنيع وفساد عظيم، ينبذه الإسلام، ويحاربه ويتبرَّأ منه، ويعاقب عليه أبلَغَ العقوبةَ. وقد جمع هذا الحدثُ الشِّرير والإثم الكبير كبائرَ من الذنوب العظام ومفاسدَ من الآثام، فأقدم هؤلاء المفسدون المجرِمون على قتل النفس التي حرَّم الله قتلَها، فعَصَوا الرحمن، وأسلَموا قِيادَهم للشَّيطان، وعَصَوا وليَّ أمر المسلمين، وخَرَجوا على جماعةِ المسلمين، وقد أمر الله تعالى بطاعة وليِّ الأمر في قوله: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَأُوْلِى ?لأمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] . فخَرَجوا على جماعةِ المسلمين، وشَذّوا عن سياجِ حَوزَة الدين، وشوَّهوا صورةَ الإسلام الكريمة وأساؤوا إلى تعاليمه المستقيمة، وقطعوا الطريقَ، وروَّعُوا الآمنين، وقاطعوا الوالِدين والإخوانَ والأقرباء والجيران، وصَمّوا آذانهم عن النصائح والإرشاد، وعزَلوا عقولهم عن الاعتبار، وأغمَضوا أعيُنَهم عن الإبصار، فوقعوا في الهاوية التي وقع فيها من هُم على فِكرِهم الغدّار.

أيّها الناس، إن هذا النوعَ من الناس عدوٌّ لنفسه وعدوٌ للمجتمع وعدوٌّ للأمن والاستقرار، يبدِّل نعمة الله من بعدما جاءته والله شديد العقاب.

إنَّ قاتلَ النفس لو سكَن في السحاب لأنزَله الله بسِلسِلَة الغَدر التي طوَّقَت عنقَه إلى ساحة العدلِ حتى يشرَب من الكأسِ الذي سقى به المقتولَ المظلوم. قال الله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء: 123] .

وإنَّ مما توجِبه علينا شريعة الإسلام التصدّيَ لهذا الفكر الذي أحدثه الخوارج في تاريخ الإسلام، فكفَّروا به ولاة أمور المسلمين، وكفروا به المسلمين، وحدث بهذا الفكر فسادٌ كبير في الأمة، وحذّر من هذا الفكرِ رسول الله أمّتَه؛ لئلا تتفرَّق، ولئلا يطوِّقَها الفسادُ، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أمامة: (( الخوارج كلابُ أهل النار ) )، وفي صَحيح مسلمٍ أنَّ النبيَّ قال: (( يمرُقون من الدّين كما يمرق السّهمُ من الرّميّة ) ) [4] .

وأكد النبي طاعةَ ولي الأمر بعد طاعةِ الله ورسوله، فقال: (( من أطاعني فقد أطاعَ الله، ومن عَصاني فقد عصى الله، ومَن يَعصِ الأميرَ فقد عصاني، ومن يُطِعِ الأميرَ فقد أطاعني ) )رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [5] ، وعن أبي بكرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من أهانَ السُّلطانَ أهانَه الله ) )رواه الترمذي [6] .

وهذه النصوصُ ألم يَسمَعها الخوارج؟! ألم يتَّعظوا؟! ألم يعتبروا؟! ألم يراجعوا أنفسهم؟! وإذا لزم المسلم جماعةَ المسلمين ولم يخرج عن الإمام وأطاعَ في غير معصية ونصح لإمامه فقد برئ من مذهبِ الخوارج.

أيّها الناس، إنه لا يجوز التستُّر على هؤلاء المفسِدين المجرمين، بل على من علِم منهم شيئًا أن يرفعَ أمرَهم للسلطان؛ ليأخذوا جزاءهم الذي قرَّرته شريعة الإسلام، فالشريعةُ ضمِنَت حقوقَ الناس كلّهم بالعدل والحقّ، وردعت كلَّ معتدٍ أثيم وكلّ مفسد شرير.

أيّها الناس، احذَروا نِقَم الله والجرأةَ عَلى مَعاصي الله، ولا تتَّبعوا خطواتِ الشيطان، كونوا مع جماعة المسلمين، والزموا الطاعة، واحذَروا الفرقةَ فإنها تهدم الدين وتضيِّع مصالحَ الدنيا، وانظروا في تاريخِ طائفةِ الخوارج؛ ماذا حصَدوا مِن أفعالهم، وكيف كان عاقبةُ أمرهم، فاحذَروا ما أصابهم، فإنَّ الله لهم بالمرصاد. ولو مكَّن الله لأهل البدَع في الأرض لغيَّروا دينَ الإسلام، ومحوا آثاره، ولقادوا الناسَ إلى الظلمات والشهواتِ والشُّبُهات والضلالِ والدمار والمحرَّمات، قالَ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 102-105] .

بَارَكَ الله لي ولَكُم في القرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيّاكم بما فِيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكر الحكيم ونفعنا بهدي سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستَغفر اللهَ العظيم لي ولكم ولسائِرِ المسلمين مِن كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغَفور الرَّحيم.

[1] أخرجه ابن ماجه في المقدمة (238) ، وابن أبي عاصم في السنة (298) ، وأبو يعلى (7526) ، والروياني (1049) ، وأبو نعيم في الحلية (8/329-330) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه بنحوه، وقال أبو نعيم:"غريب من حديث سهل، لم يروه عنه إلا أبو حازم، تفرد به عنه عبد الرحمن فيما أعلم"، وعبد الرحمن بن زيد شديد الضعف. وفي الباب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرجه ابن ماجه (237) وإسناده ضعيف أيضا.

[2] صحيح البخاري: كتاب الديات (6862) .

[3] أخرجه البخاري في الديات، باب: إثم من قتل ذميا بغير جرم (6914) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وليس فيه: (( أو ذميا ) ).

[4] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5058) ، ومسلم في الزكاة (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بنحوه.

[5] صحيح البخاري: كتاب الجهاد (2957) ، صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1835) .

[6] سنن الترمذي: كتاب الفتن (2224) وقال:"هذا حديث حسن غريب"، وأخرجه أيضا الطيالسي (887) ، وأحمد (5/42، 48) ، وابن أبي عاصم في السنة (1017، 1018) ، والبزار (3670) ، والبيهقي في الكبرى (8/163) ، وصححه الألباني في صحيح السنن (1812) .

الحمد للهِ ذِي المجدِ والكَرَم، الَّذي خَلَق الإنسانَ وعَلّمَه القَلَم، أحمدُه سبحانَه عَلَى عَظيم نَعمَائِه، وأَشكره على عَطَائه، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله الأعزّ الأكرَم، وأشهَد أنَّ نبيّنا وسيّدنا محمَّدًا عبده ورسولُه المبعوث رحمة للعالمين، اللَّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولك محمّد، وعلى آلِه وصحبه أجمعين.

أمّا بعد: فاتَّقوا الله حقَّ التَّقوى، وتمَسَّكوا منَ الإسلام بالعروة الوثقى.

أيّها المسلمون، اشكُروا نعَمَ الله الظاهرةَ والباطِنة التي أسبَغَها عليكم، فقد أنعمَ عليكم لتَعبدوه، وأعطاكم لتُسلِموا له الوُجوه، ومنَّ عَلَيكم لتطلبوا مرضاته وتَبتَعِدُوا عَن محرَّماته، قالَ الله تعالى: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل: 81] .

حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا، ولا تحتَقِروا أيَّ نعمَة من نِعَم ربِّكم، فليس في نِعَم الله حقير، وليسَ في آلائِه صَغير، فالنّعَم تحتاج إلى شكرٍ وإلى صَبر. ولا تحقِروا المعاصيَ ولو كانت في أعينكم صغيرةً، فإنّ لها من الله طالبًا.

واعلَمُوا أَنَّ عَلَيكم مِنَ الله حافظًا، لاَ يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم ونِيّاتكم ومَقاصِدكم وإِراداتِكم، يُحصي الله ذلك في كِتابٍ، ويومَ القيامة يقول الله لكلِّ إنسان: ?قْرَأْ كَتَـ?بَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ ?لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 14] ، ويقول الله تعالى في الحديثِ القدسيِّ: (( يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفِّيكم إيّاها، فمَن وجَد خيرًا فليحمَدِ الله، ومن وجَد غيرَ ذلك فلا يَلومنَّ إلا نفسَه ) ) [1] .

واعلَموا أنّه لا ينفَع أحدًا دَخَل النَّارَ نَعيمٌ تمتَّع بهِ في الدُّنيا، ولا يَضُرّ أحدًا من أهلِ الجنّة بؤسٌ وشِدّة أَتَت عليه في هذهِ الحياةِ الدّنيا، كما في صحيحِ مسلمٍ أنّ النبيَّ قَالَ: (( يُؤتَى بأنعَمِ أهلِ الدّنيا وقد غُمس في النار غَمسةً فيُقال له: يا ابنَ آدم، هل رأيتَ نعيمًا قطّ؟ فيقول: وعزّةِ الله، ما رأيتُ نعيمًا قطّ. ويؤتَى بأشدِّ النّاس بؤسًا فيغمَس في الجنّة غمسةً فيُقال له: يا ابنَ آدم، هل رأيتَ بؤسًا قطّ؟ فيقول: وعزّة الله، ما رأيتُ بؤسًا قطّ ) ) [2] .

أيها الناس، احفَظُوا أيديَكم وألسنَتكم عن دماء الناس أموالهم وأعراضهم، فطوبى لمن عبد الله لا يشرك به شيئًا وقدم على ربّه وقد عافاه الله من دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، فذلك هو الفائز المفلِحُ الذي رفَعَه الله في الآخرة دَرَجاتٍ، ففي الحديث عن النبي أنه قال: (( أوّل ما يقضي الله بين الناس يومَ القيامة في الدماءِ ) )رواه البخاري ومسلم.

عبادَ الله، إنَّ الله أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسِهِ، فقال تبارك وتعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، وقد قال: (( من صلّى عليّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).

فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرِين وإمامِ المرسَلين.

اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد...

[1] جزء من حديث أبي ذر رضي الله عنه الطويل في تحريم الظلم، أخرجه مسلم في البر (2577) .

[2] صحيح مسلم: كتاب صفة القيامة (2807) من حديث أنس رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت