سيرة وتاريخ
السيرة النبوية
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
غير محدد
1-دعوة رسول الله لأهله الأقربين. 2- موقف أبي لهب المعادي للدعوة. 3- جهر رسول الله
بدعوته على جبل الصفا. 4- صفات أعداء الدعوة.
أما بعد:
أيها الاخوة المؤمنون: ألمحت في الخطبة الفائتة إلى بدايات الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة ، الدعوة التي ترامت أنباؤها إلى قريش ، رغم ما يحوطها من تكتم ، ولكن قريش لم تعرها في أول الأمر اهتماما ، وما أن بدأ الإسلام يفشو وينتشر انتشار النور والضياء في ربوع العالمين حتى توجست قريش خيفة من ذيوع الدعوة وامتداد أثرها وأخذت ترقب على الأيام مصير هذه الدعوة ومصير محمد.
واستمر هذا التطور للدعوة السرية ثلاث سنين ، ثم أوحى الله إلى رسوله أن ينذر عشيرته الأقربين: وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون. وبدأ عليه السلام يفكر في الوسيلة لدعوة عشيرته فصنع لهم طعاما دعاهم إليه ، وكان فيهم عمه أبو لهب ، وجد فيه حدة وغلظة وسفاهة وتعصب للأصنام ، ولما تأهب النبي لعرض دعوته عليهم بادره أبو لهب قائلا: هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك فتكلم ودع الصبأة..تخرج عن دين قومك. ولا تعرضهم لغضب العرب ،فإن فعلت فنحن أولى بتأديبك فنحبسك لأننا أحق بهذا من غيرنا.
فعلم النبي أن الفرصة لم تحن بعد ، وأن الجو غير ملائم للكلام فسكت ولم يتكلم في ذلك المجلس ، وسكت أياما ثم دعاهم عليه السلام ثانية وأشارت صفية رضي الله عنها بعدم حضور أبي لهب ولكنه حضر وبعد أن انتهوا من طعامهم ، قال بعد أن حمدا الله وأثنى عليه: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله ، ولو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة والى الناس عامة.. وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين على الميزان: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا ، وإنها لَلْجَنة أبدا أو النار أبدا ، يا بني عبد المطلب ، والله ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم ، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، فمن يجيبني على هذا الأمر ، ويؤازرني على القيام به ؟
وهنا تكلم عمه أبو طالب كلام لينا ، واعتذر اعتذارا لطيفا ، أما أبو لهب: فقد ثار ثائره وعاد إليه حمقه وجهله فصاح كالجمل الهائج هذه والله السوأة.. خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم ، فقال أبو طالب: لا والله لنمنعنه ما بقينا..
وازدادت عداوة أبي لهب وشراسته يؤازره في ذلك زوجته أم جميل حمالة الحطب فلما وقف على الصفا ليصدع بأمر الله فأصدع بما تؤمر ، وجعل ينادي: (( يا بني فهر ، يا بني عدي ، حتى اجتمعوا ، فقال النبي: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تغير عليكم ، أفكنتم مصدقي؟ قالوا:ماجربنا عليك من كذب.فقال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب ، ولكن صيحة الصفا لم تهب أدراج الرياح: فبدأ الناس يتحدثون عن الدين الجديد فكانوا كما قال الله تعالى عنهم: فمنهم من هدى الله ومنهم حقت عليه الضلالة.
فأما من كتب الله لهم السعادة فبدأ يتسللون إلى رسول الله يتلقون الدعوة ويؤمنون بصاحبها ويستضيئون بنورها، وأما من حقت عليهم الضلالة ، الذين عميت بصائرهم وماتت قلوبهم فأخذوا يحاربون محمدا ودعوته ، مدفوعين لذلك بدوافع الهوى والشهوة والخوف على مناصبهم وزعاماتهم للقبائل الخاضعة لهم.
ولكن ماذا تصنع خصومة أولئك كلهم ، وهم الذين رأينا صفاتهم وأحوالهم ، إنهم متعصبون تحجرت عقولهم ، تزين لهم سطوتهم البطش بمن يخالف من دعاه الحق: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا.
إنهم مترفون سرتهم ثروتهم ، يحبون الباطل ، لأنه على أرائك وثيرة ، ويكرهون الحق لأنه عاطل عن الحلي والمتاع: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا.
إنهم متعنتون: يحسبون هداية الرحمن عبث صبية ، أو أزياء غانية فهم يقولون: هات هذا ودع ذاك: وإذا تتلى عليهم آياتنا بنيات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله.
أو مهرجون يتواصون بينهم بإفتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما تقرأ الآيات حتى لا يسمعها أحد فتترك في نفسه وعقله أثرا: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون.
وهكذا نفروا جميعا من الإسلام وهربوا منه كهروب المذنب من ساحة القضاء بعد ما انكشفت جريمته وثبتت إدانته ، وهم يعلمون حق العلم صدق الرسول: قد نعلم إنه ليحزئك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
لم ترد.