فهرس الكتاب

الصفحة 4972 من 5777

يوم عرفة والأضحية وحكم تهنئة الكفار

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأزمنة والأمكنة

علي بن صالح المسعود

غير محددة

غير محدد

1-فضل يوم عرفة. 2- فضل يوم النحر. 3- حال السلف يوم عرفة. 4- من أحكام الأضحية. 5- التحذير من التشبه بالكفار.

أيُّها المسلمون، إنَّ يومكم هذا يوم عظيم مشهود جليل، يوم كريم مبارك فضيل، عظيم جليل لأنَّ الله عزَّ وجل عظَّم حرمته، وعظَّم فيه حرمات المسلمين في دمائهم وفي أعراضهم وفي أموالهم، وجعل ثواب العمل الصالح فيه أعظم أجرا، وجعل الذنب فيه أخطر وزرا. إنَّ يومكم هذا يوم كريم مبارك فضيل، فيه أكمل الله الدين، وأتمَّ نعمته على المؤمنين، فقال عزَّ وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا. إنَّ يومكم هذا يوم حافل بالهبات والخيرات، جمُّ المنح والبركات؛ فيه يعتق الله عزَّ وجل من العباد من النار ما لا يعتق فيما سواه، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله قال: (( ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة ) ). وفي عشيَّة هذا اليوم ينزل ربُّنا عزَّ وجل إلى السماء الدنيا حتَّى يدنو من الحجَّاج بعرفة كما يليق بجلاله وعلوِّه، ففي تمام حديث عائشة المذكور قريبا عن النبيِّ: (( إنَّ الله عزَّ وجل يدنو ـ يعني من الحجَّاج ـ ثم يباهي بهم الملائكة ) ). يومنا هذا يومُ عرفة، هو يوم القرِّ، وغدًا يوم عيد النحر، وهو يوم الحجِّ الأكبر، هذان اليومان هما أفضل الأيام وأعظمُها حرمة عند الله عز وجل، فعن عبد الله بن قُرط الثمالي عن النبيِّ قال: (( إنَّ أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثمَّ يوم القر ) )يعني عرفة. رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح.

عباد الله، إنَّ يوم عرفة مع شدَّة حرمته وعظمته فإنَّ اليوم الذي يليه وهو يوم النحر غدًا أفضل وأعظم حرمة عند الله من يوم عرفة، ولذلك سمَّاه الله يوم الحجِّ الأكبر، ففي عرفة يكون الوقوف والتضرُّع والابتهال والاستغفار والدعاء، وغدًا تكون الوفادة والزيارة لبيت الله، فكأنَّ العباد قد تطهَّروا من ذنوبهم في يوم عرفة، فأذن لهم ربُّهم يوم النحر في زيارته والدخول عليه في بيته، ولهذا كان في يوم النحر رمي الجمار وحلق الرؤوس وتقصيرها وتقديم القرابين وطواف الزيارة بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ومعظم أفعال الحج ومناسكه، فلا جرم أن كان يوم النحر يوم الحج الأكبر واليوم الحرام الأعظم.

أيُّها المسلمون، إنَّ يومكم هذا مع عظمته وفضله وبركته وخيره فإنَّ السلف الصالح لم يكونوا في هذا اليوم إلاَّ خائفين وجلين يغلب عليهم الحياءُ من الله وخشيتُه، مع قوَّة يقينهم أنَّه يوم مغفرة وعتاق من النار، فكانوا مع حسن ظنِّهم بربِّهم مؤنِّبين موبِّخين لأنفسهم، قال مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير أحد الصالحين من التابعين وهو واقف بعرفة:"اللهم لا تردَّ أهل الموقف من أجلي"، وقال بكر بن عبد الله المزني وهو واقف بعرفة:"ما أشرفه من موقف لولا أنَّني فيهم"، وقال عبد الله بن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظنُّ أنَّ الله لا يغفر له.

فاحرص ـ وفقك الله لكل خير ـ على الدعاء في هذا اليوم لتشترك مع الواقفين في عرفات بالدعاء، روى مالك وغيره عن النبيِّ قال: (( أفضل الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وأفضلُ ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي عشيَّة عرفة: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير ) ). فأكثروا فيه من الدعاء.

عباد الله، وغدًا تستقبلون أول أيام العيد، ومما يقرب إلى الله في هذا اليوم الحرص على صلاة العيد وحضورها مع المسلمين، فليحرص المسلم والمسلمة على الاغتسال والتطيب للرجال ولبس أحسن الثياب، ومن السنة لمن كان له أضحية أن يذبحها بعد صلاة العيد، من السنة أن لا يطعم شيئا قبل صلاة العيد حتى يذبح أضحيته فيأكل منها بعد الصلاة، فهذا من سنة النبي، فقد كان صلوات ربي وسلامه عليه لا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته، والأضحية مشروعة باتفاق المسلمين، ولا تجوز الأضحية إلا من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، أما الإبل فالواحدة عن سبعة، وكذلك البقر الواحدة عن سبعة، أما الغنم فالشاة عن مضح واحد، ويضحي الرجل بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، يقول أبو أيوب: إن الرجل كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته في عهد النبي. فالشاة الواحدة كافية عن أهل البيت الواحد وإن كثر عددهم، وإن تفاوتت درجة قرابتهم.

أسأل الله لي ولكم الفقه في الدين، والتمسك بالكتاب المبين، والاقتداء بسيد المرسلين، والسير على نهج أسلافنا الصالحين.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها المسلمون، لقد تكاثرت النصوص وتواترت في التحذير من التشبه بالكفار بجميع مللهم وعقائدهم، في كل ما له صلة بالعقائد والعبادات والعادات. ففي باب العقائد جاء النهي عن اتخاذ القبور مساجد والغلوِّ في الصالحين واتخاذ القبور مشاهدَ ومزارات والبناء عليها والتفرق في الدين والعصبيات والتحزبات والشعارات والنياحة على الميت والفخر بالأحساب والطعن في الأنساب وحمية الجاهلية.

عباد الله، ومن تشبَّه بغيره في مظهره وعادته وسلوكه ولغته أو شيء من أشيائه فإنه يولد إحساسًا بالتقارب وشعورًا بالتعاطف، والطيور على أشباهها تقَع. فإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث مثل هذه المحبة والمودة والميول والمشاكلة فكيف بأمور الدين والتربية والأخلاق والإعجاب بأحوال الأعداء ومبادئهم ونظمهم؟! فإن إفضاءها إلى أنواع من الموالاة أكثر وأشدُّ؛ مما قد يقود الواقع فيها إلى الدخول في قضايا الإيمان ومسائل الاعتقاد. ومع الأسف فقد نبتت نابتةٌ في العصور المتأخِّرة وفي أعقاب الزمن ذليلةٌ مستعبَدة، ديدنُها التشبُّه والاستحذاء، ووجدت في بعض أهل الرأي وبعض الضِّعاف من المنتسبين إلى العلم ممن يهونون أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئات والمظهر والخُلق حتى صاروا مسخًا في الأمة، فترى الاستئناس بأحوال الأعداء والرضا عن مسالكهم وازدراءَ المسلمين وتنقصَهم والتندُّر بالجميل من عوائدهم ومحافظتهم واحتشامهم في سلوكهم ولباسهم. ومن انسلخ من عوائد أهل دينه فقد أبرَز شأنَ أعدائه، وقدّم أمرَهم على أمر المسلمين. إن كثيرًا منهم يعيشون تشبُّهًا يقود إلى الذوبان والانحلال والتهتُّك، بل يقود إلى الفسوق والفجور والحرية المتفلِّتة والاختلاط المحرم وقبول التبرج والسفور وإبداء الزينة المحرمة.

أيها المسلمون، ليعلم كل مسلم أنه لا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم ولا حضورها، فمن تشبه بقوم فهو منهم، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت