الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
قضايا المجتمع, مساوئ الأخلاق
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-الكون مسخر للإنسان وهو نعمة من نعم الله. 2- الإسراف في الإنفاق والاستهلاك. 3- من صور الإسراف والتبذير. 4- الترف سبب هلاك الأمم. 5- زهد النبي.
قال الله تعالى بيانًا لما أنعمه على عباده: أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ?للَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـ?هِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان:20] . ومن هذه النعم نعمة المال الذي فاض في أيدي كثير من الناس، ولا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله لعباده، سيحاسبون على تصرفهم فيه، قَالَ النَّبِيّ َ: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ) )، وقال أيضًا: (( إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًًا ) ).
ولذلك فمن أوتي مالًا، فقد حمل مسئولية عظيمة قل من ينجو منها، ولذلك عده نبي الله سليمان عليه السلام بلاء قال تعالى: فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ [النمل:40] .
سوء التصرف في المال على نوعين:النوع الأول: إسراف في الإنفاق، وهو التبذير قال تعالى: وَءاتِ ذَا ?لْقُرْبَى? حَقَّهُ وَ?لْمِسْكِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ?لْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْو?نَ ?لشَّيَـ?طِينِ وَكَانَ ?لشَّيْطَـ?نُ لِرَبّهِ كَفُورًا [الإسراء:26، 27] ، قال ابن مسعود: (التبذير: الإنفاق في غير حق. أما الإنفاق في الحق فلا يعد تبذيرًا) . قال مجاهد: (لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن تبذيرًا. ولو أنفق مُدًا في غير حق كان تبذيرًا) .
النوع الثاني: إسراف في الاستهلاك كالإسراف في الأكل والشرب، قال تعالى: وكُلُواْ وَ?شْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] ، فقد أباح الله الأكل والشرب من الحلال، ونهانا عن الإسراف في ذلك وهو مجاوزة الحد في ذلك لما فيه من الضرر على العقل والدين. لأن الشبع والري المفرطين يضران بالصحة ويكسلان في العمل ويحملان على الأشر والبطر والكبر. فقال النبي: (( مَا مَلأ ابن آدم وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) )قال بعض الأطباء: لو استعمل الناس هذا الحديث لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت دكاكين الصيادلة، وإنما قيل هذا لأن أصل كل داء التخم. وكما أن الشبع يضر البدن، فكذلك هو يقسي القلب ويورث الهوى والغضب.
ومن الإسراف المذموم: التباهي في الملابس الفاخرة والسيارات الفخمة والبيوت المزخرفة والمبالغة في إقامة الحفلات والولائم بالتكاليف الباهظة، وكل ذلك من الإسراف والتبذير والتخوض في مال الله بغير حق وسوف يسألون، مع ما فيه من الضرر العاجل في الدنيا، فإن الإغراق في الملذات والإكثار من تناول المشتهيات والتوسع في مطالب الحياة وكثر الراحة، واستعمال الرقيق من الثياب الفرش والمراكب مما تزخر به حياة الناس اليوم، إن ذلك كله من الترف المذموم، فقد ذم الله المترفين وبين مفاسد الترف في كتابه المبين، فأخبر أن المترفين هم أعداء الرسل، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـ?فِرُونَ [سبأ:34] ، وأخبر أن الترف هو سبب هلاك الأمم قال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ?لْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] ، وأخبر سبحانه أن المترفين يعملون على نشر الفساد في الأرض ويقاومون الصلاح، قال تعالى: َلَوْلاَ كَانَ مِنَ ?لْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ?لْفَسَادِ فِى ?لأرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَ?تَّبَعَ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود:116] .
قال ابن كثير رحمه الله: قوله تعالى: وَ?تَّبَعَ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيه ، أي استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب، وأخبر الله أن الترف من الأسباب التي توجب دخول النار قال تعالى: وَأَصْحَـ?بُ ?لشّمَالِ مَا أَصْحَـ?بُ ?لشّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [المعارج:41-45] ، قال ابن كثير: أي كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم، وبالجملة فما ورد ذكر الترف في القرآن الكريم إلا وهو يحمل الذم والتحذير منه، وما ذلك إلا لما يشتمل عليه الترف من مفاسد، منها أنه يقضي على الرجولة والشهامة التي هي من مقومات الجهاد ومواجهة الصعوبات ويحل محلها النعومة والكسل والاسترخاء والميل إلى الراحة والبطالة، وبهذا تفقد الأمة قوتها ويتغلب عليها أعداؤها وتسقط هيبتها ومن ثم قيل (الترف زمانة الأمم) أي مرض الأمم المزمن.
ومن مفاسد الترف أنه يهدم الصحة ويضعف الجسم ويعرضه للإصابة بالأمراض الخطيرة والفتاكة، فإن المزيد من الرفاهية وقلة الحركة واستخدام السيارات واستخدام المصاعد في البيوت والمكاتب والجلوس على الكراسي اللينة، كل ذلك يقضي على قوة البدن ويحوله إلى بدن منعم لين لا يتحمل أدنى مشقة ويعرضه للإصابة بمختلف الأمراض القاتلة.
ويقول الله جلت قدرته: ?عْلَمُواْ أَنَّمَا ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ?لأَمْو?لِ وَ?لأَوْلْـ?دِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ?لْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى ?لآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ ?للَّهِ وَرِضْو?نٌ وَمَا ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [الحديد:20] ، ثم يقول سبحانه: إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] هذه حقيقة الدنيا وهذه حقيقة الآخرة، ?عْلَمُواْ أَنَّمَا ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا لَعِبٌ نصبح لاعبين إذا أصبحنا بلا دين. ونمسي لاعبين إذا أمسينا بلا دين. ونعيش لاعبين إذا عشنا بلا دين. ونموت لاعبين إذا متنا بلا دين.
لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ أي: طلاء وبريق ولمعان، ولكن الحقيقة هي الآخرة والبقاء للآخرة مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ?للَّهِ بَاقٍ [النحل:96] . كيف يجوع الرسول في الدنيا، ويموت كسرى وقيصر حَبَطًا وتخمة من الأطعمة والأشربة. كيف يعيش في بيت من طين، ويعيش كسرى وقيصر في قصور الذهب والفضة والزبرجد. كيف يكتسي فلا يجد إلا قطعة من القماش يداولها زمنًا، ويتحلى كسرى وقيصر بالإبريسم والحرير؟ يدخل عمر وأرضاه على الرسول في مشربه ـ غرفة ـ والرسول نائم وقد اعتزل نساءه. فرأى الرسول مضجعًا على حصير، وقد أثر الحصير والخصف وهذا اللحاف في جنبه. فنظر عمر إلى البيت فرأى شيئًا من الشعير معلق في السقف. فدمعت عين عمر. قال يا رسول الله كسرى وقيصر وهم أعداء الله فيما هم فيه، وأنت رسول الله وحبيب الله وأنت في هذه الحالة. فيقول: (( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ) ). أما ترضى أن يأكلوا ويسكنوا القصور ويتولوا ما أرادوا، ويتفكهوا بما أردوا، ويتمتعوا بما أرادوا، ولكن الآخرة بجناتها وأنهارها وقصورها للمتقين وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ?لنَّاسُ أُمَّةً و?حِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِ?لرَّحْمَـ?نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْو?بًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـ?عُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] .
لم ترد.