فهرس الكتاب

الصفحة 3209 من 5777

الأمة بين النكوص والنهوض(3)

الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ

الفتن, تراجم

علي بن عمر بادحدح

جدة

سعيد بن جبير

1-حال المسلمين بعد وفاة رسول الله. 2- موقف أبي بكر رضي الله عنه من جيش أسامة. 3- ثبات أبي بكر على موقفه من حرب المرتدين وأثر ذلك. 4- إن ثبت القائد على الحق ثبتت الأمة من خلفه. 5- ثبات الإمام أحمد في محنة خلق القرآن. 6- أثر موقف الإمام على عامة الأمة.

نتحدث اليوم عما يجلي لنا أحوال النهضة والنكسة، أو النهوض والنكوص في حياة الأمة، ووقفتنا اليوم مع مواقف القوة في أزمان المحنة، لنرى كيف تكون آثار قوة الإيمان واليقين، وقوة الهمة والعزيمة، وقوة العدة والعتاد، بما يكون لها من أثر في دحر الأعداء، وقوة الأمة في صد الهجمات، والمواقف في تاريخ أمتنا كثيرة. إن المبادئ والتزامها وتطبيقها، والقيادات المؤثرة في المجتمعات، ومواقفها، والأفراد وعموم الأمة، بما يحملون من المهمات، وما يؤدون من الواجبات، تلك هي أسباب النهوض والقوة.

فللنظر إلى بعض هذه المواقف، بعد أن رأيناها واضحة جلية في موقف عظيم في سير المصطفى ، لكننا نقول إن الأسس والقواعد ذاتها، تفعل فعلها في الأمة عبر تاريخها، ليست مقصورة على رسول الله ، ولا محصورة في زمنه، وها نحن اليوم نأخذ موقفين عظيمين في أزمتين كبيرتين، في زمانين مختلفين، وفي ظروف وأحوال فيها تباين واختلاف.

أولًا: موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه، بعد انتقال المصطفى إلى الرفيق الأعلى، وكان قد عقد لواء لأسامة بن زيد، على رأس جيش ليخرج إلى الروم ويقاتلهم، وإذ ذاك مع هول الصدمة التي حلت بالصحابة رضوان الله عليهم، لفقد نبيهم عليه الصلاة والسلام، وما خالط نفوسهم من الحزن، وما تغلغل في قلوبهم من الأسى على فقد المصطفى.

وجاءت الأخبار، وصور من الردة مختلفة، وفئة خرجت عن الإسلام، وتركته بالكلية وارتدت عنه.

وفئة امتنعت عن أداء الزكاة إلى أبي بكر رضي الله عنه.

وفئة قالت: لا يكون لأبي بكر وللمدينة سلطان علينا، بل نأخذ بالإسلام وحدنا على رأينا وبسلطاننا وحكمنا.

وفئة رابعة تنبأ فيها من تنبأ، أي ادعى النبوة بعض من لم يكن من أهل الإسلام، وفتن بعض الناس.

وكان خطبًا عظيمًا وكانت أحداث جليلة، وكانت ظروف عصيبة في وقت حرج، وفي لحظات حاسمة، وفي مشاعر محزنة ومؤلمة، فأي شيء صنع أبو بكر رضي الله عنه؟ وأي موقف وقف والأمة تحيط بها الأخطار، وتحدق بها مجموعات من قبائل هنا وهناك، ومن أعراب يحيطون بالمدينة، ومن ظروف في معاداة النصارى والروم.

انظروا إلى هذا الوصف الذي رواه عروة بن الزبير رضي الله عنه، مصورًا صعوبة الموقف وشدته يقول: (وقد ارتدت العرب إما عامةً وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأب اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية ـ أي: في وصف حال ضعفهم، وشدة الظروف المربكة من حولهم ـ والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم، وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال الناس لأبي بكر: إن هؤلاء ـ أي: جيش أسامة الذين كانوا قد تهيؤ للخروج ـ إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب كما ترى قد انتقضت عليك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين) .

كيف يخرج هؤلاء إلى الروم خارج حدود الجزيرة العربية، والظروف المحيطة كلها تتربص بالمسلمين الكيد والعداء، لا تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر قولته العظيمة، قولة مؤمن بربه، واثق بوعده، ملتجئ إليه، متوكل عليه، عالم بما جاء من سنته الماضية، بآياته المتلوة وأحكامه الماضية إلى قيام الساعة، قال أبو بكر: (والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تتخطفني، لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته) .

موقف قوة مستند إلى يقين ومبدأ، ليس موقف حماسة طائشة، ولا اندفاع متهور، ولا قيادة رعناء، ولا استبداد لا مشارة فيه، لكنه رد لأمة على مبادئها، واعتصام بنهج نبيها: (كيف أحل لواء عقده نبي الله ؟! كيف أمنع جيشًا أمضاه رسول الله ؟! لا خير في الأمة إن لم ترتبط بكتابها ولم تلتزم نهج نبيها) .

كأن أبو بكر يعيد إلى العقول والقلوب هذه الحقائق، يردها إلى المبادئ، يسوقها إلى حياض الإيمان، يرجعها إلى منابع اليقين، يوثق حبالها بأسباب النصر الحقيقي، والعزة الصادقة في الإيمان والإسلام والصلة بالله سبحانه وتعالى.

وهذه رواية ابن كثير في البداية والنهاية، يقول فيها في شأن هذه القولة لأبي بكر في لفظ آخر: (والله الذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ما رددت جيشًا جهزه رسول الله ، ولا حللت لواء عقده رسول الله ) .

لهذا عادت العقول إلى رشدها، وفاءت القلوب إلى يقينها، وعادت الصفوف إلى ترابطها ووحدتها، تلك هي المواقف الحازمة العازمة الجازمة المرتبطة بالله سبحانه وتعالى ونهجه.

وقد ذكر أهل التأريخ أن أبا بكر لما خطب، استشهد بالآيات القرآنية، كما فعل يوم طاشت العقول من هول فقد رسول الله فقال: (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) .

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] .

قال عمر: (فكأني ما سمعت الآية إلا يوم تلاها أبو بكر) . تلك هي المذكرات التي تردع الأمة إلى مبادئها وكتابها وسن نبيها.

وشأن الردة كان أخطر، لكن كيف كان أثر هذا القول والرأي وتنفيذه في واقع الأمر؟ هل كان خطة رعناء؟ أو تصرفًا طائشًا؟ هل ارتدت آثاره وخيمة على الإسلام وأهله؟

للنظر ما يقوله التاريخ في هذا: فتوجه جيش أسامة، فجعل لا يمر بقبيل ـ أي من أطراف هذه القبائل، ممن ارتد أو كان متحيرًا ـ فجعل لا يمر بقبيل ممن يريد الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، ننتظر مثل هؤلاء يخرجون جيشًا في هذه الظروف العصيبة، يدل على أنهم أصحاب قوة ومتانة وأصالة، ليس عندهم اضطراب ولا خوف ولا خنوع ولا ذل ولا مصانعة، فلذلك قالوا: ننتظر حتى ينجلي أمرهم مع الروم، وكان لجيش أسامة صولته وجولته، وعزته وقوته، ونصره وظهوره، فكان لذلك أثره حتى فيمن كانوا مترددين ومشككين، وكانت صنعة أبي بكر وقراره رضي الله عنه، أحكم وأحزم وأنفع وأمنع للمسلمين.

وكان من الردة أيضًا أن أشفق كبار الصحابة على أحوال الأمة، وكانوا يخشون من اتساع الشقة وعظمة الفرقة، وذهاب الكلمة، وتسلط القوة، فكانت مواقفهم وآراءهم المقدمة إلى أبي بكر تريد منه أن يتأنى في الأمر، وأن يتألف القوم، وأن يأخذهم بالسياسة الحكيمة والمهادنة والمهاودة، فكان مما قاله أبو بكر رضي الله عنه، في خطبة جامعة من تلك المقالات العظيمة والمواقف الجليلة له.

ذكر ما كان من شأن العرب قبل بعثة محمد ، وذكرهم بما أكرمهم به من نعمة الإيمان والإسلام، وما فضلهم به من جعلهم أئمة الإسلام الوسط، وما أفاء عليهم من النصر والعز برسول الله ، ثم أخبرهم بالواقع فقال: (إن من حولكم من الأعراب قد منعوا شاتهم وبعيرهم ـ أي الزكاة ـ ولم يكونوا في دينهم، وإن رجعوا إليه، أزهد منهم في يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم في يومكم هذا) لم هذه النبرة المترددة؟ لم هذه المواقف المتخوفة؟ وأنتم ما زالت أسباب قوتكم موجودة، قوة إيمانكم ويقينكم وارتباطكم بدينكم، يعيد إليهم قوة الارتباط بالمبادئ، ويذكرهم بأسباب النصر والعز على ضوء هذه المبادئ، فيقول لهم وهم يظنون ـ أو يرى بعضهم ـ أنها صورة ضعف: (ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم في يومكم هذا، على متقدم من بركة نبيكم، وقد وكلكم ـ أي رسول الله ـ إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالًا فهداه وعائلًا فأغناه، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) .

ثم قال موقفه الشهير: (والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله، حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من يقتل شهيدًا من أهل الجنة) .

فتأملوا هذه الكلمات: (أنتم أقوى بدينكم، على ما تقدم من بركة نبيكم ـ ولا تنسوا التجاءكم إلى مولاكم ـ فإنه قد ترككم إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالًا فهداه وعائلًا فأغناه، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) .

بهذا الإيمان والإسلام والأخوة والاتلاف عليهما، ثم قال قولته تلك، فثبَّت القلوب وأرشد العقول رضي الله عنه.

ومما قاله عمر له في أثناء المشاورات في هذه الأحداث: يا خليفة رسول الله، تألف الناس وارفق بهم، من يقول هذا؟ الفاروق عمر الشديد، الأشد القوي، الذي لا تأخذه في دين الله لومة لائم الذي قال عنه: (( إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط، إلا سلك فجًّا غير فجك ) )متفق عليه.

ارفق بالناس وتألفهم يا أبا بكر، وأبو بكر اللين الهيِّن، الخشوع البكَّاء، الذي كان مضرب المثل في سماحته ولينه، فماذا قال أبو بكر اللين لعمر الشديد رضي الله عنه، أجمعين: (أجبار في الجاهلية، خوار في الإسلام يا عمر، قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي) ؟!

(أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر) أين شدتك وبطشك، وقوتك وثباتك؟ ثم يناديه من بعد فيقول له: (قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟) .

استشعار للمسؤولية الكبرى: (لو كنت وحدي، لو لم يكن في القرى غيري) ، هذه المواقف هي التي ـ بعد أمر الله عز وجل ـ كان لها أثرها.

حتى نتذكر هذا الوصف الذي قاله عروة بن الزبير رضي الله عنه: (والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية) وكلنا يعرف كيف يكون حال الغنم اضطرابًا وتجنبًا، وابتعادًا، وحالًا وصفها بهذه الكلمات الموجزة.

ولذلك كان من أبي بكر ما كان من قولته: (والله لو منعوني عقالًا ـ أي: حبلًا مما تربط به الإبل ـ كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) .

إنها ليست ثروات ولا جبايات، ولكنه المبدأ وإقامة الدين، والتزام الأحكام، وبسط سلطان الإسلام، وإظهار عزة الإيمان، أرسلها أبو بكر دروسًا عظيمة في مواقف كان يبذل فيها من روحه ودمه، ويخاطر بنفسه، كما كان يسجي هذه الكلمات ويخطب في الأمة ويتلو عليهم: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [النور:55] .

ويذكرهم بسنن الله وآياته العظيمة وسيرة المصطفى ، وأي شيء صنع؟ لقد جَيَّش الأمة كلها، وحركها، جعل النساء والأطفال في شُعُفِ الجبال وفي أماكن بعيدة، وجعل لهم حرسًا، وجعل على أنقاب المدينة دوريات للجميع، كلُ يشارك للحراسة والمتابعة والانتباه من أي غزو عارض من أولئك الأعراب، وجعل المسجد مكانًا للمرابطة الطارئة، فكان المسلمون فيه لا يخرجون منه، حتى إذا وُجِد أمر، أو جَدّ جدٌّ دُعُوا فخرجوا جميعًا.

حتى إن بعض الأعراب سولت لهم أنفسهم أن يغزو المدينة، فجاؤوا فإذا بالحرس من المسلمين على الأنقاب يواجهونهم، وإذا بالجيش يخرج من ورائهم، وإذا بهم يفرون حتى تتابعوا، ثم فعلوا حيلة أربكوا بها الجيش، ثم بعد ذلك أراد أبو بكر رضي الله عنه، أن يخرج بنفسه كذلك، ليسهم وليكون قدوة للأمة فقال له بعض الصحابة: (ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن لا تعرض نفسك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، وكان تعاملك أشد على العدو في بقائك، فابعث رجلًا فإن أصيب أمرت آخر غيره، فقال رضي الله عنه: والله لا أفعل، والله لأواسينكم بنفسي) فخرج معهم في بعض تلك الأحداث، وجهز أحد عشر جيشًا لكل المرتدين، ولكل المتنبئين، فأي شيء كان؟

في بضعة أشهر دون العام انتهى أمر الردة، وفاء الناس إلى الإسلام، وانتظمت الأحوال، وعم الأمن، وقوي الارتباط، وعظمت العزائم، وارتفعت الهمم، وخرجت جيوش الإسلام موحدة من الجزيرة العربية، في آخر خلافة أبي بكر إلى الروم وفارس معًا، وابتدأت المعارك في القادسية واليرموك، في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فما قضى نحبه ولا ذهب للقاء ربه جل وعلا، إلا بعد أن وطد الأمر وهيأ الأسباب، ووحد الأمة، وأعاد الصفوف، وذلك بموقف القوة، إيمانًا ويقينًا بالمبادئ، والتزامًا وتطبيقًا للأوامر، وإظهارًا لمواقف القادة، وتشغيلًا وتحريكًا لطاقات الأمة، بعد إحياء إيمانها وتذكيرها بمنهجها ومبادئها.

فانظر كيف خرجت الأمة من محنة عصيبة، في وقت وظرف حرج بفضل الله عز وجل أولًا، ثم بهذه المبادئ التي أشرنا إليها.

وموقف آخر، ربط المؤرخون بينه وبين موقف أبي بكر رضي الله عنه، في صور متشابهة، لأنه كان موقف ثبات في وقت حيرة واضطراب، وموقف قوة في صور ضعف وتراجع، وكانت له آثاره في الأمة عظيمة، قريبة أو شبيهة لما كان في عهد أبي بكر، وميزة هذا الموقف أنه بعيد في زمانه وتاريخه عن عهد الصحابة رضوان الله عليهم.

وأنه لم يكن لحاكم بيده الأمر والسلطة، بل كان لإمام عالم، كما شاع في بعض كتب التاريخ: أبو بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.

وهذه محنة في العلم والإيمان واليقين، سرت وشاعت عند بعض المتكلمين والعقلانيين في قضية خلق القرآن، وليس هذا مقام الحديث عنها، لكنها زيغ في الإيمان، وانحراف في الاعتقاد، وضلال عن صائب الحق، وعن صواب العلم، فكان ما كان، مما جعل الخليفة إذ ذاك المأمون يقتنع بهذا ثم يريد أن يعممه، ثم يريد أن يمتحن الناس والعلماء عليه، أن يجيبوا ويوافقوا، وأن ينشر في الأمة هذا ويقر به، فكانت مواقف كثير من الأئمة من أبرزها مواقف أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي الله عنه.

موقف عظيم لإمام جليل، في مسألة دقيقة، في ظروف حرجة، وفي مواجهة ليست يسيرة أبدًا، الإمام أحمد رحمه الله قرر المنهج الصحيح، وثبت على الاعتقاد الحق، ورأى أن في هذا فتنة للأمة، وإضعافًا ليقينها، وانحرافًا عن نهج كتابها وسنة نبيها ، وكان الإمام أحمد مشهورًا بأنه لين وهين، وأنه رجل عبادة وزهد وورع، فأنى له هذه المواقف القوية، في كتاب أحمد لابن الجوزية رحمه الله:"أنه لما رأى الناس يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وكان ذلك مخالفًا، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه".

وقيل له في أيام المحنة: يا أبا عبد الله، كيف ظهر الباطل على الحق؟ ألا ترى الحق كيف ظهر الباطل عليه، انتكست الأوضاع، وارتكست الأمور، واختلت الموازيين، فماذا قال الإمام أحمد؟ وهذه مقالة تردنا إلى قضية المبادئ وتطبيقها والتزامها قال: كلا، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب إليه من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق، ارتباطنا بمبادئنا، يقيننا بما جاء في كتاب ربنا، اعتصامنا بما كان عليه هدي نبينا ، ما دام في قلوبنا، تلك مظاهر تتغير، تلك صور تفرض على الواقع بالقوة، لكنها لا تنال القلوب، لا تدخل إلى النفوس، لا تغير المبادئ، إن كان الأمر كذلك فلا ظهور لهذا الباطل، لأن الباطل حينئذ صورة ظاهرة، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17] .

ليس هناك ظهور للباطل، إلا إذا تغيرت القلوب، انسلاخًا من مبادئها، وضعفًا في استمساكها بها، ولجوءًا إلى غيرها، أو التماسًا للعز والنصر في سواها، كما قال الفاروق: (نحن قومًا أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) .

ولذلك قال ابن حنبل كلمات منهجية، واثبتوا على الحق في قلوبكم ونفوسكم، واجعلوه هو يقينكم الذي به تعرفون الحقائق، وتميزون المواقف، وتدركون الواجب الذي عليكم، في الوقت الذي تواجهون فيه أي محنة أو فتنة.

وكان هذا الموقف منه موقفًا منهجيًا، ثم ماذا؟ جاءه بعض من يعينه ويثبته، وجاءه بعض من يلينه ويثبطه، فكانت مواقف ها هنا وهناك، لنرى كيف تقع الأحوال، حتى نرى ما الذي يرجح؟ وما الذي يكون فيه الخير بإذن الله؟

جاءه بعض من يقول له كذا وكذا، إنك رجل كبير في السن، فلو قلت قولًا لا تثلم به دينك، وتسلم به نفسك، قل قولًا متوسط معتدلًا، قابلًا لأن يكون ذا معاني محتملة، حتى تسلم، قال لقائله: إن كان هذا عقلك فاسترح. إن كنت تفكر بهذه العقلية في حماية الأشخاص والذوات، ورعاية السلامة والصيانة، والمحافظة على الأحوال والأوضاع، فهذا خلاف المنهج الحق، وخلاف ما ينبغي أن يكون من القادة المتقدمين المتصبرين في الأمة من علمائها وقادتها.

وجاءه من يقولون له بعضًا من الآيات والأحاديث في هذه المعاني، فقال: وكيف تصنعون بحديث خباب بن الأرت، يوم جاء إلى النبي وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وكان خباب ممن يعذبون، وقد جلد ظهره حتى احمر، واختلط جلده بلحمه رضي الله عنه، جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا قد بلغ الأمر مبلغًا، قد جاءت الفتنة والمحنة إلى مدى عظيم، فقال عليه الصلاة والسلام: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليَتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) )متفق عليه.

تلك هي الكلمات الإيمانية المنهجية التي قالها سيد الخلق ، في ظروف اضطهاد، وفي ظروف ابتلاء عظيمة، مرت بأصحابه، سكب في قلوبهم إيمانًا ويقينًا، أفرغ في نفوسهم ثباتًا وصبرًا، جعلهم يعلقون الأسباب بالله عز وجل، ويدركون مع ذلك سنته ويحتملون البلاء في سبيله وكان ما كان.

فابن حنبل رحمه الله كانت له تلك الآثار التي تثبته، فكان موقفه الثبات على الحق والصدع به، حتى حُمل وقُيِّد، وسجن وجلد رحمه الله ورضي الله عنه، في هذه الفتنة.

وكان ممن جاءه مثبتًا أبو جعفر الأنباري، فعبر الفرات وجاء إلى أحمد وهو يحمل فقال له: تعنيت يا أبا جعفر، يعني أتعبت نفسك، قال: ما ثم عناء، ثم قال: يا أحمد، إنك اليوم رأس الناس يقتدون بك، والله إن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن من إجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن كثير من الناس، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولا بد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء، فبكى ابن حنبل رحمه الله، وهو يقول:"ما شاء الله، ما شاء الله، أعد علي، أعد علي"، قال: فأعدت عليه ثلاثًا، فكان ذلك من تثبيت الله عز وجل له، فثبت، قال له رجل من الأعراب إن قتلك الحق مت شهيدًا وإن عشت عشت حميدًا، ثم انتهى الأمر إلى ماذا؟.

انتهى الأمر إلى موت المأمون، ومن بعده المتوكل، ومن بعده من جاء، حتى عاد الناس ـ من بعد أمر الله عز وجل، ثم بثبات ابن حنبل وغيره من العلماء ـ إلى الحق، وصار ابن حنبل محكمًا فيمن يولى من القضاة أن يكون من أهل السنة فيمضيه، أو لا فيعفيه، وعاد الأمر إلى سنة الله لمن ثبت على الحق.

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] .

وارجعوا إلى دينكم، واعتصموا بكتاب ربكم، واتبعوا سنة نبيكم، وتوحدوا على إسلامكم وإيمانكم، واعتصموا من بعد بأخذ الأسباب، يكن لكم نصر أكيد، وعز مديد. نسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه ردًا جميلًا.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت