الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
غير محدد
1-تدرج القرآن في تحريم الخمر 2- أضرار الخمر المختلفة 3- دعوى فتح الخمر للشهيّة
4-دعوى أنها دواء من بعض الداء
أما بعد:
عندما تستقر العقيدة والإيمان في النفس يكون نداء الإيمان حبيبا إليها، يهز مشاعرها ويحملها على الطاعة والانقياد، والتخلص مما ينافي العقيدة، وأنت ترى مصداق ذلك في تحريم الخمر التي كانت مسيطرة على العرب قبل بعثة محمد حتى استبدت به وتأصلت في نفوسهم فانحدرت بهم إلى مهاوي الرذائل والموبقات.
ولذلك شاءت إرادة الله تعالى أن يتدرج الحكم في التحريم فبدأ بإشارة بارعة إلى ذلك في قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن يتدبر في الأية يجد إشارة دقيقة لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزل قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها أثم كبي ومنافع للناس وأثمها أكبر من نفعها.. والمنافع يأتي بالتجارة والربح والمادي، ثم نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وهنا يتخفف الشارب من شربها ليقف بين يدي الله بكامل وعيه وعقله، وكأن في ذلك تحريما جزيئا، ولما تهيأت النفوس والأذهان للتحريم القاطع نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون فقالوا: انتهينا يا رب انتهينا يا رب تحريمها في السنة هي أم الخبائث (حديث عثمان) .
أضرارها: العقلية والمالية والجسمية والأسرية، ثم دار الزمن دورته، وتعمق الصراع بين الإنسان المؤمن وبين الشيطان، وحانت الفرصة لهذا العدد الأبدي أن يزين للإنسان الشر وإن يخدعه عن الخير، وأن يلبس ثوب النصيحة المزين، ويقدم له الخمر بأسماء كثيرة خادعة، تتغير الأسماء ولكن الحقائق لا تتغير، يقدم له مشروبات حرام هي الخمر والكحول والريسكي يسميها بغير اسمها.. (( يكون قوم من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف يسمونها بغير اسمها.. ) ).
ويسير الشيطان مع الإنسان خطوة أخرى، فيقدم له الحرام باسم الطب والعلاج وبإسم النافع الصحية المزعومة الكاذبة قائلا:
الخمر تفتح الشهية للطعام، فلا عليك من هذا الكأس لأنك فاقد الشهية، الخمر تدفئ الجسم، وأنت في منطقة يلفها البرد القارس والزمهرير الشديد، فماذا عليك لو أدفأت نفسك بهذا الشراب وإذا لم تجد الخمر فإن هناك ما يقوم مقامها، والكأس الواحدة يتلوها ثانية وثالثة ورابعة، وعندما يسير الإنسان خطوة واحدة تكون لديه الاستعداد ليسير إلى نهاية الطريق، ولهذا بينها الله سبحانه وحذرنا من سياسة الخطوة التي جاء بها إبليس: ولا تتبعوا خطوات الشيطان.
أما عن فتح الشهية: فإن الكحول تهيج الأغشية المخاطية في جسم الإنسان ويكون هذا في أول الأمر في حد ذاته فاتحا للشهية، ولكن سرعان ما ينعكس الأمر، فيتكرر التهيج ويؤدي إلى الالتهاب وإلى قلة إفراز الحامض المعدي وبالتالي سوء الهضم وقلة الشهية.
ولكن هل تدفئ الخمر الجسم وتعطيه شيئا من الحرارة، وهل هذا داء أم دواء؟
جاء الطب الحديث ليتحرر أن الدفء الذي يشعر به شارب الحرام ليس إلا من قبيل الوهم فالخمر توسع الأوعية الدموية وخاصة تلك التي تحت الجلد فيشعر المرء بالدفء ويفقد حرارة جسمه في الجو البارد، وقد يؤدي ذلك إلى وفاته بإذن الله وهو ينعم بالدفء الكاذب.
وهذا كله ما أشار إليه الأثر لكلمة موجزة قصيرة (إن الله لما حرم الخمر سلبها النافع) .
وإذا سلها الله النافع فلا يمكن مجال أن تكون دواء أو علاجا لمرض كما يزعم بعض الناس في القديم والحديث: ففي الحديث الصحيح أن النبي: (( نهى عن الدواء الخبيث ) )وقال لطارق الجعفي عندما سأله عن الخمر فنهاه، فقال طارق إنما اصفهاء للدواء فقال: (( إنه ليس بدواء ولكنه داء ) )وفي سنن أبي داود قال: (( إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام ) ). وعن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلنا يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعصرها فنشرب منها؟ قال: (( لا، فراجعته، قلت: إنا نستشفي بها للمريض، قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء ) ).
وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة فأب عليهم ذلك وقال: اجتنبوه، فقالوا: إن الناس غير تاركيه فإن لم يتركه فقاتلوهم.
وقد بطل علميا اليوم استعمال الخمرة الصرفة كدواء، ولكن الابتلاء الأكبر أن تستعمل الكحول كمذيب لبعض الأدوية وتمتزج فيها.
وإذا نظرنا إلى الأدوية الموجودة التي بها شيء من الكحول نجدها على نوعين:
النوع الأولى: مواد تستعمل كأدوية ولا بد لإذابتها من الكحول لأن الماء لا يؤثر فيها وهذا لا يجوز إلا بشروط ثلاثة:
أن لا يكون هناك دواء أخر خال من الكحول ينفع في تلك الحالة.
أن يصف الدواء طبيب مسلم عدل ثقة.
أن يكون المقدار المستعمل في الدواء ذاك قليلا لا يسكر.
النوع الثاني: مواد يضاف إليها شيء من الكحول لا لضرورة وإنما لإعطاء الشرب طعما خاصا ومذاقا اعتاده الناس، وهذا لا شك في حرمته، كذاك الذي اعتاده الأوربيون من أشربة، حتى أن الحرام ليدخل في غالبيتها شرابا أو طعاما، وكأنهم بذلك يتحدون أمر الله عز وجل.
فالتداوي بالخمر وسائر المسكرات حرام، وكذلك الانتفاع بها بأي وجه من وجوه الانتفاع حرام، وإن الله سبحانه إذا حرم شيئا حرم ثمنه.
أقول وقولي هذا وأستغفر الله...
لم ترد.