قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
موقف المسلمين من سنته صلى الله عليه وسلم - أسعد الناس المتمسكون بسنته صلى الله عليه
وسلم , وعلى رأسهم أئمة السنة وفقهاؤها - لزوم اتباع أئمة السنة والحذر من أئمة البدع -
أهل البدعة على خمس درجات - الموقف الصحيح من أهل البدع وطريقة التعامل معهم
فإن المسلمين بالنسبة إلى سنة الحبيب المصطفى فريقان فريق انتصر لسنته وتمسك بها وعض عليها بالنواجذ وطبقها في حياته قدر وسعه طاقته، وأحبها ودعا الناس إليها ونشرها بينهم وبذل أمواله ونفسه ونفيسه في سبيلها هؤلاء ما أسعدهم وأسعد الناس بهم، هؤلاء أحباب سيدنا رسول الله ورفقاؤه على الحوض ورفقاؤه في جنة عرضها السماوات والأرض.
على رأس هؤلاء أئمة السنة وفقهاء السنة في كل زمان ومكان أولئك الذين أفنوا أعمارهم في قال الله قال رسوله، يتعلمون ذلك ويعلمونه للناس هؤلاء هم الروح للجسد والنور في الظلمات، ما أعظم بصماتهم وما أكثر هم أعظم الأمة بعد الصدر الأول بركة على الأمة، وهم أولاها بالكرامة، هؤلاء هم أولياء الله وخلفاء رسوله.
روى الخطيب البغدادي بسنده عن عبد الواحد بن عالمة مولى أنس وكان من أصحاب الإمام البخاري محمد بن إسماعيل قال عبد الواحد: رأيت النبي في النوم وحوله بعض أصحابه وهو واقف في موجة فسلمتُ عليه فرد علىّ السلام فقلتُ: ما يوقفك يا رسول الله هنا؟ فقال: (( انتظر محمد بن إسماعيل ) ).
ثم بلغني بعد ذلك موت محمد بن إسماعيل البخاري أحد سادة المسلمين وأئمة السنة صاحب كتاب الجامع الصحيح الذي عده العلماء أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل ذلك أنه رحمه الله جمع فيه بضعة آلاف من حديث رسول الله هي أصح السنة سندًا انتقاها من مائة ألف حديث من حديث رسول الله وكان رحمه الله يقول: ما كتبت في كتابي هذا حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين فرحم الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمة واسعة ورضي الله عن سائر أئمة السنة وفقهاء السنة.
قال رسول الله: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا ) ) [1] .
فعليك أيها المسلم بدعاة الهدى وأئمة السنة اتبع آثارهم والزم جانبهم، يقودونك إلى واسطة الحبيب في جنة عرضها السماوات والأرض وإياك أن تكون مع الفريق الثاني الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. أولئك الذين أعرضوا عن سنة المصطفى واشتغلوا بدلًا منها بالبدع والخرافات، التي حجبت أبصارهم وبصائرهم عن قال الله قال رسوله.
احذر أيها المسلم أن تكون مع هؤلاء الذين أعرضوا عن سنة المصطفى، وهؤلاء على درجات، فمن كان معهم على درجات فأولًا: من ارتكب البدعة واشتغل بها ولكن بحسن نية يريد الزيادة في العبادة والمبالغة في العبادة لكنه عرض نفسه لخطر عظيم بالزيادة على السنة عرض نفسه لبراءة رسول الله منه، فإن رسول الله غضب من بعض أصحابه الذين أرادوا الزيادة في العبادة على ما كان يصنعه رغبة منهم في الإكثار من الخير والمبالغة في العبادة فقال أحدهم بعد أن اطلع على عمل رسول الله بعد أن اطلع على عبادة رسول الله فإنهم تقالوها قالوا إن رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام وقال الثاني: وأنا أصوم ولا أفطر وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء.
فلما بلغ ذلك النبي قال إليهم مغضبًا وقال: (( قد بلغني عنكم أنكم تقولون كذا وكذا أما إني أخشاكم لله وأتقاكم لله وأنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) [2] .
نعم (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )هذه براءة من رسول الله عن كل أحد يعرض عن سنته ويزيد في الدين شيئًا ولو كان ذلك بنية العبادة والمبالغة في العبادة والزيادة في العبادة. (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).
ثانيًا: لا يزال الشيطان يتدرج بالمسلم ويزين له البدع حتى يضربه في لجتها إلى الإثمار فإذا به ليس عاملًا مرتكبًا البدع فحسب بل هو من الدعاة إليها المتفانين في نصرتها ونشرها بين الناس وهو لا يدري، وهذا المسكين لا يدري أنه بذلك يحارب سنة المصطفى.
إن الشيطان لا يدخل في قلب المؤمن مباشرة يدعوه إلى ترك سنة المصطفى ولكنه يزين له المبالغة في العبادة والزيادة في العبادة حتى يزين له الزيادة في الدين والابتداع في الدين فيهجر المسلم سنة المصطفى ويخر في البدعة إلى الأذقان وهو لا يشعر بالمصيبة التي وقع فيها والمصيبة التي استحق عليها براءة الرسول منه.
إذا وصل المسلم في البدعة إلى هذا الحد وصار من الدعاة إليها فإنه قد وضع نفسه في موضع خطير، وضع نفسه في خطر جسيم.
قال العلماء إن المبتدع لا يُقبل له صلاة ولا صيام ولا يُقبل منه عمل أبدًا حتى يقلع عن بدعته ويتوب عنها، والدليل على ذلك قول النبي في الحديث الصحيح [3] في شأن المبتدع في المدينة النبوية لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، والمبتدع لا يقبل منه عمل أبدًا حتى يقلع ويتوب عن بدعته.
الدرجة الثالثة: وهذه أشد درجات المبتدع سوءًا وأعظمها شرًا وخطرًا إنها درجة الطواغيت، درجة رؤوس البدعة الذين اتخذوا من البدعة دينًا يحاربون به دين الله يخالفون به السنة، ولا يبتغون به وجه الله تعالى ولكن غلبتهم أهواءهم وآثروا شهواتهم على بصيرة من أمر دينهم، لكنهم اتبعوا أهواءهم وآثروا شهواتهم، استعذبوا خضوع الناس لهم وتمسحهم بأطراف ثيابهم وتقبيلهم أياديهم وحفاوة الناس بهم، وتصفيق اللواء بحمامهم فيها ما لذ وطاب من المآكل والمشارب.
استعذبوا إقامة المآتم فنسبوا ذلك كله إلى دين الله زورًا وبُهتانًا هذه أعظم درجات المبتدعة شرًا وسوءًا، هؤلاء رؤوس المبتدعة وطواغيت البدع هم أعدى أعداء سيدنا رسول الله ، لأنهم أشد المبتدعة مخاصمة لسنة الحبيب المصطفى وأشد المبتدعة محاربة لسنة النبي إذا كان النبي قد غضب من بعض الصحابة لأنهم أرادوا رغبة في الخير أرادوا الزيادة في العبادة على سنته فوقفهم النبي وقال محذرًا إياهم محذرًا أمته (( من رغب عن سنتي فليس مني ) ).
فكيف يكون شأن هؤلاء الطواغيت كيف يكون شأن رؤوس المبتدعة الذين لم يكتفوا بالزيادة في الدين والابتداع في الدين بل شمروا سواعدهم ونصبوا وأجلبوا بخيلهم ورجلهم وبذلوا كل إمكانياتهم لمحاربة سنة الحبيب المصطفى.
لذلك قال أئمة الإسلام قالوا في شأن أئمة المبتدعة لا يقبل الله من صاحب بدعة توبة أبدًا، والمراد بذلك أن المبتدع إذا وصل في بدعته إلى الحال الذي يحارب فيه سنة المصطفى فإن الله تعالى يحول بينه وبين التوبة والعياذ بالله.
الدرجة الرابعة: من أعظم المبتدعة إثمًا وأشدهم ضررًا وإثمًا الذين ابتدعوا في المدينة النبوية والبلد الحرام فإن الله تعالى قد عظم شأن هذين وعظم حرمتهما قال تعالى في شأن بلده الحرام: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج:25] .
وقال في شأن البيت الحرام أبغض الناس إلى الله ثلاثة (( ذكر منهم ملحدًا في الحرم ) ) [4] .
وقال في شأن هذه المدينة النبوية وفي شأن عظيم حرمها، حرمة حرمها قال: (( المدينة حرم.... من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ) ) [5] .
معنى قوله من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا أي من ابتدع في الدين بدعة في هذه المدينة النبوية أو آوى مبتدعًا في بيته أو عاونه أو آزره بأي شكل من أشكال المؤازرة فحق عليه تلك اللعنة التي أطلقها رسول الله.
معنى الإحداث هنا هو الابتداع في الدين وليس معناه المعصية وإلا فأنى يُفهم ذلك.
معنى الإحداث هنا الابتداع في الدين بدليل قوله في حديث آخر: (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) ) [6] ، وقوله في حديث آخر: (( غير أنكم ستحدثون ويُحدث لكم فكل محدثة ضلالة ) ) [7] .
ومعنى قوله: (( لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ) )أي لا يقبل الله منه فرضًا ولا نفلًا والعياذ بالله.
هذا من تعظيمه لشأن هذه البلدة النبوية لأنها هي والمسجد الحرام هاتان عاصمتان للإسلام فكيف يجوز أن تحدث فيها البدع وكيف يجوز أن تظهر فيها البدع، هاتان العاصمتان كما أخبر النبي هما مأرزا الإيمان فلا يصح ولا يجوز للمسلمين أن يخرجوا بالبدع في هاتين البلدتين المعظمتين.
خامسًا: وهذه درجة يقع فيها كثير من المسلمين تهاونًا منهم وتساهلًا في أمر الدين ألا وهي مقابلة أهل البدع ومجالسة المبتدعة فقد حذر العلماء من ذلك أشد التحذير لأن في ملاطفة المبتدع ومجالسته تقوية له على بدعته وشدًا لأزره فيجب على المسلم أن يتجنب هذا المحذور وأن يظهر للمبتدعة الكره والبغضاء حتى يقلعوا عن بدعهم.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: لا تجلس مع صاحب بدعة أبدًا فإني أخشى أن تحل عليك اللعنة.
وقال ابن ميسرة رحمه الله: من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.
هذا في كل مكان في كل بلد من بلاد الإسلام أما في المدينة النبوية أما سمعتم من آزر صاحب بدعة في بيته من يسر المسائر أمام المبتدعة من آزرهم بأي شكل من أشكال المؤازرة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا كما قال رسول الله.
فيا أيها المسلمون من كان على بدعة فليقلع عن بدعته فورًا وليتب إلى الله عز وجل قبل أن تُسد أمامه أبواب التوبة.
أيها المسلمون احذروا الابتداع في الدين وعليكم بالتمسك بسنة الحبيب المصطفى فإن فيها البركة وفيها الكفاية لمن آمن واتقى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الذين فرقوا دينهم وكان شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون [الأنعام:159] .
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة (4/2060) برقم (2674) .
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح.
[3] أخرجه البخاري في صحيحه (2/661-662) برقم 1870.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات (6/2523) برقم 6882.
[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أبواب فضائل المدينة (2/661-662) برقم 1870.
[6] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة (2/592) برقم 867.
[7] أخرجه المروزي في السنة برقم (80) عن ابن مسعود موقوفًا وسنده صحيح.
لم ترد.