فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 5777

التاجر المؤتمن

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الآداب والحقوق العامة, البيوع

عبد الكريم بن صنيتان العمري

المدينة المنورة

جامع الصانع

1-حث الشرع على طلب الرزق بالكسب والتجارة. 2- من آداب التاجر: تصحيح الهدف من التجارة، الصدق، اجتناب الحلف، الابتعاد عن التطفيف في الكيل والوزن، الحذر من الوقوع في الغش، السماحة وحسن الخلق.

إن طلب المعيشة والتكسّب من أهمّ الأمور التي حثّ عليها ديننا الحنيف، الذي أمر أفراده بالخروج في طلب الرزق، قال تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ:11] ، وقال جل في علاه: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل:20] .

والتجارة من المهن التي يمارسها الناس منذ القدم، لغرض التكسب والحصول على الرزق المشروع، وهي من أفضل طرق الكسب وأشرفها، وقد امتن الله تعالى على قريش، وذكر رحلاتهم التجارية التي يقومون بِها إلى اليمن والشام، فقال جل في علاه: لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [قريش:1، 2] .

ونَهى جل وعز المؤمنين عن أكل الأموال بالباطل، واستثنى مال التجارة، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] . فأباح سبحانه وتعالى الربح الحاصل من البيع والشراء الذي يتمّ عن تراضٍ بين البائع والمشتري، ولأهمية التجارة فإن الله تعالى أذن بها بعد أداء صلاة الجمعة، وحثّ على الانتشار لطلب الرزق، في قوله جل في علاه: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] .

قال العلامة القرطبي رحمه الله:"هذا أمر إباحة، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2] ، يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم."

وكان عراك بن مالك رحمه الله إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.

وورد أن عبد الله بن بُسْر المازني صاحب رسول الله كان إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: لأني رأيت سيد المرسلين يصنع هكذا، وتلا قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] . رواه الطبراني وغيره.

وقال سعيد بن جبير رحمه الله: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد، وساوم بالشيء وإن لم تشتره.

وقد ذكر العلماء أن أكثر أسباب الرزق متعلق بالتجارة، وبينوا فضلها وآدابها المتعلقة بها، فمن أهم آداب التاجر ما يأتي:

أولًا: أن يهدف من تجارته وبيعه وشرائه عفة نفسه والاستعانة بالمال على إقامة الواجبات وامتثال الأوامر وترك المنهيات وصون أولاده وأهله عن الحاجةِ إلى الناس وسؤالهم واستجدائهم، وقد قال: (( لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطبُ على ظهره خير من أن يأتي رجلًا أعطاه اللهُ من فضله فيسأله، أعطاه أو منعه ) )متفق عليه.

ثانيًا: أن يصدق في بيعه وشرائه، وليحذر من الكذب فإنه من صفات المنافقين، والصدق صفة محمودة في كل حين، وبالأخص في التجارة، فقد ورد عنه أنه قال: (( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ) )رواه الترمذي وحسنه.

وهذه الصفة وإن كانت ثقيلةً على بعض التجار والباعة، إلا أن عاقبتها محمودة، وآثارها مطلوبة ومرغوبة، ومن أعظمها أن البائع إذا تحرى الصدق وصدق مع المشتري ولم يخدعه أو يدلس عليه كان المال الذي يحصل عليه مباركًا، ويوسع الله تعالى له في رزقه، ويفتح له أبوابًا من البيع، وييسر له أموره، قال: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما ) )متفق عليه.

ثالثًا: على البائع أن يتجنب الحلف في بيعه، فقد قال: (( إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه يُنَفِّقُ ثم يمحق ) )رواه مسلم، وفي الصحيحين عنه أنه قال: (( الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب ) )، وعَدَّ المكثر من الحلف في البيع والشراء من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، فقال: (( ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه ) )رواه البيهقي.

رابعًا: على البائع أن يتجنب النقص في الكيل والوزن، وأن يوفي إذا كال أو وزن، كما لو كان ذلك له، وقد أعد الله لمن طفف أو اتصف به العذاب الشديد، فقال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3] .

كما أن البيع من الأمانة، والبخس في المكيال والميزان خيانة للأمانة، وهو سبب لاحتباسِ الأمطار وحرمان الناس والبهائم والأرض منها.

خامسًا: على البائع أن يبتعد عن الغش بجميع أنواعه، فيلزمه أن يبين العيوب التي في السلعة للمشتري، ولا يخفيها، وقد قال: (( من غشنا فليس منا ) )رواه مسلم. فكل كسب يحصل عليه البائع بغشّ أو خداعٍ أو تدليس على المشتري فهو كسبٌ محرّمٌ لا يحل له، ولا يتصور أنه بتصريفه للسلعة التي في محله أو معرضه أو دكانه أنه قد استطاع أن يخدع المشتري ويستغفله، فإن الله تعالى مطلع على سره وعلانيته، فليتق الله تعالى، وليحذر من أليم عذابه وعظيم سخطه وعقابه.

سادسًا: أن يكون البائع سمحًا، حسن الخلق، طيّب المعاملة مع المشترين، فإن ذلك أمر مطلوب من المسلم، وصفة محمودة فيه، روى جابر أن رسول الله قال: (( رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى ) )رواه مسلم.

إن الصفات التي ينبغي أن يعرفها التاجر والبائع ويتحلّى بِها كثيرة، لكن عليه أن يصدُق ويبين ويبتعد عن الغشّ والتدليس وإلحاق الضرر بالمشترين.

روي عنه أنه رأى الناس يتبايعون فقال: (( يا معشر التجار ) )، فاستجابوا لرسول الله ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: (( إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وبر وصدق ) )رواه الترمذي وصححه وابن حبان والحاكم.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت