فهرس الكتاب

الصفحة 3514 من 5777

الفوز الحقيقي

الرقاق والأخلاق والآداب

الجنة والنار

خالد بن محمد بابطين

جدة

مسجد الراجحي

1-مجالات استعمال كلمة الفوز في العصر الحاضر. 2- انتكاس المعايير. 3- الفوز والفائزون في القرآن الكريم. 4- صفات الفائزين أصحاب الجنة.

كلمة تتكرر وتعاد مرات ومرات، تتوالى على أسماعنا في الأوساط الرياضية والتجارية والاجتماعية، وقَلَّ أن يمر يوم دون سماع هذه الكلمة في صباح أو مساء، فها أنت تسمع أن فريق كذا فاز على فريق آخر، وتطالعك الأخبار الاقتصادية أن الشركة الفلانية قد فازت بعقد تجاري مغرٍ يدر عليها ملايين الريالات والدولارات، وتسمع أو تقرأ وقد تشاهد أن فلانًا نال حظه الذي يسعى إليه فتزوج امرأة حسناء ففاز بها دون غيره، وذاك موظف نال ترقية وفاز بثقة مديريه فأصبح ذا شأن بين مرؤوسيه وأقرانه، إلى غير ذلك مما ينافس الناس فيه ويتسابقون إليه، وإذا حصل لهم ما سعوا إليه فظفروا به سموه فوزًا عظيمًا وحظًا وفيرًا.

عباد الله، إن مدلولات المصطلحات والكلمات تغيرت، بل انقلب في هذا الزمن زمن المتغيرات والفتن حتى أصبح منكرًا ما كان معروفًا، وغدا معروفًا ما كان منكرًا، وأضحى الحق باطلًا والباطل حقًا، وصار السفه رشدًا والرشد والعقل سفهًا وطيشًا، بل أصبح الكذب شطارة والغدر حذقًا ومهارة والتهتك والانحلال فنًا وحضارة، وهذا الأمر لم يأت هكذا مصادفة أو عفوَ الخاطر، بل نتيجة السعي الدؤوب والجهد المتوالي لتقرير المصطلحات المغلوطة ونشرها بين الناس حتى تغدو هي عين الصواب.

عباد الله، لقد جاءت لفظة (الفوز) وما اشتق منها في الكتاب العزيز في واحدٍ وثلاثين موضعًا، وجاءت كلمة (الفائزون) في أربعة مواضع، فلنتأملها لنستخلص منها حقيقة الفوز ومعناه ومن هم الفائزون على الحقيقة.

الموضع الأول هو قوله تعالى في سورة التوبة: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:20-22] ، فهؤلاء قدموا النفس والنفيس وبذلوا الغالي والرخيص ابتغاء مرضاة الله، إنهم من أعظم الفائزين في هذه الدنيا. حين تسمو النفوس إلى هذا المعنى ندرك حقيقة ما قاله حرام بن ملحان حين طعن من خلفه يوم بئر معونة فأخذ ينضح الدم على وجهه ورأسه ويقول: (فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة) . هذه النفوس العالية تزهد في حطام الدنيا فتقدمه لله وهو أحب شيء إليها، لما نزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [الحديد:11] قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله عز وجل ليريد منا القرض؟! قال: (( نعم يا أبا الدحداح ) )، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده فقال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي ـ قال ابن مسعود: وله حائط فيه ستمائة نخلة ـ وأم الدحداح فيه وعياله، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. الله أكبر، ما أعظم هذه النفوس وما أكبرها عن أن تكون أسيرة حطام الدنيا ومتاعها.

أيها المؤمنون، أما الموضع الثاني فهو قوله تعالى عن المؤمنين: إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111] ، فما أعظم عاقبة الصبر الذي يبلغ بالإنسان أسمى المراتب وأعلاها، وفي الجنة يسمع أهلها الملائكة وهم يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] ، صبرتم على الطاعة فنعم الصبر، قمتم بها وراغمتم النفوس لأجلها فنعم الصبر، صبرتم عن معصية الله وغالبتم النفوس لتركها مع شدة حبكم لها وتعلق قلوبكم بها فنعم الصبر، صبرتم على ما يحل بكم من أقدار الله وما ينزل بكم من مصائب هذه الحياة، نهيتم النفس عن تسخطها وجزعها، أيقنتم أن ما أخطأكم لم يكن ليصيبكم وما أصابكم لم يكن ليخطئكم فنعم الصبر. ولما كانت القلوب على هذا المستوى من الإيمان والصبر واليقين كان أولئك الصنف من الناس هم الفائزون، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] .

عباد الله، أما الموضع الثالث فهو قوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:51، 52] ، وهذه الآيات جاء قبلها في السياق الحديث عن المنافقين في قوله تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [النور:48-50] .

فما أعظم الفرق بين هؤلاء وهؤلاء: المستجيبون لله ولرسوله الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله، وأولئك الذين في قلوبهم مرض النفاق يظنون أن حكم الله ظلم وحيف، فيستبدلون به أحكام البشر وقوانينهم التي هي مظنة الظلم والحيف، أولئك البشر الذين لا يملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم وأهوائهم، ولكنَّ العدالة المطلقة هي في حكم الله فلا تجدها في تشريع غير تشريعه ولا يحققها حكم غير حكمه، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] ، ولذا قال: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:52] ، أولئك هم الناجون في دنياهم وأخراهم، هم للفوز أهل، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم، فالطاعة لله ولرسوله تقتضي السير على النهج القويم، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة، فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:123-126] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله، عَظُمَ شأنه، ودام سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره، عم امتنانه، وجَزَلَ إحسانه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، به علا منار الإسلام وارتفع بنيانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيءٍ، وليس من تقوى الله خلفٌ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] .

أما الموضع الرابع فهو قوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] ، نعم لعمرو الله، وأيُّ فوز أعظم من ذاك؟! فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] . نعم، إنها الجنة التي يُحل عليهم فيها رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72] ، إنها الجنة التي يخلدون فيها فلا يموتون، خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:13] ، خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. نعم، إنها الجنة هي محض فضل وامتنان من الكريم المنان، فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان:57] ، وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال عن الجنة: (( ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ) ). إنها الجنة بناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ملاطها المسك الأذفر، حصباؤها الدر والياقوت، تربتها الزعفران، فهي كما قال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصف:12] . إنها الجنة التي فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنها من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، فهي كما قال الله: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج:11] ، إي وربي إنه الفوز الكبير.

أيها الأخ الحبيب، هؤلاء هم أصحاب الجنة، هؤلاء هم أصحاب الحسنى وزيادة، هل تريد أن تكون منهم؟ فاعرف أوصافهم واتصف بها، كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:17-19] ، يصومون وغيرهم يأكل، وينفقون وغيرهم يبخل، يقاتلون وغيرهم يتقاعس ويجبن، هم عباد الله حفظوا وصية الله ورعوا عهده، هم بربهم يؤمنون، وهم بربهم لا يشركون، هم من خشيته مشفقون، استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، في صلاتهم خاشعون، عن اللغو معرضون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، طالما تعبت أجسادهم من الجوع والسهر، استعدوا من الزاد بما يكفي لطويل السفر، كثر استغفارهم فحطت خطاياهم وكل ما طلبوا من ربهم أعطاهم، فسبحان من اختارهم واصطفاهم، إنهم عباد الله المخلَصون، فيهم الشهيد المحتسب والعفيف المتعفف والضعيف المتواضع ذو الطمرين مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، أقوام يقطرون نزاهة، أفئدتهم مثل أفئدة الطير، فيهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، متحابون في جلال الله، فيهم صاحب القرآن يقرأ ويرتل ويرتقي، وفيهم تارك المراء ولو كان محقًا وتارك الكذب ولو كان مازحًا، فيهم من أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، هي لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، ينال نعيمها عيون تبكي من خشية الله وعيون تحرس في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت