فهرس الكتاب

الصفحة 4993 من 5777

اللباس والزينة(2)

الأسرة والمجتمع, الإيمان, فقه

اللباس والزينة, الولاء والبراء, قضايا المجتمع

ناصر بن عمر العمر

المدينة المنورة

جامع جابر الأحمدي

1-منزلة اللباس في الإسلام. 2- هدي النبي في اللباس. 3- فضل البياض في اللباس. 4- استحباب التيامن في اللباس. 5- آداب وأدعية نبوية متعلقة باللباس. 6- النهي عن اللباس الأحمر الخالص. 7- التحذير من التشبه بالكفار.

أما بعد: فلقد ابتدأنا الحديث في الجمعة الماضية حول موضوع اللباس والزينة، وكان الحديث مقدمةً لهذه الخطبة وما بعدها حول نعمة اللباس، ومراد الشيطان من آدم وذريته التعري والسفور وكشف العورات بعدما أغوى الشيطان آدم بالأكل من الشجرة، فبدت السوءات وانكشفت العورات.

عباد الله، اللباس في الإسلام له مكانة وشأن، وهو نعمة أنعمها الله على البشرية، فعلمهم صناعة وحياكة وغزل اللباس، تلك آية من آيات الله لعلنا نتفكر ونتدبر فنشكر نعمة الله.

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا

وخير لباس الْمرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا

كان من هدي الرسول عدم التكلّف في اللباس، فيلبس ما تيسر له، فلبس العمامة والقميص وكان أحب الثياب إليه، ولبس الإزار والرداء والجبة وغيرها، ولبس الأسود والأخضر والأحمر غير الخالص، وكان يحب البياض، وحث أمته على لبس البياض، وقال: (( إنها أطهر وأطيب ) )، وقال: (( كفنوا فيها موتاكم ) ).

والأبيض فيه طهارة ونظافة؛ لأن الأوساخ تظهر سريعا عليه، فيسارع المسلم إلى غسله، أما غيره من الألوان الداكنة فتتراكم عليها الأوساخ من غير أن يظهر فحشها، فكانت غير مناسبة، ومن جهة أخرى فإن البياض ترتاح له النفوس ويبعث على البهجة.

وكان يحب التيامن في اللباس كما روت عائشة رضي الله عنها عنه أنه كان يحب التيامن في شأنه كله. قال النووي رحمه الله:"وهذه قاعدة مستمرّة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخفّ ودخول المسجد والسّواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما يستحب التيامن فيه، وأما ضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والنعال وما أشبه وذلك فيستحب التياسر فيه؛ وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها."

والسنة في النعال أن يبدأ لبسها باليمين، وأن يكون خلعها ابتداء بالشمال، كما وردت السنة أيضا بأن لا يمشي المسلم في نعل واحدة، أي: لا يلبس نعلا في رجل والأخرى حافية، فقال عليه الصلاة والسلام: (( لينعلها جميعا، أو ليخلعها جميعا ) )، وقال أيضا: (( إذا انقطع شِسع أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها ) )، وجاء أيضا عن النبي: (( إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة ) ).

كما جاءت السنة أيضا بالاحتفاء أحيانا، وهو المشي حافيا، كما أورده أبو داود في سننه من حديث بريده

عن رجل من أصحاب النبي قال: كان النبي يأمرنا أن نحتفي أحيانا.

وكان النبي إذا لبس ثوبا ذكر الله وحمده وأثنى عليه فقال: (( اللهم إني أسالك من خيرة وخير ما هو له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له ) )، وكان يقول إذا استجدّ له ثوب أو ملابس جديدة: (( اللهم لك الحمد أنت كسوتَنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له ) ).

فحافظ ـ يا رعاك الله ـ على هذا الأدب النبوي وتلك السنة المحمدية الرفيعة في لباسك كل يوم، ففيها البركة التي تحل والخير العظيم وغفران الذنوب، قال: (( ومن لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ). فهي كلمات عظيمه، فيها الاعتراف بهذه النعمة المسداة والتبرؤ من الحول والقوة إلا به سبحانه.

ويستحب أن يقول لمن لبس جديدا: (( البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا ) )، قالها النبي لما رأى على عمر رضي الله عنه ثوبا جديدا.

وفي البخاري روت أم خالد بنت خالد بن سعيد عن موقف لها وهي صغيرة في السنّ مع النبي ، قالت: أتي النبي بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقال: (( من ترون أن نكسو هذه؟ ) )فسكت القوم، فقال: (( ائتوني بأم خالد ) )، وهي يومئذ طفلة صغيرة، فأتي بها تُحمل، فأخذ الخميصة بيده وقال: (( أبلي وأخلقي ) )، وكان فيها علم أخضر أو أصفر فقال: (( يا أم خالد، هذا سناه ) ). وسناه كلمة حبشية معناها: حسن. ففي حديث أم خالد دعاء لمن لبس جديدا بطول الحياة. وفي الحديث من الفوائد عنايته بالأطفال وحسن ملاطفتهم ونداءٌ لهم بالكنية مما يشعرهم بأهميتهم.

أيها المسلمون، لقد نهى نبيكم عن أنواع من اللباس بعينها، فاعرفوها لتجتنبوها، فالخير كل الخير في اجتناب ما نهاكم عنه نبيكم.

لقد نهى النبي أن يلبس الرجال الأحمر الخالص من الألوان، فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله عليَّ ثوبين معصفرين فقال: (( إن هذه ثياب للكفار فلا تلبسها ) )، وغيره من الأحاديث التي نهت عن لبس الأحمر، ولكن يجب أن يعلم أن النهي إنما ورد عن لبس الأحمر الخالص الذي لا يخالطه لون آخر؛ لأنه ثبت عن النبي أنه لبس حلة حمراء من برود اليمن، قال ابن القيم في زاد المعاد:"وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا لا يخالطها غيره، وإنما الحلة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وإلا فالأحمر البحت منهيٌ عنه أشد النهي"انتهى كلامه.

والأولى للمسلم ترك هذا اللون من اللباس إن كان خالصا، ومن ذلك ما يفعله بعض الشباب هداهم الله من لبس بعض الملابس الحمراء في يوم أو أيام معيّنة من السنة، ويرمزون بذلك إلى عيد أو يوم يسمونه بالحب، قد أخذوا ذلك من الكفار الذين نهينا أشدَّ النهي عن مشابهتهم، إلى ما في لبس اللون الأحمر الخالص من محذور في الشريعة.

وهذا الحديث يقودنا للكلام عن النهي عن كل لباس من لباس الكفار؛ لأن على المسلم أن تكون له شخصية تميِّزه يعرف بها المسلم من غيره، شخصية في مظهرة ولباسه وكلامه وباطنه، تلك الشخصية التي تعكس ما رباه عليه الإسلام من القيم والتعاليم. أما الانزلاق وراء الكفار والتشبه بهم فهو باب خطير؛ ذلك أن فيه مخالفة صريحة للهدي النبوي في الحرص على مخالفة الكفار والتشبه بهم، بل كان الحرص النبوي على تكوين شخصية جديدة للمسلم يتميز بها ويعرف بها، يعرف بها من كلامه إذا تكلم، ومن إقدامه على أمرٍ أو إحجامه عن آمر، يعرف بشخصيته هذه من ملابسه وهيئته التي يظهر عليها، فعلى المسلمين عموما وعلى الشباب خصوصا الحذر من مسألة التشبه لأنها خطيرة على الدين كما قال: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله:"إن التشبه بالكفار بالظاهر يورث مشابهتهم بالباطن".

ونحن في تربيتنا ننهى الأولاد من إتيان شيء من أمور النساء حفاظا على تربيتهم على الرجولة، ومشابهة الكفار في خصائصهم يورث بدون شعور الميل إليهم وحب ما عندهم من الشر والرغبة عما عند المسلمين من خير، ولهذا أورد لنا هذا التشبّه أمورًا عظيمه دخلت على المسلمين نتيجة التساهل العظيم في أمر التشبه، والحجة في ذلك: لا نقصد التشبه! وليست العبرة بالنية وإنما العبرة بالعمل! فإذا نظرت إلى حال كثير من المسلمين اليوم فلا تعرف من هيئته أنه مسلم إلا إذا تحدث العربية، فحلق اللحى ما كان معروفا عند المسلمين ولا عند العرب كما سوف يأتي عن الحديث عن اللحية وحكمها، ولبس البناطيل التي تصف العورات وتحدّها لم يعرفها المسلمين إلا بعد أن ضرب الاستعمار أطنابه في بلاد المسلمين وأورث لهم بعض العادات القبيحة، واليوم وقد أصبح العالم كأنهم في قرية واحدة نتيجة التقدم في الاتصالات، فتجد الشاب الذي له شخصيه مهزوزة سرعان ما يتأثر من قصة رآها أو لبس رآه على شاشات التلفاز أو من بعض أصدقائه.

كم كان ينادي المصلحون ويعلِّم العلماء الناس أن السنة جاءت بحفّ الشارب وأن السنّة جاءت بتقصير الثياب وعدم إسبالها، فكنت لا تجد من يستجيب لهذه السنة إلا من وفّقهم الله لطاعته، ولكن الكثيرين وخاصة الشباب اليوم نرى بعضهم وقد خفف شاربه، فإن قلت له: مرحبا بك في عالم السنة قال بلسان حاله: لا إنما هي الموضة أما السنة فأنا عنها زاهد، وترى من يلبس بعض السراويل أو البناطيل القصيرة أو ما يسمّى"البرمودا"ويمشي بها في الشارع والمحلات والحدائق، وعنده الجرأة في تحدي لباس مجتمعه الذي درجوا عليه، ولكن تلك الجرأة تختفي من قاموسه إذا قيل له: قصِّر ثوبك ولو إلى حد الكعب على الأقل أن تنجو بنفسك من عذاب الله، قال: كلا وحاشا حتى لا يكون من المحسوبين على المتديّنين. فهؤلاء الناس وقد أغواهم شيطانهم وزين لهم رغبوا عن السنة النبوية وتتبعوا سنن اليهود والنصارى، كرهوا ما جاءت به السنة، وأحبوا ما جاءت به الموضة وآخر صيحات دور الأزياء، ووالله إن خرجت علينا الموضة غدًا بإرخاء اللحى لوجدت من هؤلاء من يسارع إلى إطالة لحيته، قال: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ) )، وهذا يفيد بأن على المسلم الحذر لئلا يقع في التشبه، وليكن المسلم من الطائفة المنصورة التي أخبر بها النبي بأنهم على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة.

فأهل السنة هم على السنة المحمدية، لا يبغون عنها حولا، فلا يتشبهون بأحد، لا في كلامهم، ولا في أشكالهم، ولا هيأتهم، ولا في لباسهم، ولا في عقائدهم، قد رضوا بسنه محمد وأحبوها من قلوبهم، وكرهوا الكفار وأهله وما جاء من قبلهم، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ، وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُم ، وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. ولقد أخبرنا نبي الأمة في حديث حذيفة المشهور عن الخير والشر، وفية قال حذيفة: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (( نعم وفيه دخن ) )، قال: قلت: وما دخنه؟ قال: (( قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ) ).

فاحرص ـ أيها المسلم ـ على تتبع سنة نبيك؛ فإن فيها الخير العظيم، وإن في الإعراض عنها شرًّا وبلاء، وأحق الناس بالنبي الذين اتبعوا سنته فأحبوا ما أحب وكرهوا ما كره، ولا تلتفتوا ـ عباد الله ـ لوسوسة الشيطان في نفوسكم بتبغيض السنة في نفوسكم وتقبيحها، واستقيموا على السنة، واعتزوا بالسنة، وارفعوا رؤوسكم أنكم على السنة، وموتوا على السنة؛ تكونوا جيرانا في الجنة لصاحب هذه السنة.

عباد الله، أقول قولي هذا...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت