الإيمان
خصال الإيمان
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-حبّ الخير للمؤمنين. 2- ولاء المسلم لمجتمعه. 3- محاربة المسلم للفساد والإفساد. 4- النصيحة لعامة المسلمين. 5- التحذير من المنافقين. 6- صور من عداء المنافقين للمجتمع المسلم. 7- قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، مِن خُلُق المؤمِن حبُّ الخير للمؤمنين، فهو يَراهم إخوانًا لَه في الإسلام، إذًا فهوَ يحبّ لهم مَا يحبّ لنفسِه، ويكرَه لهم ما يكرَه لنَفسه. يحبّ لهم الهدايةَ والاستقامةَ والثباتَ عَلى الحقِّ، يكرَه لهم الكفرَ والفسوقَ والعصيان. يحبّ لهم الاطمئنانَ والسكينةَ، ويكرَه لهم الشرَّ والبلاءَ. يحبّ لهم أن يكونوا في غايةٍ مِنَ الطمأنينة والأمان والاستِقرار، ويكرَه أن يصيبَهم شيء يخلّ بأمنِهم وطمأنينتِهم. ذلك أنه جزءٌ وواحد منهم، فهو يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكرَه لهم ما يكرَه لنفسه.
يحيط إخوانَه المؤمنين بنصيحتِه وتوجيهِه وإرشاده، يسعَى في الخيرِ جُهدَه، ويحمِي نفوسَهم وأعراضَهم وأموالهم، يصونُ ذلك، يعلم حقًّا أنّ هذا من مقتضيات الإيمان، يتدبّر دائمًا قولَ الله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] ، ويتذكَّر دائمًا قولَه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] .
كلُّ هذه الأمور تجعَله دائمًا يسعى في الخير لإخوانِه، لا يخذُلهم، ولا يكذِبهم، لا يعين عليهم عدوًّا، ولا يفشِي لهم سرًّا، ولا يكون رَصَدًا لأعدائهم ضدَّهم، بل هو عونٌ لهم على الخير، إن رأى مَن يكيدُ لهم المكائدَ أو يبغي لهم الغوائِل أو يترَبّص بهم الدَّوائرَ فإنّه لا يرضَى ولا يسمَح بذلك، نعَم لا يرضى ولا يسمَح لذلك، ولا يمكّن لأيّ مفسِدٍ أن يبثَّ فسادَه في الأرض، لماذا؟ لأنهم إخوانُه المؤمنون، لا يرضى بالنّقص عليهم، ولا يرضى بالذلّ والهوان عليهم، لأنّ إيمانَه يمنعُه من ذلك، والله يذكّره: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103] ، فهو يذكِّر نفسَه دائمًا بهذه الأخوّة الإيمانيّةِ التي تفرض عليهم حبَّ الخيرِ للمؤمنين وكراهيةَ الشرِّ والبَلاء للمؤمنين.
إن أصابَ المؤمنين خير فرِح به، وإن حصل عليهم نقصٌ أحزنه ذلك، إذًا فهو لا يرضَى لهم بالنقص، ولا يسمَح لأيّ مُغرضٍ ومفسِد أن ينشرَ بينهم رُعبًا وإفسادًا، لا يسمَح بذلك ولا يرضَى، بل تأبى نفسُه ذلك، ويأبى إيمانه قبلَ ذلك أن يرضَى أو يقرَّ أيَّ بلاء في مجتمعه المسلم؛ لذا يقول: (( المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضُه بعضًا ) )وشبّك بين أصابعه [1] ، إذًا فهو بنيانٌ متراصّ ليس فيه منفَذٌ ينفَذ منه، ويقول أيضًا: (( مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسَد الواحِد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالحمَّى والسّهر ) ) [2] .
يُحزِنه كلُّ أذًى يلحَق بأمّته، فلا يرضَى به ولا يسمح به، هكذا المؤمن حقًّا الذي إيمانُه إيمانُ صِدقٍ وإخلاصٍ، إيمانٌ متمكِّن من القلب. النصيحةُ دائمًا ديدنُه، ينصَح إخوانَه، إن رأَى عيبًا نصَح، رأى نقصًا وتقصيرًا نصَح، وتعاوَنَ على البرِّ والتقوى فيما يُسعِد أمتَه ويؤمِّنها ويحفَظ لها كرامتَها وعزَّتها ومجدها.
وطنُ المسلمين غالٍ في نفسه، لا يسمَح لأيّ مغرِضٍ أن يمسَّ وطنَ المسلمين بسوء، ولا يعين على السّوء، فضلًا أن يكونَ داعيًا للسّوء أو جالبًا للسّوء. هو ينصَح ويوجّه ويدعو للخير جُهدَه، وينصَح كلَّ مغرض ومفسدٍ، ويبيِّن له أخطاءه وأضرارَه، ويحذِّره من الفسادِ والإفسادِ، ولا يسمَح له أن ينشُرَ جريمتَه وضلالَه، فإن أبى فإنّه لا يكونُ عونًا له، بل يأخُذ على يدِه حتى ينقِذه من أخطائه ويخلِّصه من بلائه، ولهذا النبيّ يقول: (( انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )، قال الصّحابةُ: يا رسولَ الله، ننصرُه مظلومًا فكيفَ ننصره ظالمًا؟! كيف تكون نُصرةُ هذا الظالم؟! قال: (( تردعُه عن الظلم، فذاك نصرك إياه ) ) [3] .
إذًا فإن رأيتَ من أحدِ إخوانِك أنه لُبِّس عليه باطلٌ وأدخِلت عليه شكوكٌ وشبهات وحاوَلَ مغرِض أن يستغلَّ طيبةَ قلبِه وصفاءَ نفسه ليجنِّده لباطله ويجعلَه جنديًّا لباطلِه ومِعولَ هدمٍ في أمّته فإنّه يأخُذ على يديه بقدرِ الإمكان، يحُول بينه وبين إجرامِه، ولا يسمحُ له أن يتمادَى في طغيانه وشرِّه، لأنّك إن تركتَه يتمادَى أَلحقَ الأذى بنفسِه ثم بأمّته، وإن أخذتَ على يدِه وبلّغتَ عنه حتى تُنقِذه من الاستمرار في غوايتِه وتخلِّصه من التمادِي في إجرامه كنتَ من الناصحين المحبِّين، أمّا أن تتركَه وشأنَه وتزعمَ أنك لم تفعل ولم ترضَ ولكنك لم تأخُذ على يد ظالمٍ أو مريدِ إفسادٍ فإنّك بذلك قد جنيتَ عليه وجنيتَ على أمّتك؛ لأنّ النصيحةَ هي التَّعاون على البرّ والتقوى، والله يقولُ لنا: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] .
فالمؤمن يعينُ على كلِّ خَير، لكنّه لا يعينُ على الشرّ، لا بقولٍ، ولا بفعلٍ، ولا برِضًا، ولا بسُكوتٍ، ولا بتستُّر، بل يكشِف الباطلَ؛ لأنّ هدفَه إصلاحُ الفردِ والمجتمع، فينصحُ ذلك الإنسانَ، ويحذّره من عواقبِ السوء ونتائج الفساد، ويبصِّره عسى أن [يلقَى] قلبًا واعيًا وأُذنًا صاغية، فإن استمرَّ وتمادى دونَ أن يتَّعِظ ويعتبِرَ فلا بدّ من أخذٍ على يدِه حتى تخلِّصه، فلا يتمادَى في ضلالِه وطُغيانه، فيفسِد دينَه ودنياه.
أيّها المسلمون، إنّ اللهَ جلّ وعلا حذّر المؤمنين من التعاونِ على الباطلِ ومدِّ يدِ العون مع أهلِ الكفر والضلال، وحذّرنا الله من أخلاقِ المنافِقين الذين آمَنت ألسنتُهم وكفرت قلوبهم، فهم مع المؤمنين في الظاهِر، وهم ضدّهم في الباطن، تظاهَروا بالصّلاة والصّيام والجهاد، ولكن في قلوبهم حِقدٌ على الأمّة، على عقيدتها وعلى مجتمعِها وعلى أمنها، في قلوبهم حِقدٌ على الأمّة في كلّ أحوالها، فتراهم مع كلّ عدوٍّ ضدّ الأمة، ومع كلّ من ينادي بأيّ جريمة، ومع كلّ من يسعَى في الأرض فسادًا وإن تظاهَروا بالإيمان، لكن يعلم الله من قلوبهم خلافَ ما يُظهِرون، فحذّرنا الله منهم، وبيَّن لنا أنّ من أخلاقِهم أنهم يتعاوَنون مع أعدَائهم ضدَّ أمّتهم ومجتمعهم المسلم، أنّ مِن أخلاقِهم أنهم يتعاوَنون مع أعداء الأمّة ضدّ المجتمع المسلم، ضدّ أمنِه واستقراره وسلامتِه، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:11] ، هذا إخبارٌ مِن الله [عمّا] بين المنافقين واليهود من ارتباطٍ وثيق، جمع بينهم الحقدُ على الإسلام وأهلِه والبغضاءُ للإسلام وأهلِه، فالمنافقون في عهدِ النبيّ الذين تظاهَروا بالإسلامِ ونطَقوا بالشهادتين شهادةِ أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله وصلَّوا مع رسول الله وجاهَدوا معه، هؤلاء عنصُرٌ خبيث في مجتمَع الأمة، عنصرٌ خبيث وجُرثومة في مجتمع الأمة، يتربّصون بالإسلامِ وأهلِه الدوائر، هم منهزِمون في أنفسِهم، لا يستطيعون أن يُظهِروا نفاقَهم فينقضّ المسلمون عليهم، لكنّهم يتظاهرون بالإسلام وفي قلوبهم ما الله بهِ عليم، فكلّ فرصة يجدونها سانحةً يظهَر نفاقهم وتبدو سرائرُهم ويكشِف الله ما في قلوبهم من الزيغ والباطل.
لمّا أراد النبيّ إجلاءَ بني النضير قال المنافقون لهم:"لئِن أُخرِجتم لنخرجَنّ معكم، إن قوتلتم لننصرنّكم"، يأمرونهم بالبقاءِ ومحاربةِ الإسلام وأهله، ولكنّ اللهَ قذف الرعبَ في قلوبهم، فخرَج أولئك، وتخلّى عنهم المنافقون في أحرجِ الساعات والمضايق، لماذا؟ لأنّ هذا المنافقَ لو وجَد فرصةً لساعد، لكن لمّا رأى القوّةَ انخذل، لكنه في باطن الأمر يسعى في تدمير الأمّة، فليحذر المسلمُ من أن يكونَ فيه خلُقٌ من أخلاقِ المنافقين وهو لا يشعُر.
في عهدِ النبيّ فئةٌ من المنافقين رغم عِزِّ الإسلام وقوّةِ الإسلام وظهورِ الإسلامِ وعُلوِّ الإسلام، لكن مَن في قلبه مرَض مرضُه لا يفارقه. خرجَ النبيّ بأصحابِه غازيًا تبوكَ في العام التاسِع من الهجرة، ومعه زُهاء أربعين ألفًا من المسلمين، ماذا فعَل المنافقون؟ وكيفَ كادَ المنافقون للنبيّ؟ رغم قوّة الإسلام وعِزّته، لكنِ المرضُ الذي في قلوبهم حملَهم على ما حمَلهم عليه، فجاء بعضهم للنبيّ وقالوا: يا رسولَ الله، بنَينا لنا مسجدًا نجعلُه لابن السبيل، يُؤوي الغريبَ، يظلّ من الحرّ، ويقي من قَرس الشّتاء، نريد أن تصلّيَ فيه ليكونَ مسجِدًا للمسلمين في طريقهم، ينتفِع به الفُقراء، يسكنونَه ويستظلّون به ويستدفئون به، والنبيّ حمَلهم على ما ظهَر منهم، فقال: (( نحنُ سائرون إلى تَبوك، فإذا رجَعنا صلّينا فيه إن شاء الله ) ). وكان هذا المسجد بُنيَ ليكونَ رصَدًا لأعداء الإسلام، وأرضيّةً لأعداء الإسلام من اليهود وغيرِهم، ليجعلوه رصَدًا لأعداء الإسلام، يقتلونَ فيه النبيَّ وأصحابَه إن صلَّوا فيه. فمضى النبيّ لتبوك، وقفَل راجعًا ولا يعلَم الغيبَ إلا الله، فإذا الوحيُ من ربّ العالمين يحذّره من هذا المسجِد، ويبيِّن له أنّ هذا المسجدَ ليسَ مسجدًا، ولكنّه دارُ إضرارٍ وبلاء: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:108-110] ، وقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107] [4] .
فتأمّل ـ أخي ـ هذه الآيةَ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ، هو مسجدٌ في صورتِه، لكنه للضَّرر والأذى وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حاربَ الله ورسولَه، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى ما أردنا إلا الخيرَ، لكنّ الله يعلم أنّ هذا كذب، وأنّ الباطِن غيرُ الظاهر، فأمر النبيُّ بهدمِ ذلك المسجد وإحراقه كلِّه.
أيّها الإخوة، هكذا المنافِقون في كلّ زمان ومكان، بلاءٌ على الأمّة ومصيبة على الأمة، لا يقدّرون المصالحَ من المفاسد، ولا يعرفونَ للأمور حالها، ولكنهم مع كلّ ناعقٍ ومع كلّ عدوٍّ للإسلام، فإنهم أعوانٌ له وجنودٌ له. أمّا المؤمن فهو بخلافِ ذلك، هو مع أمّته بنصيحتِه وتوجيهه وتوعيَتِه وأخذِه على يدِ السّفيه وردعِ المبطل عن باطله وتبصيرِ الأمّة وتحذيرهم من مكائدِ أعداء الإسلام. هكذا فليكُن المؤمن، حتى يكونَ الناس في أمنٍ وطمأنينة، نسأل الله لنا ولكُم الثباتَ على الحقّ والاستقامةَ عليه.
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستَغفر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في المظالم (2446) ، ومسلم في البر (2585) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري في الأدب (6011) ، ومسلم في البر (2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
[3] أخرجه البخاري في الإكراه (6952) عن أنس بن مالك رضي الله عنه بنحوه.
[4] قصة مسجد الضرار هذه أخرجها ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة مرسلا، ومن طريقه الطبري في تفسيره (14/468-469 ـ محمود شاكر ـ) ، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/529-530) .
الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كمَا يحبّ ربّنا ويرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، في عهدِ النبيِّ جرَت قصّةٌ على بعضِ الصحابة، ذلك أنّ النبيَّ خرَج في العامَ الثامن من الهجرةِ في رمضان قاصدًا فتحَ مكّةَ شرّفها الله بعدَما نقضت قريشٌ العهدَ الذي بينه وبينَهم وأخلّوا ببعضِ بنوده وأعانوا على حُلفاءِ النبّي ، أعانوا عدوَّهم عليهم، قامَت قريشٌ وأعانت بني بكر على خزاعة، فخزاعةُ حِلفُ النبيّ ، دخلوا في عهدِه مسلمُهم وكافِرهم، وبنو بكرٍ من المشركين، أعانت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة وأمدّوهم بالسِّلاح خُفيةً أو قاتل بعضُ قريش معهم، وكان هذا نقضًا للعهدِ الذي بين قريشٍ وبين النبيّ. لما بلغ النبيَّ خبرُهم تجهَّز لقتالِ قريش والتنكيلِ بهم لإخلافِ الموعِد، وليفتحَ بيت الله الحرام، وليطهّرَه من الأصنام والأوثان، وليقيمَ فيه شعائرَ الله، وليقيم فيه توحيدَ الله الذي لأجلِه بُني ذلك البيتُ العتيق. ولما أراد أن يخرجَ قال: (( اللهمّ عَمِّ عنّا العيونَ والأبصارَ حتى نفجَأ قريشًا قبل أن تستعِدّ ) )، لِمَا لله في ذلك من الحكمة لاحترام البيتِ وحتى لا يقعَ فيه قتالٌ عظيم، والله حكيم عليم. خرَج النبيُّ بجيشه قاصدًا مكّةَ شرّفها الله، وإذا رجلٌ من الصحابة بدريٌّ حضَر بدرًا حاطِبُ بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه، لما رأى تلكَ القوّةَ الضاربة كتبَ لقريش قائلًا لهم: إنّ محمّدًا رسولَ الله أتاكم بما لا قُدرةَ لكم على مقاومته فخُذوا [حِذركم] ، وما قصدُه عداءً للإسلام ولا إساءَة للإسلام، لكنّه أرادها يدًا عندَهم حتى يَترُكوا بيتَه وعشيرته. سار هذا الكتابُ مع امرأتين لمكّة، وقد وضعَت المرأة هذا الكتابَ في شَعرها وغطَّت عليهِ شعرَ رأسِها، وأصبح لا يُرى هذا الكتاب ولا يُعلم به، ولكنّ الوحيَ جاء من ربِّ العالمين علاّم الغيوب العالم بكلّ شيء، لا يخفى عليه شيء، قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [آل عمران:29] . فجاء الوحيُ للنبيّ مخبرًا عن تلكَ المرأة وكتابها ومَن كتَب به والموضِع الذي فيه المرأة الآن حتى يدّارك الأمر قبل يكون، فبعثَ النبيّ عليًّا والزبير لها، فأتياها وأخفتِ الكتابَ وأبت أن تقول، فقال لها عليّ رضي الله عنه: والله، ما كَذَبنا وكُذِبنا، لتؤتينّ الكتابَ أو لنجرِّدنّك ونأخذه بالقوّة، فقالت: تنحَّوا عني، فحلّت شعرَ رأسها، وأعطتهم الكتاب، وإذا فيه هذا بالحرف الواحد:"من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، إنّ محمدًا جاءكم بما لا قِبَل لكم به". دعا النبيُّ حاطبًا معاتبًا له، كيفَ تفشِي سرَّ المسلمين إلى أعدائهم والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ الآيات [الممتحنة:60] ، فقال: والله يا رسول الله، والله ما كفرتُ بعد إسلامي، وما فعلتُ إلاَّ أنّ ما معك من أحدٍ إلاَّ وله بمكّةَ أهلٌ وعشيرة يحمونَ بيوتهم وأهليهم، وليس لي شيء في مكَة، فأردتُ بها يدًا عندهم، فقال عمر: أأقتلُه يا رسولَ الله؟ قال: (( يا عمَر، إنّه حضر بدرًا، وما يدريكَ لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) [1] . إذًا فحاطب رضي الله عنه في هذا العمل وإن كان ليس سيِّئًا لكنّه إفشاءُ سرِّ المسلمين لأعدائهم، حذّر الله المؤمنين من ذلك، ورتّب عليه الوعيدَ الشديد، وأخبر أنّ هذا أمرٌ غير لائق بالمسلم، هذا مجرّدُ إفشاء سرٍّ، فكيفَ بمن يكون أرضًا لهم، وبمن يكون موطِنًا لهم، وبمن يعينُهم، وبمن يؤوِيهم، وبمن ينفّذ مخطّطاتهم ومرادَهم؟!
فليحذرِ المسلمون أعداءَهم من المنافقين غايةَ الحذَر، وليكونوا على حذَر، وليحذَر المسلم أن يكونَ عونًا لأعداء الأمّة عليها؛ لأنّ هذا لا يتّفِق مع دينه ومحبّته لله ورسوله.
واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النّار.
وصَلّوا ـ رحمكم الله ـ على نبيّكم محمّد كما أمَركم بذلك ربّكم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الراشدين...
[1] أخرجه البخاري في المغازي (3983، 4274) ، ومسلم في فضائل الصحابة (2494) عن علي رضي الله عنه بمعناه.