العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, محاسن الشريعة
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-فضل آيات القرآن الكريم. 2- الآية الجامعة لكل خير الناهية عن كل شر. 3- أمر الله بالعدل. 4- حقيقة العدل. 5- شعب الإيمان كلها عدل. 6- الإحسان في الإسلام. 7- الأمر بإيتاء ذي القربى. 8- النهي عن الفحشاء والمنكر. 9- معنى البغي.
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، فتقوى الله خير زادٍ ليوم المعاد.
واعلموا ـ عباد الله ـ أنَّ خيرَ الموعظة آياتٌ من كتاب الله، أو أحاديث رسول الله. فآيات القرآن الكريم توقظ الغافلين، وتعلّم الجاهلين، وتزجر المذنبين، وتحيي رجاءَ الخائفين. آياتُ القرآن العظيم تطهِّر القلوب، وتزكِّي النفوس، وتهذِّب الأخلاق، وتصلح الأحوال، وتشدّ أواصر الروابط بين المجتمع، وتزجر عن الخبائث والرذائل، وتحثّ على الأعمال الصالحة والفضائل.
وإن آيةً من كلام الله تعالى كثيرًا من نسمعها بآذاننا ونتلوها بألسنتنا، فحقٌّ علينا أن نتدبّر معانيَها بقلوبنا، ونعملَ بها بجوارحنا، تلك الآية الجامعة لكل خير الناهية عن كل شر هي قوله تعالى: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] .
لولا أمرُ الله بكلِّ خير ونهيُه عن كل شر، ولولا بيانُ الحلال والحرام، ولولا العلمُ بالحق والباطل وتشريع الأحكام والإيمان، لكان بنو آدم أضلَّ من البهائم، كما قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ?لأَلْبَـ?بِ [الزمر:9] ، وقال تعالى: أَفَنَجْعَلُ ?لْمُسْلِمِينَ كَ?لْمُجْرِمِينَ [القلم:35] ، وقال عز وجل: أَمْ نَجْعَلُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ كَ?لْمُفْسِدِينَ فِى ?لأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ?لْمُتَّقِينَ كَ?لْفُجَّارِ [ص:28] ، وقال عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ?لْجِنّ وَ?لإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَ?لأَنْعَـ?مِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْغَـ?فِلُونَ [الأعراف:179] .
إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ [النحل:90] ، يأمر الله بالعدل أمرَ فرض وإيجاب، والعدلُ هو الحق الواجب لله تعالى، أو الواجبُ للخلق، فكلُّ مأمور به شرعًا فهو عدل وحق، سواء كان الأمر فرضًا واجبًا أو مستحبًا، فِعلا كان أو قولًا. والعدل هو الخيارُ الوسط.
وأعظم شيء أمر الله به عبادةُ الله وحدَه لا شريك له وتوحيدُه، ثم القيامُ بحقوق الخلق، قال الله تعالى: وَ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا وَبِذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْجَارِ ذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْجَارِ ?لْجُنُبِ وَ?لصَّـ?حِبِ بِ?لجَنْبِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء:36] .
وشُعبُ الإيمان كلُّها انتظمتها هذه الآيةُ العظيمة، المنوَّه عنها في قوله: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) )رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [1] ، لأن كلَّ شعبة من شعب الإيمان عدلٌ وحق وخيار ووسط فاضل.
والإحسان من العدل المأمور به، لكنَّه ذُكر لعظم منزلته، وعموم نفعه في الدنيا والآخرة، من باب ذكر الخاص بعد العام.
والإحسان في الإسلام يعمّ الإحسانَ إلى النفس كما قال: (( وأن تكفّ شرّك عن الناس، فإن ذلك صدقة منك على نفسك ) )رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه [2] ، ويعمّ الإحسانَ إلى الخلق.
والإحسان هو بذلُ الخير وكفّ الشر، قال تعالى: وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، وقال تعالى: لاَّ يَنْهَـ?كُمُ ?للَّهُ عَنِ ?لَّذِينَ لَمْ يُقَـ?تِلُوكُمْ فِى ?لدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـ?رِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَـ?كُمُ ?للَّهُ عَنِ ?لَّذِينَ قَـ?تَلُوكُمْ فِى ?لدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـ?رِكُمْ وَظَـ?هَرُواْ عَلَى? إِخْر?جِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [الممتحنة:9] .
والإسلام يأمر بالإحسان والرحمة حتى للبهائم ونحوها، قال: (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء ) )رواه مسلم [3] .
وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? هذا من الإحسان، لكنه ذكرٌ للخاصِّ بعد الخاص؛ لأن الإحسان لذوي القربى أظهرُ أنواع الإحسان إلى الغير.
وإيتاءُ ذي القربى أداءُ حقوقهم الواجبة على المسلم أو المستحبة، وفي الحديث عن النبي: (( من أحب أن يُنسَأ له في أجله، ويُبسط له في رزقه، فليصل رحمه ) ) [4] .
وقوله تعالى: وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [النحل:90] ، والفحشاء ما كان قبيحا عقلا، ومنهيًا عنه شرعًا، مما نهى الله عز وجل عنه، وتوعّد عليه بالعذاب. وأعظمُ شيء نهى الله عنه الشرك بالله تعالى في عبادته، كالدعاء والاستعاذة ونحوها، قال تعالى عن لقمان عليه السلام: ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?للَّهِ إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] .
وشعبُ الكفر وشُعب النفاق والكبائرُ كلُّها انتظمها النهي وعمّها في هذه الآية المباركة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: (( الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) )رواه البخاري [5] .
والفحشاء تعمّ الفعلَ كالزنا وعملَ قوم لوط وشربَ الخمر وتعاطي المخدرات، وتعمّ القولَ كالنطق بالكفر والزور والقذف والسب ونحوه، والعجب والأشر والبطر واحتقار الناس ونحوه.
والمنكر ما تُنكره الفطر المستقيمة مما نهى الله عز وجل عنه.
والبغي هو العدوان والظلم للغير بغير حق. ويعظم إثمُ البغي والعدوان إذا كان من قويٍّ على ضعيف، وما من ذنب أسرع عقوبةً في الدنيا مع ما يُدَّخر لصاحبه في الآخرة من العذاب من البغي وقطيعة الرحم.
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ?لْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الإيمان (35) بنحوه.
[2] أخرجه مسلم في الإيمان (84) .
[3] أخرجه مسلم في الصيد (1955) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في البيوع (2067) ومسلم في البر (2757) من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه أيضا البخاري في الأدب (5985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الوصايا (2767) ، وهو أيضا عند مسلم في الإيمان (89) .
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن أجمعَ آية للأخلاق الفاضلة الناهية عن كل شر هي قوله تعالى: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] ) .
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [الأنفال:20، 21] ، وفي الحديث عن النبي: (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم فأتوا منه ما استطعتم ) ) [1] .
عباد الله، إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ). فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...
[1] أخرجه البخاري في الاعتصام (7288) ، ومسلم في الفضائل (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.