العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة
القتال والجهاد, جرائم وحوادث
فريد بن عبد العزيز الزامل السليم
عنيزة
جامع السحيمية
1-حفظ الضروريات الخمس. 2- حفظ الأنس المعصومة. 3- الانحرافات في مفهوم الجهاد. 4- الخلط في قضية التكفير. 5- لتحذير من فتن الشبهات.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واحمدوه على نعمه، وأعظمها هذا الدين القويم، الذي حفظ لكم به حقوقكم، فحفظ الضروريات الخمس، التي بحفظها يكون صلاح الدين والحياة، فحفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال، ورتّبَ على من انتهكها عقوباتٍ رادعة، بحسب قَدر جريمته ونوعها ومقدار قصده لفعهلها، وإنَّ من أعظهما حق النفس، فمن اعتدى على أخيه المسلم أو على المعاهد والمستأمن متعمدًا فقد اقترف ذنبًا عظيمًا، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، جاء في صحيح البخاري أن النبي قال: (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) )، وقد جعل عليه الصلاة والسلام قتل النفس إحدى السبع الموبقات أي: المهلكات، وحصر عليه الصلاة والسلام موجبات قتل النفس بثلاثة أسباب، فقد جاء عنه في الحديث المتفق عليه أنه قال: (( لا يحل دمُ امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ).
أيها الإخوة، إن الشيطان ليزين للعبد السوء فيراه حسنا، وإن من العجب أن تنتهك حرمات الله بإزهاق الأنفس البريئة وإخافة القلوب المطمئنة والإخلال بالأمن باسم الدين، إنها أفكار جانحة ورؤى عشواء، سبحان الله! كيف يرى ذلك دينًا وجهادًا؟! أو كيف يُرى ـ على الأقل ـ ذلك عذرًا مبيحًا؟! فسبحان مقلب القلوب.
أيها الإخوة، إن الفئة التي تقدم على هذه الأعمال من التفجير واستحلال قتل المسلمين، إنها فئة تبنت فكرًا فاستندت إليه، واستمدّت منه أحكامها وأفعالها، وإن أنجع علاج لتصحيح الفكر أن يقابل بالفكر، حتى يقضي عليه، فقد لا يقضي عليه السلاح ولا التهديد والتضييق، بل إن ذلك قد يزيده، ويكون دِعاية له وإشهارًا، ومدعاة للتعاطف مع ذويه، وإنَّ الواجب علينا جميعًا أن نطلب الحق، ونتعلم العلم النافع ليصحّح كلٌّ منا منهجه وفكره وسلوكه.
أيها المسلمون، إن ثمةَ قضايا كثُر الخلط فيها في هذا الزمان، بسبب الفتن المحدقة وقلة العلم الشرعي، وبسبب الواقع المحزن للأمة، فأحدث الخلط فيها والجهل انحرافات ومصائب، ومن تلك القضايا قضية الجهاد في سبيل الله، فإنها قضية عظيمة، غلا فيها بعض الناس، فأرادوا الجهاد، في وقتٍ لم تكتمل فيه شروطه، فإن من الشروط المهمة القدرة عليه؛ لأن الله تعالى رحيم بعباده، لا يكلّفهم إلا ما يسعهم، ولذا لم يشرع الجهاد في مكة حينما كان المسلمون في وقت ضعف وقلّة، فلما كان للمسلمين شوكة أمرهم به، وذلك بعد الهجرة إلى المدينة، كما أنه تعالى خفف عن عباده، فأجاز للمسلمين أن يفرّوا إذا كان العدوّ أكثر من ضعفهم، قال تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66] ، جاء في تفسير ابن كثير فيما ينقله عن ابن عباس رضي الله عنه أنهم إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفرّوا، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم الفرار. (تفسير القرآن العظيم 2/428) .
وفي مقابل الغلو في الجهاد يعطّل فئام من الناس هذه الفريضة، بترديدهم أن (لاَ إكراهَ في الدين) ، وأن الإسلام دين السلام والأخوة والتسامح، وهذا صحيح، ولكن لكلٍّ وقته وزمانه، فإذا كان للمسلمين القدرة على الجهاد وجب عليهم إعلاءً لكلمة الله ونشرًا لدينه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] ، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] . فإذا فتحت البلاد وصارت تحت إمرة المسلمين فلا إكراه في الدين وقتئذ، فمن لم يرد الدخول فيه فلا يجبر، ولكن تؤخذ منه الجزية حسب استطاعته واقتضاء المصلحة لذلك.
عباد الله، وإنّ من القضايا التي اختلط فهمها على الناس قضية التكفير؛ إذ حكمت بعض الطوائف بكفر كلّ من ارتكب أمرًا مكفِّرًا، ونسب إلى بعض علماء أهل السنة أنهم يكفّرون المسلمين، ومرجِع الخطأ والخلط في هذه القضية ـ والله أعلم ـ إلى أمر مهم، وهو عدم التفريق بين تكفير المقالة أو الفعل وتكفير العين، فإذا قيل: إنّ من فعل ذلك الفعل أو قال ذلك القول فإنه يكفر فليس معناه أن فلانًا الذي قاله كافر، فلا يحكم بكفره إلا بعد قيام الحجة مِن تحقق شروط الكفر وانتفاء موانعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن بعض الغلاة من أهل الفرق:"والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها والتي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول أنها كفر، وكذا أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين فهي كفر أيضًا، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم المقتضي الذي لا معارض له... ولهذا لم يحكم النبي بكفر الذي قال: إذا أنا متّ فأحرقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبنّي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، مع شكّه في قدرة الله وإعادته"اهـ. (مجموع الفتاوى 28/500) .
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، إنه سميع مجيب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله معين من استعانه، وناصر من ينصره، أحمده وأشكره، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعتصموا به وتوكلوا عليه، واسألوه أن يعصمكم من الفتن، فإن أعظم ما يعصف بالدين أن يفتن الإنسان فيه، بأن يُزَيَّنَ له السوء، فيرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، أو أن يشتبه عليه الأمر فيعمل بالهوى، أو يتّبع أصحاب الهوى فيضلّ ويزلَقَ في مزالق المعصية والخطيئة، نسأل الله أن يحفظ عقولنا وأفكارنا من الغيّ والظلم والضلال، اللهم إنا نسألك أن تهدي ضالّ المسلمين، اللهم اهد ضالّ المسلمين، اللهم اكفنا شرّ كلّ صاحب شرّ، اللهم احفظ ديننا وأمننا وعافيتنا وبلادنا.
اللهم إنا نسألك في هذا المقام أن ترحم إخواننا الذين قتلوا ظلمًا وعدوانًا، اللهم ارحمهم، اللهم اغفر لهم، وأصلح ذرياتهم، واجعلهم خلفاء صالحين، اللهم اجبر كسر والديهم وأراملهم يا أرحم الراحمين.
عباد الله، وإن من الخلط العظيم والخطأ البين أن يتَّهم بالإرهاب والعدوان من يدافع عن دينه وكرامته وحريته، إنها مآسٍ ظاهرة ومصائب ونكبات، طالت الأمة لما هانت على الناس، نسأل الله أن يعين المسلمين على رفع الهوان عن أنفسهم، اللهم أعنا على أعدائنا، اللهم أيّد إخواننا المسلمين في العراق وفي فلسطين وفي سائر بلاد المسلمين، اللهم دمّر من اعتدى على إخواننا المسلمين من اليهود والنصارى والمنافقين والملحدين، اللهم بدِّل قوّة أمريكا التي سلطَتها على عبادك المؤمنين، اللهم أبدلها ضعفا، وبدل أمنها خوفا، اللهم وكلّ من شايعها وأمدّها، اللهم احفظ شبابنا، اللهم اهدهم للتفقّه في دينك، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
عباد الله، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ عباد الله ـ وسلموا على أزكى البرية أجمعين، محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم...