فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 5777

طرق زيادة محبة النبي صلى الله عليه وسلم

قضايا في الاعتقاد

الاتباع

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-شروط قبول العمل. 2- أداء الواجبات وترك المنهيات أول طريق الجنة. 3- فعل النوافل

سبب في رفعة الدرجات. 4- اتباع النبي في سائر أفعاله وأحواله دليل محبته.

أيها الإخوة: كما ذكرنا سابقًا أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تتناسب تناسبًا طرديًا مع الإيمان، فكلما زاد الإيمان في قلب العبد زادت محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وكلما نقص الإيمان نقصت المحبة، فعلى العبد المؤمن أن يسعى بكل طاقته وقدر استطاعته إلى زيادة الإيمان في قلبه بفعل المأمورات وترك المنهيات، وأول خطوة نحو تحقيق ذلك، بل وأسه وأساسه، تحقيق العبودية لله وتحقيق المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بتحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا يقوم العبد المؤمن بأي عبادة ويرجو من الله قبولها، إلا بتحقيق الإخلاص لله عز وجل، واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويجعل نصب عينيه أن أي عمل دخله شيء من الشرك الأكبر أو الأصغر، فإن ذلك العمل غير مقبول، وأن أي عمل ليس موافقًا لسنة وهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فإن ذلك العمل مردود وغير مقبول، ويستيقن العبد المؤمن في نفسه أن الشرك الأكبر يبطل جميع الأعمال، قال تعالى في خطابه لسيد الموحدين صلى الله عليه وسلم: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين فالعبد المؤمن يحقق معنى العبودية، بالإخلاص في جميع أحواله، فلا يدعو إلا الله ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوجه بقلبه في أي عبادة ظاهرة كالحج والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات إلا لله وحده.

وكذلك في العبادات الباطنة، كالخشية والرغبة والرهبة والخوف والرجاء والإنابة وغيرها من العبادات، لا يصرفها إلا لله وحده سبحانه وتعالى، مستيقنًا أن الله على كل شيء قدير، وأنه بيده ملكوت السموات والأرض، وأنه لو اجتمع من في الأرض على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، أو على أن يضروه بشيء لن يضروه بشيء إلا قد كتبه الله عليه، وأنه سبحانه وتعالى بيده الإحياء والإماتة، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الشفاعة لا تكون يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن الله للشافع، وأن يرضى عن المشفع فيه، وأنها لا تكون إلا لعباده المؤمنين الموحدين، لمن كان مطيعًا لكل ما أمر الله به ولكل ما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، متبعًا للحلال، مجتنبًا للحرام، متورعًا ومتنزهًا عن الشبهات، وإذا ألمّ بشيء عاد وأناب، وإلى الله تاب، جاعلًا سنة النبي في بؤرة اهتماماته، إذا أراد أن يصلي اقتدى بالنبي في كيفية الصلاة، وإذا أراد أن يحج اهتدى بهداه، وكذلك في سائر العبادات، فلا يدعو إلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر الله في صلاته أو حجه أو طرفي النهار، إلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي عليه إلا بالصلاة الثابتة التي علمها لأصحابه وبالطريقة والكيفية والعدد الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، ويتشبه به صلى الله عليه وسلم في مظهره ومخبره، في أكله وشربه، في نومه ويقظته، في استقباله للضيوف والزوار، ومعاشرته لزوجاته وذريته، في تحقيق سنن الفطرة، وفي جهاده وسلمه، وفي كل شؤونه، بل وفي المباحات إن أمكن، مثل أكل الدباء وشرب العسل والشراب البارد الحلو، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب ذلك، فكان يحب أكل الدباء، كما جاء في رواية أنس رضي الله عنه الثابتة الصحيحة التي ذكر فيها تتبع النبي للدباء في الصحفة، فبعد أن روى كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب أكل الدباء، يقول أنس فما زلت أحب أكل الدباء منذ ذلك اليوم.

وكذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب شرب العسل ويحب الشراب البارد الحلو، فكلما كان المسلم محققًا العبودية لله متبعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ومتشبهًا بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع شؤون حياته وعباداته، سالكًا في ذلك سبيل المؤمنين، الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فإنه ستزداد محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه، لا يشك في ذلك أحد أبدًا.

وإن مما يزيد الإيمان في القلب فيزداد بزيادته حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباع كل طريق لزيادة الأجر والثواب، وكل طريق يؤدي إلى الجنة ويباعد عن النار.

وأول الطرق هو أداء الواجبات وترك المعاصي والمنكرات، فإن الله عز وجل يحب أن يتقرب إليه عبده بالفرائض، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضتُ عليه...

ولا يخفي على أخوتي الأحبة قصة ذلك الأعرابي الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام، فحينما سأل عن الصلاة، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلوات الخمس المفروضة، فقال الأعرابي: وهل علي شيء غير ذلك؟ قال: (( لا، إلا أن تطوع ) )وهكذا عن بقية العبادات أخبره النبي صلى الله عليه وسلم عنها، والأعرابي يسأل: وهل علي شيء غير ذلك؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا، إلا أن تطوع ) )، فيقول الأعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أفلح إن صدق ) )وفي رواية أنه قال صلى الله عليه وسلم: (( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) ).

وجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليتُ المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: (( نعم ) ).

إذًا أول طرق كسب الثواب لدخول الجنة هو أداء الفرائض، والبعد عن المحرمات، ثم بعد أداء الواجبات، تأتي النوافل والمستحبات، لمن أراد الرفعة في الدرجات، ومن تلك النوافل: السنن الرواتب، وصلاة الليل وصلاة الوتر وركعتي الضحى وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام الأيام البيض من كل شهر، وصيام عاشوراء، وصيام يوم التاسع من ذي الحجة لغير الحاج، وذكر الله بعد الصلوات، وفي الصباح والمساء، وعند دخول المنزل وعند الخروج منه، وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وكذلك عند قضاء الحاجة، وعند قضاء الوطر، وعند الطعام والشراب، وعند النوم، وعند السفر، وفي أوقات وأمكنة كثيرة، وفي أحوال مختلفة، كما هو وارد في كتب السنة، التي جمعت هذه الأذكار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون زيادة أو نقص، ثم تأتي أعمال البر الأخرى التي لا تخفى على جميع المسلمين، والتي أدناها: إماطة الأذى عن الطريق.

فيا أيها الإخوة: إذا سلك المسلم الطريق الصحيح مقتديًا بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، مهتديًا بسنته، محققًا العبودية لله تعالى، فإنه سيشعر بزيادة حبه للنبي صلى الله عليه وسلم في قلبه، لأنه يستشعر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه جالس في مسجده يعلم الناس الخير، ونحن نتلقى هذا العلم ونطبقه في حياتنا، دون زيادة أو نقص، فلا نسبقه صلى الله عليه وسلم برأي ولا استحسان، بل نسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم وعن سنته فنتبعها، وبعد أن نطلع على سنته الثابتة الصحيحة، نقبلها فورًا ونطبقها بلا تردد، محققين قول الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ، ومطيعين لأمر الله تعالى الذي قال: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون فمن دعا إلى أمر من أمور العبادات لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقد رفع صوته فوق صوت النبي، وشاق الرسول صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله، أما المؤمن المحب للنبي صلى الله عليه وسلم تجده دائمًا متبعًا له مستجيبًا لأمره، ومطيعًا لشرعه محققًا قول الله تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون.

بهذا يُعرف المحب الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تزداد محبته في القلوب، فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، فحال المحبين تتنقل في دائرة السنة، والتي تكون في حالة الفتور مقتصرة على أداء الواجبات وترك المحرمات، وفي حالة الشدة والقوة تكون ملتزمة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، التزامًا حرفيًا دون زيادة أو نقص، فالمحب للنبي صلى الله عليه وسلم المحبة الإرادية الشرعية يكون هواه تبعًا لما جاء به محبوبه، فبه يقتدي، وعلى نهجه يسير، ولا يحيد عن ذلك قيد أنملة.

(( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ).

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت