الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة
أحمد بن عبد السلام مارسو
سانت لويس
المركز الثقافي
1-بيان معاني الخطيئة والتوبة واليسر والترك. 2- صفة التوبة النصوح. 3- التحذير من إتيان المعاصي. 4- التوبة لا يحجبها إلا الموت أو طلوع الشمس من مغربها. 5- التوبة منحة إلهية وتوفيق من الله.
قال الله تعالى: يُرِيدُ ?للَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَ?للَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ?لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ?لشَّهَو?تِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ ?للَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ?لإِنسَـ?نُ ضَعِيفًا [النساء:26-28] ، وقال رسول الله: (( كل بن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ) [رواه الترمذي عن أنس وحسنه الألباني] .
التعريف: الترك هو الاجتناب امتثالًا لأمر الله.
والخطيئة تطلق على الذنب والسيئة والمعصية، والمعنى:الخروج عن الأمر والطاعة لمن تجب طاعته ـ الله تعالى ـ بطاعة شرعه الذي أنزله على رسوله محمد.
والتوبة: هي الرجوع عن الذنب والسيئة والمعصية، وتاب إلى الله: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، وتاب الله عليه وفقه لها. ورجل تواب: تائب إلى الله، والله عز وجل تواب، يتوب على عبده.
واليسر هو: اختيار أسهل الطرق وأولاها بالفعل أو الترك.
فطلب التوبة يتطلب أولًا: الاعتراف بالمعصية والسيئة والذنب.
ثانيًا: اليقين بالعقوبة التي تستحقها عدلًا على عصيانك.
ثالثًا: معرفة الجهة التي في يديها العقاب عظمتها وقدرتها وقوتها لا يمكن الخروج من سيطرتها ولا يشفع لك أحد إلا بإذنها، وهي حرة في أن تسامحك أو تعاقبك تملك كل ذلك! لا يناقشها أحد ولا تسأل عما تفعل، قال الله تعالى: وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .
رابعًا: أن تتبع التوبة بعمل صالح تبرهن به على صدق توبتك وعزمك على عدم الرجوع. قال تعالى: وَإِذَا جَاءكَ ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَـ?تِنَا فَقُلْ سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ ?لرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:54] .
أما ترك الخطيئة فهو بذل الجهد في الفعل والقول أن يكون طبقًا للشريعة طاعة لله ورسوله ، فإن وقع خطأ أو نسيان ليس عن عمد أو فوق الطاقة فالله عز وجل علمنا دعاء نلتجأ به إليه دائمًا: لاَ يُكَلّفُ ?للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ?كْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَ?عْفُ عَنَّا وَ?غْفِرْ لَنَا وَ?رْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَـ?نَا فَ?نْصُرْنَا عَلَى ?لْقَوْمِ ?لْكَـ?فِرِينَ [البقرة:286] ، وقال رسول الله: (( تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ) [الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس] .
فترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة قال الحسن البصري رحمه الله: يا بن آدم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. [الزهد لابن حنبل] ، لأن الله تحمل عنك الاستكراه والنسيان والخطأ الغير المتعمد ورفع عنك الحرج مَا يُرِيدُ ?للَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَـ?كِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6] ، وقال فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ) ) [البخاري ومسلم] ، وأيضًا قال في ما يرويه عن ربه: (( يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ثم لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة ) ) [النسائي] .
وقال: (( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، وقال: من أنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ) ) [ابن حبان] .
أخي المؤمن، أختي المؤمنة: إن الله يحب أن يرى عبده محتاجًا إليه متوسلًا إليه بالطاعات راغبًا في مرضاته خائفًا من عذابه مستعملًا جهده في كل ذلك فإن وفق كان له أجران: أجر التوفيق وأجر الجهد، وإن أخطأ كان له أجر الجهد وعدم الأخذ بالخطأ رحمة ونعمة من الله على عباده.
فإن عصا ورجع إلى مولاه معترفًا بمعصيته خائفًا من عذاب الله وجد الله العلي الحكيم الرحيم عظيم المغفرة يقبل توبة العبد، يخبرنا الله بذلك فيقول: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ?لصَّدَقَـ?تِ وَأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ [التوبة:104] فباب التوبة مفتوح دائمًا، في الليل والنهار، في الشتاء والصيف، فليس على الباب حرس، بل هو باب مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد ولا يغلق في وجه لاجئ، أيًا كان وأيًا ما ارتكب من الآثام.
ولكن للباب قفلان إن أغلقا عليه فإنه لا يقبل الله توبة العبد حينها وهما:
القفل الأول: ورد في قول النبي: (( من تاب قبل أن تطلع الشمس مغربها تاب الله عليه ) )رواه مسلم.
القفل الثاني: ورد في قول النبي: (( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) )الترمذي.
أخي المؤمن أختي المؤمنة، اعلم أن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لم يحب، ولكن الإيمان والتوبة لا يعطيهما الله إلا لمن أحب وبذل السبب.
فكن ممن أحب الله، وآمن به، واطلب منه أن يوفقك لتوبة نصوح، واجعل قدوتك في ذلك إبراهيم عليه السلام حين قال: رَبَّنَا وَ?جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ [البقرة:128] ، يقول المراغي في تفسيره: [وَتُبْ عَلَيْنَا] أي وفقنا للتوبة لنتوب ونرجع إليك من كل عمل يشغلنا عنك. فالتوبة من توفيق الله، فاسأل الله أن يوفقك للتوبة، ولا تنس في ذلك الاقتداء بالنبي فهو من أعظم المجتهدين إلى الله بالتوبة والاستغفار حيث قال: (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة ) ).
فاحرص أخي التائب أن تدعو الله بأن يوفقك لتوبة نصوح.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
لم ترد.