الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-الإسلام دين الأخلاق السامية. 2- نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه. 3- فضل محبة المسلم لأخيه ما يحب لنفسه. 4- من أخلاق اليهود. 5- واجب نشر العلم والدعوة إلى الخير. 6- التواضع وهضم النفس.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، فتقوى الله هي المنجية من عذابه الموصلة إلى جنته وثوابه، وهي وصية الله للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ.
عباد الله، ثبت في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، وعند الإمام أحمد: (( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير ) ).
هذا الحديث فيه خلق من الأخلاق السامية الرفيعة التي جاء الإسلام بها وغرسها في قلوب المؤمنين، هذه الأخلاق التي تزيد الألفة والمحبة بينهم، وتجعلهم سواسية، يعطف كبيرهم على صغيرهم، ويحنو غنيهم على فقيرهم.
وهذا الدين الإسلامي هو دين الأخلاق، كما ثبت عن النبي أنه قال: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) )، وكان خلقه صلوات الله وسلامه عليه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها، والله يقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
في هذا الحديث نفى النبي الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمراد بنفي الإيمان هنا نفي كماله وبلوغِ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرًا ما ينفى لذهاب بعض أركانه وواجباته، وليس المراد أنه يذهب جميع إيمانه. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان، قال الله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ، وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ.
وقول النبي: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )دليل على أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه بذلك.
عباد الله، محبة الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه دليل على قوة إيمانه بالله وثقته بما عنده، ففضل الله واسع يسع جميع الناس، فمهما أخذ أخوك من الخير فلن يضرك.
محبة الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه موصلة إلى الجنة، ففي الحديث أن النبي قال لرجل: (( أتحب الجنة؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فأحب لأخيك ما تحب لنفسك ) )، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي أنه قال: (( من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) ).
من كان مقتديًا بالنبي فليحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ففي الحديث أنه قال لأبي ذر: (( إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مال يتيم ) ).
أما أعداء الله اليهود فإنهم يكرهون للناس ما يحبون لأنفسهم، فقد كانوا يقولون للعرب: يوشك أن يخرج منا نبي فنقاتلكم معه، فلما خرج رسول الله عادَوه وكرهوا ما جاء به؛ حسدًا من عند أنفسهم.
أيها المسلمون، الحسد والنميمة والبغضاء أخلاق تنافي هذا الحديث، فالمتصف بها ليس كامل الإيمان، فعلى المسلم الحذر منها.
وينبغي لمن علم علمًا أو فقهًا أن يبثه في الناس، فيكونوا مثله في هذا العلم، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إني لأمرّ على الآية من كتاب الله فأودّ أن الناس كلَّهم يعلمون منها ما أعلم) ، وقال الشافعي رحمه الله:"وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء".
إذا رأى المسلم في أخيه نقصًا في دينه اجتهد في إصلاحه، فهو يكره ما هو عليه من المعصية، ويرحم صاحبها، فيريد إخراجه منها؛ شفقة عليه أن تمسه النار، قال بعض السلف:"أهل المحبة لله نظروا بنور الله، وعطفوا على أهل معاصي الله، مقتوا أعمالهم وعطفوا عليهم، ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم، وأشفقوا على أبدانهم من النار، لا يكون المؤمن مؤمنًا حقًا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه".
عباد الله، اجتهدوا فيما يقربكم إلى الله ويجعلكم من أهل محبته ورضاه، وتنافسوا في الأعمال الصالحة، ففيها فليتنافس المتنافسون.
أقول قولي هذا...
الحمد لله الذي جمع قلوب المؤمنين على الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الديان، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل البر والإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، فمن اتقى الله جعل له نورًا يفرق به بين ما يبغضه ويرضاه.
عباد الله، يقول بعض السلف: ينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية، فيستفيد بذلك أمرين نفيسين، أولهما: الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها، وثانيهما: النظر إلى نفسه بعين النقص.
وينشأ من هذين الأمرين أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه، بل هو يجتهد في إصلاحها، وقد قال محمد بن واسع أحد التابعين لابنه: أما أبوك فلا كثَّر الله في المسلمين مثله.
فمن كان لا يرضى عن نفسه فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم، بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرًا مما هو عليه، يقول بكر بن عبد الله المزني وهو واقف بعرفة ينتقص نفسه: لولا أني معهم لقلت: إن الله غفر لهم. فانظر كيف ازدرى نفسه، فنظر إليها بعين النقص، ونظر إلى المسلمين بعين الكمال.
فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا للمسلمين ما تحبون لأنفسكم.
ثم صلوا وسلموا على خير البرية...