الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
محمد بن إبراهيم حسان
المنصورة
غير محدد
1-الميزان يوم القيامة 2- ما الذي يوزن في الميزان 3- الأعمال التي تُثقل الميزان
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع اللقاء الثامن عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاءات الخمسة الماضية على التوالي مع البشرية كلها وهي تقف كلها على بساط العدل في ساحة الحساب بين يدى الملك جل جلاله، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب بها الله في ساحة الحساب، وتعرفنا على أول أمة ينادى عليها لتحاسب بين يدي الله جل وعلا، وتعرفنا على أول من يقضي الله بينهم وعلى أول ما يحاسب عليه العبد، وعلى أول حق من حقوق العباد يقضي الله فيه بين الخلق، ثم تعرفنا في اللقاء الماضي على أصناف الناس فقلنا بأن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه ويحاسبه الله حسابًا يسيرًا، ومن الناس من يأخذ كتابه بشماله وراء ظهره ويحاسبه الله حسابًا عسيرًا.
ومن الناس من يدخل مباشرة من غير حساب ولا عذاب.
هل يا ترى بانتهاء الحساب تنتهي أهوال القيامة؟!!
كلا..!! كلا..!!
بل إذا انقضى الحساب أمر الله جلا وعلا أن ينصب الميزان فإن الحساب لتقرير الأعمال، وإن الوزن لإظهار مقدارها ليكون الجزاء بحسابه وليظهر عدل الله للبشرية كلها في ساحة الحساب فتوزن أعمال المؤمن لإظهار فضله، وتوزن أعمال الكافر لإظهار خزيه وذله على رؤوس الأشهاد وما ربك بظلام للعبيد.
والآن نسأل...
ما هو الميزان ؟!
ما الذى يوزن فيه؟!!
ما هي الأعمال التى تثقل في الميزان يوم القيامة؟!!!
هذه الأسئلة الثلاثة هي موضوع لقاءنا مع حضراتكم، والله أسأل أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أولًا: ما هو الميزان؟!
الميزان على صورته وكيفيته التى يوجد عليها الآن من الغيب الذى أمر الصادق المصدوق أن نؤمن به من غير زيادة ولا نقصان، وهذه هى حقيقة الإيمان، فيا خسران من كذب بالغيب وأنكر وضع الميزان، وقدح في آيات الرحيم الرحمن واستهزاء بكلام سيد ولد عدنان، ثم تطاول فقال قول ملحد خبيث جبان:"لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال أو الفوال"وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا ( [1] ) .
لأنه بجهله وغبائه وانغلاق قلبه ظن أن ميزان الآخرة كميزان الدنيا، ومن البدهي أن جميع أحوال الآخرة لا تكيف أبدًا ولا تقاس البتة بأحوال الدنيا، ولقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله إجماع أهل السنة على: الإيمان بالميزان وأن الميزان له لسان وكَِفتان - بكسر الكاف وفتحها واللغتان صحيحتان - وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة.
وقال الإمام بن أبى العز الحنفى في شرح العقيدة الطحاوية المشهورة قال:"والذى دلت عليه السنة أن الميزان الذى توزن به الأعمال يوم القيامة له كفتان حسيتان مشاهدتان"أ.هـ ( [2] ) .
والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.
أيها المسلم لا يعلم حقيقة الميزان وطبيعة الميزان وكيفية الميزان إلا الملك الرحمن، وإلا فهل تستطيع أن تتصور ميزانا يوضع في يوم القيامة يقول فيه المصطفى: (( لو وزنت فيه السموات والأرض لوزنها ) ).
كيف تصور هذا الميزان؟!
ففى الحديث الذى رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم وأقر الحاكم الذهبى بل وصحح إسناد الحديث الألبانى في السلسلة الصحيحة من حديث سلمان الفارسى أن الحبيب النبى قال: (( يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوزنهما، فإذا رأته الملائكة قالت: يارب لمن يزن هذا؟ قال: لمن شئت من خلقى، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ) ).
تأمل.. لقد عرفت الملائكة أنها ما عبدت الرحمن حق عبادته من شدة الهول والرعب، فإن مشهد الميزان من أرهب مشاهد القيامة فالميزان حق، قال جل وعلا وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] .
بين الله تعالى أنه يضع الموازين بالقسط (أى بالعدل) وكفى بالله جل وعلا حسيبا، والراجح من أقول أهل العلم أن الميزان يوم القيامة ميزان واحد.
فما جوابك على الجمع في قوله تعالى ونضع الموازين الراجح من أقوال العلماء أن الجمع في الآية باعتبار تعدد الأوزان أو الموزون، لأن الميزان يوزن فيه أشياء كثيرة، وبين الملك العدل أن الميزان إن ثقل لو بحسنة واحدة فقد سعد صاحبها سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف الميزان ولو بسيئة واحدة فقد شقى صاحبه شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا، قال جل وعلا: فَإذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:101-104] .
انظر إلى دقة عدل الملك وسعة فضله؛ من ثقل ميزانه ولو بحسنة واحدة سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبدًا، ومن خف ميزانه بأن كان من أهل الشسرك شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدًا، أما من استوت موازينه، أي استوت حسناته مع سيئاته، فهو على الراجح من أقوال العلماء من أهل الأعراف الذين قصرت بهم سيئاتهم فلم يدخلوا الجنة ومنعتهم حسناتهم من أن يدخلوا النار، يحبسون على قنطره بين الجنة والنار، إذا التفت أهل الأعراف إلى أهل الجنة سلموا عليهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: 46 ] .
أى لم يدخلوا أهل الأعراف الجنة وهم يرجون رحمه الله، ويطمعون أن يدخلوا الجنة، وإذا التفتوا إلى الناحية الأخرى ورأوا أهل الجحيم تضرعوا إلى الملك العليم ألا يجعلهم مع القوم الظالمين.
قال جل وعلا: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإذا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف:46-47] .
إذا أيها المسلم الموحد حرى بك إذا ما تعرفت على أقسام الموازين الثلاثة ألا تحتقر أى عمل صالح ولو قل، وألا تستهين بمعصية واحدة ولو صغيرة، فاعلم أنه بحسنة واحدة يثقل الميزان وبسيئة واحدة يخف الميزان، بل بكلمة واحدة نقاد إلى رضا الرحمن، وبكلمة واحدة ننال سخط الجبار.
ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى قال: (( إن العبد ليتكلم بكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالًا يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالًا فيهوى بها في جهنم ) ) ( [3] ) .
قد يستهين كثير منا بخطورة الكلمة، وكم من كلمات أشعلت حروبًا بين أمم ودول !! وكم من كلمات أطفأت حروبًا بين أمم ودول.
يا صاحب الكلمة اعلم علم اليقين أن كلمة تدخل المرء في دين الله، وكلمة تبنى بيتًا وكلمة تهدم بيتًا، وكلمة تحل فرج امرأة لرجل، وكلمة تحرم فرج امرأة لرجل.
فالكلمة لها خطرها الجسيم في دين الله فبكلمة تنال الرضوان، وبكلمة تتعرض لسخط الرحمن، فحسنة تثقل ميزان العبد وتدخله الجنة وسيئة تخف ميزان العبد وتدخله النار، لذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبى ذر أن النبى قال: (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقَ أخاك بوجه طلق ) ) ( [4] ) .
لا تقل هذا عمل بسيط، هذه طاعة صغيرة أو حقيرة، فكم من عمل صغير عظمته النية !! وكم من عمل عظيم حقرته النية!!
فلا تحقرن من المعروف شيئًا فإن عجزت فإنك لن تعجز أيها المسلم أن تهش وتبش في وجه إخوانك، فما من بيت تخلو منه المشاكل، فابتسامتك هذه التى تحتقرها من الممكن أن تسعد قلب حزين، فابتسامتك هذه ممكن أن تزيل ألم أخيك النفسى، فما ذنب أخيك أن تلقاه بوجه عبوس كئيب.
بل لقد أخبرنا الصادق المصدوق ، كما في الصحيحين من حديث أبى هريرة: (( أن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطوف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها(أى أنها استقت له من البئر، والموق هنا هو الخف) فغُفِر لها )) ( [5] ) .
أود أن أقول: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟!
نعم نحتاج إلى رحمة، نحتاج إلى رفق، فالرحمة والرفق لا يهدمان ولا يفسدان أبدًا، والشدة والعنف يهدمان ويفسدان، هذه سنة الله في خلقه، ما كان الرفق في شىء إلا زانه وما نزع الرفق من شئ إلا شانه.
ففى الصحيحين البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: (( عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار قال: فقال - والله أعلم - لا هى أطعمتها ولا سقتها حين حبستها ولا هى أرسلتها تأكل من خشاش الأرض ) ) ( [6] ) .
لذا يأمرنا الصادق المصدوق كما في الصحيحين من حديث عدى بن حاتم يقول: (( اتقوا النار، ولو بشق تمره ) ) ( [7] ) .
فقد ينجو العبد من النار بشق تمرة، فإن ثقل الميزان بحسنة سعد العبد بعدها سعادة لا شقاوة بعدها أبدًا، وإن خف الميزان ولو بسيئة شقى العبد شقاوة لا سعادة بعدها أبدًا، وإن تساوت الموازين فهو من أهل الأعراف والراجح من أقوال أكثر أهل العلم أن الله جل وعلا يتغمدهم برحمته فيدخلهم الجنة.
ثانيًا: ما الذى يوزن في الميزان؟
أيها الأحبة في الله:
لقد اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على ثلاثة أقوال، فأعرنى قلبك وسمعك جيدًا فإن الموضوع منهجى دقيق يحتاج إلى حسن متابعة.
أولًا: القول الأول
إن الذى يوزن في الميزان هو الأعمال ذاتها - أى أعمال العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وبر وصدقة وغير ذلك من الطيبات الصالحات.
ولكن رفض البعض وقالوا: هذه الأعمال أعراض لا أجسام، والأعراض لا توزن ولا توضع في الميزان، فكيف توزن الصلاة وهى ليست حجم؟! وكيف توزن الزكاة وهى كذلك؟! فكيف تقولون بأن الأعمال هى التى توزن يوم القيامة؟!
والجواب: أن الله جل وعلا يوم القيامة يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان يخف الميزان ويثقل بحسب الحسنات والسيئات.
والأدلة على ذلك من السنة الصحيحة كثيرة فتدبر معى، أزف إليك سيلًا من الأدلة الصحيحة من السنة.
روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال: (( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) ) ( [8] ) .
انتبه يا مسلم الرسول يقول كلمتان عرض وليس جسمًا بهما يثقل الميزان.
بل في الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان وصححه شيخنا الألبانى في مشكاة المصابيح من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه أن النبى قال: (( ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق ) ) ( [9] )
فحسن الخلق أثقل شىء في ميزان العبد يوم القيامة، بل وأخبرنا الصادق المصدوق أن القرآن الكريم يأتى يوم القيامة ليقف أمام العبد بين يدى الله جل وعلا على هيئه غمامة، أى على هيئه ظلة على رأس العبد يوم القيامة ليشفع له أمام الله، بل ويحاج القرآن عن العبد بين يدى الحق تبارك وتعالى.
اسمع ماذا قال المصطفى والحديث رواه مسلم من حديث أبى أمامه الباهلى يقول الصادق المصدوق: (( اقرؤوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طيرصواف، تحجان عن صاحبهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركه وتركها حسره ولا تستطيعها البطله(السحرة) )) ( [10] ) .
وفى صحيح مسلم يقول المصطفى: (( يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان وبينهما شرف أو كأنهما غمامتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما ظلة من طيرصواف تحاجان عن صاحبهما ) ) ( [11] ) ، أى بين يدى الله جل وعلا.
كل هذه أدلة من السنة الصحيحة على أن الأعراض تتحول يوم القيامة إلى أجسام وما استطعنا أن نعى كل هذه الحقائق إلا لأننا أردنا أن نحكم قوانين الآخرة الغيبية بقوانين الدنيا الحسية فعجزنا.
أيها المسلم لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه، فلا يستطيع أحدًا منا الآن أن يعاند أو يكابر أو يمتنع عن الاعتراف بعالم يعيش بيننا، آلا وهو عالم النحل، بل ولا يستطيع أحد منا أن ينكر أن النمل يتكلم بدليل أن الله لما فك رموز لغة النمل لسليمان عليه السلام، فهم سليمان لغة النمل وتجاوب مع النمل، فقد سجل الله في قرآنه العظيم: حَتَّى إذا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ