الرقاق والأخلاق والآداب
مكارم الأخلاق
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-حب الناس للرجل السمح. 2- فضل الرجل السمح. 3- من صور السماحة. 4- التحذير من حسبان السماحة عجزا وضعفا. 5- ذم الخصومة والمراء.
أما بعدُ: فإن مِنَ الأخلاقِ الإسلاميةِ السَّامِيَةِ العَالِيَةِ التي قَلَّت في الناسِ وَقَلَّ مَن يَتَّصِفُ بها خُلُقَ السَّمَاحَةِ، ذلكم الخُلُقُ الجليلُ النَّبيلُ الذي ما اتَّصَفَ به امرُؤٌ إِلاَّ أَجَلَّهُ الآخرون وقدَّرُوهُ وارتاحوا لِلتَّعَامُلِ مَعَهُ وَأَحَبُّوهُ، وما اتَّصَفَ مُتَّصِفٌ بِضِدِّهِ إِلاَّ احتَقَرَهُ الناسُ وَمَقَتُوهُ وَتَبَرَّمُوا مِنَ التَّعَامُلِ مَعَهُ وَكَرِهُوهُ، وَحِينَ تجِدُ امرَأً سَهلًا مُيَسِّرًا يَتَنَازَلُ عَن حَظِّ نَفسِهِ أَو جُزءٍ مِن حَقِّهِ لِيَحُلَّ مُشكِلَةً هُوَ أَحَدُ أطرَافِهَا أَو لِيَطوِيَ صَفحَةً طَالَ الحَدِيثُ فِيها أَو لِيَتَأَلَّفَ قَلبا يَدعُوهُ أَو لِيَستَطِيبَ نَفسَ أَخِيهِ ويأخُذَ بِخاطِرِهِ وَهُوَ قَبلَ ذلك لا يَتَعَدَّى على حَقِّ أَحَدٍ وَلا يُلحِفُ في المُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّجُلُ السَّمحُ الهَينُ اللَّينُ، وَتِلكَ هي سِمَاتُ السَّمَاحَةُ وَالسُّهُولَةُ، وَحِينَ تجِدُ آخَرَ صَعبًا مُعَسِّرًا يُعَانِدُ وَيُخَاصِمُ وَيُمَارِي وَيُجَادِلُ وَيُفَاصِلُ وَيُقَاضِي وَيَتَعَدَّى على حُقُوقِ الآخَرِينَ ولا يُحسِنُ في أَخذِ حَقِّهِ وَلا يَجِدُ المُتَعَامِلُ مَعَهُ مجالًا وَلا مِنهُ تَنفِيسًا فَذَلِكَ هُوَ البَخِيلُ الشَّكِسُ الشَّرِسُ الضَّجِرُ.
وَقَد دَعَا رَسولُ اللهِ بِالرَّحمةِ لِلرَّجُلِ السَّمْحِ في تَعَامُلِهِ، وَأَخبر أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ، وَأَنَّ السُّهُولَةَ وَاللِّينَ سَبَبٌ مِن أَسبَابِ النَّجاةِ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّ اللهَ يُبغِضُ الأَلَدَّ الخَصِمَ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( رَحِمَ اللهُ عَبدًا سمحا إِذَا بَاعَ، سمحًا إِذَا اشتَرَى، سمحًا إِذَا قَضَى سمحًا إِذَا اقتَضَى ) )، وقال: (( إِنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ سَمحَ البَيعِ، سَمحَ الشِّرَاءِ، سَمحَ القَضَاءِ ) )، وقال: (( حُرِّمَ عَلى النَّارِ كُلُّ هَينٍ لَينٍ سَهلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ ) )، وقال: (( إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ ) ). وَحِينَ خَصَّ بِالذِّكرِ السَّمَاحَةَ في البَيعِ وَالشِّرَاءِ وَالقَضَاءِ وَالاقتِضَاءِ فَإِنما مَثَّلَ بِذَلِكَ على صُوَرٍ مِنَ المُعَامَلاتِ اليَومِيَّةِ التي تَقتَضِي قَدرًا كَبيرًا مِنَ السَّمَاحَةِ وَاللِّينِ، وَإِنما نَصَّ على تِلكَ المُعَامَلاتِ المالِيَّةِ لأَنَّ أَكثرَ الخُصُومَاتِ الخِلافِيَّةِ وَالمُلاسَنَاتِ الكَلامِيَّةِ أَكثَرُ مَا تَكُونُ فِيهَا، وَإِلاَّ فَإِنَّ السَّمَاحَةَ مَطلُوبَةٌ في كُلِّ أَمرٍ وَتَعَامُلٍ وَممدُوحةٌ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ وعلى كُلِّ حالٍ.
أيها المسلمون، وَلِلسَّمَاحَةِ في حَيَاةِ النَّاسِ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ، وَمِن تِلكَ الصُّوَرِ التَّنَازُلُ عَنِ الحَقِّ وَرَفعُ الحَرَجِ عَنِ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ السَّمحَ السَّهلَ لا تَطِيبُ نَفسُهُ بِأَن يُحَصِّلَ حَقا لم تَطِبْ بِهِ نَفسُ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَيُؤثِرَ لِذَلِكَ التَّنَازُلَ عنه وَالسَّمَاحَةَ بِهِ وَإِن كان لَهُ، كَمَا أَنَّهُ لِسَمَاحَتِهِ يحرِصُ على عَدَمِ إِيقَاعِ النَّاسِ في الحَرَجِ، وَلا يَشغَلُهُ التَّفكِيرُ بِمَا لَهُ عَنِ التَّفكِيرِ بِمَا عَلَيهِ مِن سَمَاحَةٍ مَعَ إِخوَانِهِ وَتَقدِيرٍ لِظُرُوفِهِم،. في مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمدَ أَنَّ عُثمَانَ رضي اللهُ عنه اشتَرى مِن رَجُلٍ أَرضًا فَأَبطَأَ عَلَيهِ، فَلقِيَهُ فَقَالَ له: مَا مَنَعَكَ مِن قَبضِ مَالِكَ؟ قال: إِنَّكَ غَبَنتَني؛ فَمَا أَلقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلاَّ وَهُوَ يَلُومُني، قال: أَوَذَلِكَ يَمنَعُكَ؟ قال: نَعَمْ، قَال: فَاختَر بَينَ أَرضِكَ وَمَالِكَ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ: (( أَدخَلَ اللهُ عز وجل الجَنَّةَ رَجُلًا كان سَهلًا مُشتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقتَضِيًا ) )، وفي صحيحِ مُسلِمٍ أَنَّ صَحَابِيًا يُدعَى أَبَا اليُسرِ قال: كان لي على فُلانِ بنِ فُلانِ الحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيتُ أَهلَهُ فَسَلَّمتُ، فَقُلتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلتُ له: أَينَ أَبُوكَ؟ قال: سَمِعَ صَوتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلتُ: اُخرُجْ إِليَّ فَقَد عَلِمتُ أَينَ أَنتَ، فَخَرَجَ فَقُلتُ: مَا حَمَلَكَ عَلى أَنِ اختَبَأتَ مِنِّي؟ قال: أَنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ ثم لا أَكذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللهِ أَن أُحَدِّثَكَ فَأَكذِبَكَ، وَأَن أَعِدَكَ فَأُخلِفَكَ، وَكُنتَ صَاحِبَ رَسولِ اللهِ ، وَكُنتُ وَاللهِ مُعسِرًا، قال: قُلتُ: آللهِ، قال: الله، قُلتُ: آلله، قال: اللهِ، قُلتُ: آللهِ، قال: اللهِ، قال: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَال: إِنْ وَجَدتَ قَضَاءً فَاقضِني، وَإِلاَّ أَنتَ في حِلٍّ، ثم ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ رَسولَ اللهِ وهو يَقُولُ: (( مَن أَنظَرَ مُعسِرًا أَو وَضَعَ عَنهُ أَظَلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ ) ).
إِنَّهَمَا صُورَتانِ مُشرِقَتَانِ مِن صُوَرِ السَّمَاحَةِ، تَجَاوَزَ فيهِما هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ عَمَّا لهما ابتِغَاءَ مَا عِندَ اللهِ، ممَّا يَدُلُّ عَلَى اتِّصافِهِما بالكَرَمِ وَسماحَةِ النَّفسِ، وهو الأمرُ الذي يَحرِمُ بَعضُ النَّاسِ نَفسَهُ الأَجرَ حِينَ يَحرِمُ نَفسَهُ مِنَ الاتِّصافِ به، فَتَرَاهُ يُلحِفُ في طَلَبِ حَقِّهِ مِنَ الآخَرِينَ مَعَ عِلمِهِ بِإِعسَارِهِم، وَيُسَلِّطُ لِسَانَهُ عَلَيهِم بِأَقذَعِ السَّبِّ وَأَفحَشِ الشَّتمِ، وَيَكِيلُ لهم مِنَ الكَلامِ مَا غَلُظَ وَقَبُحَ، وَكَأَنَّهُ قَد مَلَكَهُم بِمَا أَقرَضَهُم أَو أَدَانَهُم، غَافِلًا عَن عَظِيمِ أَجرِهِ وَجَزِيلِ ثَوَابِ رَبِّهِ له لَو تَجَاوَزَ عَنهُم وَعَفَا، نَاسِيًا أَنَّ مِن تَوفِيقِ اللهِ لَهُ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأَسبَابِ تَيسِيرِ أُمُورِهِ أَن يُيَسِّرَ على إِخوانِهِ المُعسِرِينَ وَيُنظِرَهُم ويَصبرَ عَلَيهِم، قال: (( كان تَاجِرٌ يُدَايِنُ الناسَ، فَإِذَا رَأَى مُعسِرًا قَال لِفِتيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَن يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنهُ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَن يَسَّرَ عَلى مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدنيا وَالآخِرَةِ ) ).
وَمِن صُوَرِ السَّمَاحَةِ رَدُّ القَرضِ بِمَا هُوَ أَحسَنُ مِنهُ وَأَفضَلُ، وَإِعطَاءُ المُقرِضِ مَا هُوَ أَكمَلُ وَأَغلَى، وهو خُلُقٌ نَبَوِيٌّ كَرِيمٌ، فَقَد كَانَ يَرُدُّ القَرضَ بِخَيرٍ مِنهُ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَلم يَكُنْ يَترُكُ صَاحِبَ القَرضِ يَمضِي إِلاُّ وَهُوَ رَاضٍ عَنهُ، في البُخارِيِّ عن أبي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه أَنَّ رَجُلًا أَتى النبيَّ يَتَقَاضَاهُ بَعِيرًا، فقال رَسولُ اللهِ: (( أَعطُوهُ ) )، فقالوا: ما نَجِدُ إِلاَّ سِنًّا أَفضَلَ مِن سِنِّهِ، فقال الرَّجُلُ: أَوفَيتَني أَوفَاكَ اللهُ، فقال رسولُ اللهِ: (( أَعطُوهُ؛ فَإِنَّ مِن خِيَارِ النَّاسِ أَحسَنَهُم قَضَاءً ) ).
وَمِن صُوَرِ السَّمَاحَةِ وَأَجملِها السَّمَاحَةُ مَعَ الشَّرِيكِ، وهِيَ ممَّا اتَّصَفَ بها نَبِيُّنا حِيثَ كان شَرِيكًا لِلسَّائِبِ بنِ عَبدِ اللهِ في تِجَارَتِهِ قَبلَ البِعثَةِ، وَشَهِدَ لَهُ السَّائِبُ بِذَلكَ في الإِسلامِ حَيثُ قَالَ: كُنتَ شَرِيكِي في الجاهِلِيَّةِ، فَكُنتَ خَيرَ شَرِيكٍ، كُنتَ لا تُدَارِيني وَلا تُمَارِيني. وَالمَعنى أَنَّهُ لم يَكُن يُدَافِعُهُ في أَمرٍ وَلا يُجَادِلُهُ، بَل كَانَ عليه الصلاةُ والسلامُ شَرِيكا سمحًا مُوَافِقا. وَقَد ضَرَبَ اللهُ على الشِّركِ لِقُبحِهِ مَثلًا بِعَبدٍ يَملِكُهُ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ مُتَخَاصِمُونَ مُتَنَازِعُونَ، فَهُوَ حَيرَانُ لا يَدرِي أَيَّهُم يُرضِي، قال سبحانه: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَل يَستَوِيَانِ مَثَلًا الحَمدُ للهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ.
وَمِن أَجَلِّ صُوَرِ السَّمَاحَةِ وَأَعظَمِها السَّمَاحَةُ مَعَ مَن أَسَاءَ والإِحسَانُ إِلَيهِ، وَمِن أَبرَزِ مَوَاقِفِ الرِّجَالِ في ذَلِكَ مَوقِفُ أَبي بَكرٍ الصَّدِيقِ رضي اللهُ عنه حِينَ كان يُنفِقُ على ابنِ عَمِّهِ مِسطَحِ بنِ أُثَاثَةَ رضي اللهُ عنه وَكَانَ مِن فُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا أَثَارَ المُنَافِقُونَ على عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها مَا أَثَارُوهُ مِن قَضِيَّةِ الإِفكِ وَاتَّهمُوهَا بِمَا هِيَ مِنهُ بَرِيئَةٌ، كَانَ مِسطَحٌ ممَّن تَوَرَّطَ في حَدِيثِ الإِفكِ، فَحَلَفَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه أَن لاَّ يُنفِقَ عَلَيهِ بَعدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تعالى بِالعَفوِ وَالصَّفحِ بَادَرَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه وَكَفَّرَ عَن يَمِينِهِ وَعَفَا وَصَفَحَ، وَعَادَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ، فَرَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا أَسمحَهُ وَأَنبَلَهُ! وما أَكرَمَهُ وَأَجزَلَهُ! فَقَد كَانَ ممَّن قال اللهُ فِيهِم: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ.
أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أيها المسلمون، وَلْنُوَفِّرْ أَوقَاتَنَا التي كثيرًا ما تَضِيعُ في المُخَاصَمَاتِ وَالمُنَازَعَاتِ، وَلْنَحفَظْ أُخُوَّتَنَا وَطَيِّبِ علاقاتِنا بِتَعمِيمِ رُوحِ السَّمَاحَةِ فِيمَا بَينَنَا، وَلْنُكنْ لَينِينَ سَهلِينَ مَعَ إِخوانِنا إِيثَارًا لِمَا هُوَ أَغَلى وأبقى عِندَ رَبِّنَا، وَلْنَصبرْ على ذَلِكَ، وَلْنُجَاهِدْ أَنفُسَنَا، فَقَد صَحَّ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: (( الإِيمَانُ الصَّبرُ وَالسَّمَاحَةُ ) )، فَالصَّبرُ عِلاقَةُ العَبدِ مَعَ رَبَّهِ؛ بِالصَّبرِ عَلى طَاعتِهِ وَالصَّبرِ عَن مَعصِيَتِهِ وَالصَّبرِ عَلى أَقدَارِهِ، وَالسَّمَاحَةُ علاقةُ العَبدِ بِأَخِيهِ؛ بِحَيثُ تَغلِبُ عَلَيهَا السُّهُولَةُ وَالمُيَاسَرَةُ وَالسَّمَاحَةُ، وَرَبُّمَا كَانَ مِن حِكمَةِ رَبطِهِ بَينَ الصَّبرِ وَالسَّمَاحَةِ أَنَّ السَّمَاحَةَ تَقتَضِي قَدرًا كَبِيرًا مِنَ الصَّبرِ وَالتَّحمُّلِ، وَهَذَا هُوَ الوَاقِعُ المُشَاهَدُ، فَإِنَّهُ لا يَكُونُ سمحًا سَهلا هَينًا لَينًا إِلاَّ مَن رَزَقَهُ اللهُ الصَّبرَ وَقُوَّةَ التَّحَمُّلِ.
وَإِنَّ مِن تَلبِيسِ الشَّيطَانِ وَأَعوَانِهِ وَوَسوَسَتِهِم أَنَّهُم قَد يَصِفُونَ المُتَسَامِحَ بِالعَجزِ عَن أَخذِ حَقِّهِ، وَيَرمُونَهُ بِالضَّعفِ عَن تَحصِيلِهِ، وَيَتَّهِمُونَهُ بِالخَوفِ مِنَ النَّاسِ وَخَشيَةِ شَرِّهِم، ممَّا يَحمِلُ ضَعِيفَ الإِيمَانِ وَالإِرَادَةِ على الفُجُورِ، أَمَّا المُؤمِنُ القَوِيُّ الصَّابِرُ الوَاثِقُ بِأَنَّ مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبقَى فَإِنَّهُ يختَارُ مَا عِندَ اللهِ، وَيَتَسَامَحُ مَعَ عِبَادِ اللهِ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظلِمُونَ النَّاسَ وَيَبغُونَ في الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ.
أما بعدُ: فاتقوا اللهَ تعالى وأَطيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ.
وَاعلَمُوا أَنَّ السماحةَ خُلُقٌ إِسلامِيٌّ كَرِيمٌ، مَا تحلَّى بِهِ مجتمعٌ إِلاَّ تحابَّ أَفرادُهُ وَتَرَاحمُوا، وَمَا تحابَّ قَومٌ وَتَرَاحمُوا إِلاَّ رَحِمَهُمُ اللهُ، أَمَّا كَثرَةُ الخُصُومَاتِ وَاللَّدَدِ وَحُبُّ الجَدَلِ وَالمِرَاءِ وَالاندِفَاعُ في التَّلاحِي وَالفُجُورِ فَكُلُّ أُولئِكَ ممَّا يَتَنَافى مَعَ السماحَةِ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ ) )، وَالأَلَدُّ هُوَ الكَذَّابُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَن يُكثِرُ المُخَاصَمَةَ فَإِنَّهُ يَقَعُ في الكَذِبِ كَثِيرًا. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( وَمَن خَاصَمَ في بَاطِلٍ وَهُوَ يَعلَمُ لم يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حتى يَنزِعَ ) ).
وَكم تُحرَمُ الأُمَّةُ كَثِيرًا مِنَ الخَيرَاتِ وَكم تُرفَعُ عَنها كَثِيرٌ مِنَ البرَكَاتِ حِينَ يَكثُرُ فِيهَا التَّلاحِي وَتَدِبُّ فِيهَا الخُصُومَاتُ، في الحدِيثِ أَنَّهُ خَرَجَ مِن بَيتِهِ على أَصحَابِهِ فَقَال: (( خَرَجتُ لأُخبِرَكُم بِلَيلَةِ القَدرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَت ) )، وَمِن صِفَاتِ المُنَافِقِ أَنَّهُ إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. أَمَّا المؤمِنُ الكَرِيمُ السَّمحُ فَلا يَلِيقُ بِهِ أَن يَتَعَنَّتَ وَيُجَادِلَ وَيَشتَدَّ، فضلًا عَن أَن يَفجُرَ في الخُصُومَةِ.
وَإِنَّ مِن ظَوَاهِرِ الضَّلالَةِ التي تَفَشَّت في بَعضِ أَفرَادِ الأُمَّةِ وَسَاعَدَ عَلى تَفشِّيهَا قَنَوَاتٌ غُثَائِيَّةٌ فَاجِرَةٌ خَادِعَةٌ مَا يَبرُزُ في تِلكَ القَنَوَاتِ مِن بَرَامِجَ يُجعَلُ فِيهَا الحَقُّ مَعَ البَاطِلِ وَجهًا إِلى وَجهٍ، وَتَكثُرُ فِيهَا المُدَاخَلاتُ التي لا تَمُتُّ إِلى النِّقَاشِ الهَادِفِ وَالحِوارِ البَنَّاءِ بِصِلَةٍ، وَإِنما هِيَ جِدَالاتٌ تَافِهَةٌ وَحِوَارَاتٌ عَقِيمَةٌ، في أُمُورٍ سِيَاسِيَّةٍ أَو قَضَايَا فِكرِيَّةٍ أَو تَوَقُّعَاتٍ غَيبِيَّةٍ، لا يَلبَثُ المُتَحَاوِرُونَ فِيهَا أَن يَنفَضُّوا عَنهَا مُتَبَاغِضِينَ مُتَشَاحِنِينَ، وَلا يَستَفِيدُ المُشَاهِدُ لها إلاَّ أَن يَقُومَ عَنها مُتَزَعزِعَ الثِّقَةِ مُتَلَجلِجَ الأَفكَارِ، وَصَدَقَ حِينَ قَالَ: (( مَا ضَلَّ قَومٌ بَعدَ هُدًى كَانُوا عَلَيهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ ) )، ثم تَلا قَولَهُ تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ.
لَقَد حَثَّ على السماحةِ في الحِوَارِ، وَرَغَّبَ في التَّنَازُلِ عِندَ الاختِلافِ، وَحَذَّرَ مِنَ الوُقُوعِ في مَغَبَّةِ الجَدَلِ، فَتَعَهَّدَ وهو لا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى بِبَيتٍ في الجَنَّةِ لمن تَنَازَلَ وَتَرَكَ المِرَاءَ وَالجَدَلَ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لمن تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ) )، كَمَا حَذَّرَ عليه الصلاةُ والسلامُ مِن كَثَرَةِ اللَّغوِ وَالتَّبَارِي بِالأَلسِنَةِ وَتَضيِيعِ الأَوقَاتِ في الأَخذِ وَالرَّدِّ وَالجَذبِ وَالشَّدِّ، قال: (( إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيكُم عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأدَ البَنَاتِ وَمَنعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم قِيلَ وَقَالَ وَكَثرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ المَالِ ) ).
ألا فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّها المسلمون، وتحلَّوا بِالسَّمَاحَةِ، وَجَاهِدُوا أَنفُسَكُم على الاتِّصافِ بها، فَإِنَّهُ مَا كَثُرَتِ المُشكِلاتُ الأُسْرِيَّةُ ولا انتَشَرَتِ المُنَازَعَاتُ بَينَ الجِيرَانِ وَلا بَرَزَ التَّهَاجُرُ بَينَ الأَقَارِبِ وَالإِخوَانِ إِلاَّ حِينَ فُقِدَ التَّسَامُحُ مِنَ النُّفُوسِ وَارتَفَعَتِ السَّمَاحَةُ مِنَ القُلُوبِ، فَهَيَّا إِلى السَّمَاحَةِ، هَيَّا إلى اللِّينِ، هَيَّا إلى مَا يُرضِي الرَّحمنَ، وَحَذَارِ مِنِ اتِّبَاعِ خُطُواتِ الشَّيطَانِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاء وَالمُنكَرِ وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.