فهرس الكتاب

الصفحة 3640 من 5777

عمل المولد عند علماء المالكية

قضايا في الاعتقاد

البدع والمحدثات

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-انتشار بدعة المولد في العالم الإسلامي. 2- الرد على من وصف محاربي البدع بالوهابيين. 3- موقف علماء المالكية من بدعة المولد.

فقد غدا عمل المولد النبويِّ من العوائد المألوفة عند كثير من العوام، ومن الأعياد الرسميَّة لدى كثير من الملوك والحكام، فاعتقد أكثرهم أنَّه شعيرة من شعائر الإسلام، فإذا هو بدعة شنيعة من بدع غلاة الشيعة الطغام، كما بيَّنته لكم في خطبة من أيَّام، وقد ظنَّ بعض الناس أنَّه لم ينكر هذه البدعة من العلماء سوى الحنابلة دون غيرهم من مذاهب أئمَّة الإسلام، وهذا ظنٌّ باطل يردُّه بشدَّة ما سأورده عليكم عن غير الحنابلة من نقول عن الفقهاء المفتين والموقعين عن ربِّ العالمين أولى النهى والأحلام.

وقبل ذلك ها هنا كلمة لازمة في ردِّ تهمة قائمة، فنحن ـ معشر أهل السنَّة والجماعة ـ طالما وسمنا بأنَّنا وهَّابيُّون بسبب قيامنا برد البدع عمومًا وهذه البدعة المولدية خصوصًا، وهذه النسبة وهابي سمة ينسب إليها كلُّ داع إلى اتِّباع الكتاب والسنَّة ناهج لمنهج السلف الصالح محذِّر من البدع، وهذه النسبة لسنا بأوَّل من نسب إليها من دعاة الحقّ، فقديمًا في زمن الاستعمار نسبت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى رأسهم الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس والشيخ الطيب العقبي والشيخ البشير الإبراهيمي، فنسبوا إلى أنَّهم وهَّابيُّون، وكان الواسمون لهم بهذه السمة طائفتان: إحداهما تعمل لإفساد الدين بإفساد الوطن، والأخرى تعمل لإفساد الوطن بإفساد الدين. فالطائفة الأولى هم أهل البدع والضلالة، من أصحاب الطرق وشيوخ الزوايا، ومن ورائهم الطائفة الأخرى من رجال الاستعمار الفرنسي الغارق والغريق في اللائكيَّة. فالاستعمار يخطِّط ويدبِّر، وجماعة الطرق تنشط وتحبِّر.

وكذلك الواسمون لنا اليوم بهذه السمة هم مبتدعة الوقت أفراخ مبتدعة الأمس، القاصدون لإفساد الأديان، واللائكيُّون أفرادًا وجماعات، أفراخُ الاستعمار بالأمس، القاصدون لإفساد الأوطان. فمهلًا يا دعاة الضلالة ويا دعاة الفتنة.

وأنا ـ ولا أعوذ بالله من كلمة أنا ـ أرمي هؤلاء الواسمين لنا بهذه النسبة جميعًا بكلمة سبقت من الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي حين رميت جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين من قبل الاستعمار والطرقيين بأنَّها وهَّابية، فما أشبه الرامي بالرامي وما أشبه المرمي بالمرمي، فكان من جواب الشيخ رحمه الله أن قال:"يا قوم، إنَّ الحقَّ فوق الأشخاص، وإنَّ السنَّة لا تسمَّى باسم من أحياها، وإنَّ الوهَّابيِّين قوم مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام ويفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده، ويفوقون جميع المسلمين في هذا العصر بواحدة وهي أنَّهم لا يقرُّون البدعة، وما ذنبهم إذا أنكروا ما أنكره كتاب الله وسنَّة رسوله، وتيسَّر لهم من وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر."

أإذا وافقنا طائفةً من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم ـ والمنكر لا يختلف حكمه باختلاف الأوطان ـ تنسبوننا إليهم تحقيرًا لنا ولهم، وازدراء بنا وبهم، وإن فرَّقت بيننا وبينهم الاعتبارات؟! فنحن مالكيُّون برغم أنوفكم، وهم حنبليُّون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة، ونحن نُعمل في طريق الإصلاح الأقلام، وهم يُعملون فيها الأقدام.

وما رأيكم في أوروباوي لم يفارق أوروبا إلاَّ مرَّةً واحدة طار فيها بطيَّارة فوقعت به في الهند، فرأى هنديا يصلي، ثمَّ طار بها أو طارت به فوقعت به في مراكش، فرأى مراكشيًّا يصلي، فقال له: أنت هندي لأنَّك تصلِّي، ألا تعدُّون هذا القياس منه سخيفًا؟! إلاَّ تعدُّوه كذلك فقد جئتم بأسخف منه في نسبتنا إلى الوهَّابيَّة"اهـ كلام الشيخ الإبراهيمي رحمه الله."

وفيه الجواب لخصومنا اليوم وراَّث خصوم جمعية العلماء بالأمس، فكما أنَّ البدعة رحم ماسَّة، فإن بين الاستعمار بالأمس وأتباعه اللائكيين اليوم رحمًا موصولة، وما خرج من مشكاة واحدة كان الجواب عليه واحدا.

وإن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة

أقول الذي سمعتم، والحمد لله أوَّلا وآخرا.

أهتمُّ الساعةَ بنقل كلام فقهاء المالكيَّة خصوصًا ليعلم أنَّ مذهبهم في حدوث هذه البدعة هو عين مذهب غيرهم من المذاهب الأخرى. فليقل ذوو الأغراض الفاسدة والعقول المختلَّة بعد ذلك: إنَّ المالكيَّة هم عين الوهَّابية!

1-فمن علماء المالكيَّة الإمام تاج الدين الفاكهاني رحمه الله، قال:"لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنَّة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمَّة الذين هم القدوة في الدين، المتمسِّكون بآثار المتقدِّمين، بل هو بدعةٌ أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكَّالون".

2-ومن علماء المالكيَّة الإمام العلامة الأستاذ أبو عبد الله الحفَّار المالكي، وله في ذلك جواب حافل نقله الونشريسي في المعيار المعرب، نختصر منه ما يلي، قال رحمه الله:"ليلة المولد لم يكن السلف الصالح يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادةً على سائر ليالي السنة، والخير كلُّه في اتِّباع من سلف، فالاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعًا، بل يؤمر بتركه".

3-ومن علماء المالكية الشيخ العدوي، فذكر في باب الوصيَّة من حاشيته على شرح مختصر خليل كلام الفاكهاني المتقدِّم وأقرَّه.

4-ومن علماء المالكية المعتمدين في مغربنا الشيخ البناني، فذكر أنَّ من أنواع الوصيَّة بالمعصية إقامة المولد على الوجه الذي كان يقع عليه في زمانه كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك من المحرَّمات، فماذا لو رأى زماننا؟!

5-ومن علماء المالكية الشيخ محمَّد عرفة الدسوقي، فذكر في حاشيته على شرح الدردير لمختصر خليل كلام البناني المذكور وأقرَّه.

6-ومن علماء المالكية الشيخ الإمام المحقِّق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، قال في بعض فتاواه:"إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة".

7-ومن علماء المالكية الشيخ العلامة ابن الحاج، صاحب كتاب المدخل، فقد نصَّ فيه على أنَّ عمل المولد من البدع المحرَّمة.

8-ومن علماء المالكية المتأخِّرين بمصر الشيخ المفتي محمَّد عليش المالكي، من علماء الأزهر وكبار فقهاء المالكية في زمانه من نحو قرن، قال في كتابه فتح العلي المالك:"عمل المولد ليس مندوبًا، خصوصًا إن اشتمل على مكروه، كقراءة بتلحين أو غناء، ولا يسلم في هذه الأزمان من ذلك وما هو أشدّ".

معاشر السامعين، هذه نصوص فقهاء المالكية، فهل جئنا ببدع من القول فيما ادَّعينا؟ وإنَّما خصَّصت هذه الخطبة بنقل أقوال فقهاء المالكيَّة ليعلم أنَّهم موافقون لفقهاء المذاهب الأخرى في هذه القضيَّة، وليعلم أنَّ إنكار هذه البدعة الرديَّة لا يختصُّ به فقهاء الحنبليَّة، ولا دعاة الوهَّابيَّة، ولنا وقفة ثالثة نتمُّ فيها في الخطبة اللاحقة إن شاء الله بقية ما وعدتكم.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت