الأسرة والمجتمع, فقه
الصوم, الوالدان
هشام بن عبد القادر عقدة
دمنهور
خالد بن الوليد
1 -استقبال شهر رمضان
2 -خصائص شهر رمضان
3 -الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
4 -الأمر ببر الوالدين
5 -التحذير من عقوق الوالدين
إخوة الإسلام: روى الحاكم بإسناد صحيح عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله: (( حضروا المنبر، أي اجتمعوا عنده، فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين ) )، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه قال: (( إن جبريل عرض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصلي عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت: آمين ) ).
ففي هذا الحديث إخوة الإسلام ثلاثة أمور عظام: صوم رمضان والصلاة على النبي كلما ذكر، وبر الوالدين.
أما الأمر الأول وهو صوم رمضان، فيهمنا الحديث عنه في هذه الأيام حتى لا ينسلخ شهر رمضان ونحن كما نحن ملطخون بالذنوب والأوزار، وبعد من أدرك رمضان ولم يغفر له.
فإن من نعمة الله عز وجل على عباده أن هيأ لهن مواسم للخيرات، ولتزكية النفوس وهو عز وجل أعلم بما يصلح عباده المذنبين، وهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، فشرع صيام ذلك الشهر المبارك لعلكم تتقون، وجعله عونا على معاداة الهوى والشيطان لعلكم تتوبون وتتذكرون.
فهو شهر تسلسل فيه الشياطين وتضيق مجاري الشيطان في بني آدم، وتستجاب فيه الدعوات، وفيه ليلة عظيمة هي خير من ألف شهر، ويتفضل فيه رب الخلائق بعتق من يشاء من النار في كل ليلة وعند كل فطر، جعلنا الله وإياكم من عتقائه في ذلك الشهر المبارك.
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي أنه قال: (( لله عند كل فطر عتقاء ) )وروى البزار عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله: (( إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة(يعني رمضان) وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة )).
وروى النسائي والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله: (( أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ) ).
فطوبى لعبد آخذ بأسباب المغفرة في هذا الشهر، فحفظ جوارحه عن العبث فيما لا يحل له، وألجم هواه وشهوته بلجام التقوى، وأمسك لسانه بزمام الشرع، وحول سمعه وبصره عن الفسق والتفاهة إلى كتاب الله عز وجل فجعل نظره فيه، وسمعه.
أما الأمر الثاني: فهو الصلاة على النبي ، والمؤمن الصادق، والمحب لنبيه مدفوع دفعا للصلاة عليه في كل حين لما علمه من فضله وتبليغه الرسالة وحرصه على الأمة وشفقته عليها، ونصحه لها، وجهاده في الله حق جهاده، متحملا ما أصابه من الضرب والخنق، والقذف بالحجارة، والسب والتجويع والسخرية وإلقاء التراب والأقذار على رأسه وجسده الشريف صلوات ربي وسلامه عليه.
فأي جفاء هذا حين لا يصلي عليه أتباعه، هذا العمل السهل، فما أيسر أن يقول العبد، عليه الصلاة والسلام، أو اللهم صل على نبينا محمد أو أفضل من هذا، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمر يسير من ضن به على رسول الله فهو البخيل حق، كما قال المصطفى إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي، واسمعوا هذا الوعيد في قوله: (( من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي - أي لم يصل علي - خطئ طريق الجنة ) ).
وإن كان العبد مأمورا بالصلاة على النبي كلما سمع ذكره على وجه الخصوص فإنه مأمور إجمالا بالصلاة على النبي في أي وقت كما في قوله جل ذكره: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. إنك حميد مجيد
وقال (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات ) )، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من صلى علي حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة ) ).
وإذا كانت الصلاة على النبي فاضلة في كل وقت فإن فضلها يتأكد في يوم الجمعة كما في السنن وغيرها أن أوس بن أوس قال: قال رسول الله: (( أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة ) )وفي رواية: (( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - بليت - قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء ) )صلوات الله عليهم جميعا.
أما الأمر الثالث الخطير في حديث اليوم فهو بر الوالدين فإن عقوق الوالدين قد عم وطم في هذا الزمان حتى تلبس به الصالح والطالح، وقست القلوب، وتبلد الإحساس، وماتت المشاعر والعواطف، وقدم الأصحاب على الوالد، وقدمت الزوجات على الأمهات.
ألا ما أقبح العقوق، ما أقبح العقوق لا سيما عند كبر الوالدين، وأين ذلك العقوق من قول الله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا وقوله: (( لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) )
وحسبنا تلك الدعوة الصادقة من جبريل عليه السلام وتأمين رسول الله بالبعد والذل والهوان ليس على من فرط في حق والديه، وإنما على من لم يبلغ من البر بهما ما يدخله الجنة فما بالك بمن عقهما.
فالعقوق أيها المسلمون يتصدر أكبر الموبقات المهلكات بعد الشرك بالله عز وجل كما أن بر الوالدين يتصدر مرتبة متقدمة في دين الله عز وجل، فبر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، ومن الأبواب التي يلج العبد منها إلى الجنة، ففي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: سألت رسول الله: أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال: (( الصلاة على وقتها، أي أول وقتها كما في بعض الأحاديث - قلت: ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ) ).
فالمؤمن مأمور ببر الوالدين وفاء وإحسانا لهما، وخدمة وتفقدا لهما ولحوائجهما وما يرضيهما، وحرصا لذلك على هدايتهما، دعاء لهما وبدءا بهما في رفق وأدب في الدعوة والإرشاد مع اللين والصبر: وأنذر عشيرتك الأقربين.
وإذا كان حق الوالدين من الحقوق العظيمة المؤكدة فإن حق الأم آكد وأعظم، يقول الله عز وجل: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن فهنا تأكيد على حق الأم لما تكبدته وتتكبده من أجل ولدها، لذا أمر رسول الله بلزومها برا وخدمة وإحسانا فقال عليه الصلاة والسلام: (( إلزمها فإن الجنة تحت أقدمها ) )، وفي رواية (( ألزم رجلها فثم الجنة ) ).
وجعل رسول الله حقها آكد من حق الأب ثلاث مرات، حين سأله رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي، قال: (( أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟: قال: أمك، قال ثم من، قال: أبوك ) ).
وبر الوالدين أيها المسلمون لا يسقطه شيء حتى الشرك، فلو كان الوالدين مشركين فإن برهما يبقى واجبا، فعن أسماء رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله: إن أمي قدمت علي راغبة، أي مشركة، أفأصلها، فقال لها عليه الصلاة والسلام (( نعم، صلي أمك ) ).
ولكن ذلك لا يعني طاعتهما في المعصية أو في مخالفة أمر الله أو مصاحبتهما لحضور المعاصي، ولا يعني كذلك نصرتهما على أهل الحق المؤمنين أو السكوت عنهما إذا ما اعتديا على العقيدة.
بل إن اتخذ الوالدان خط محاربة المسلمين والكيد لهم فحينئذ يجب على الابن مناصرة أهل الحق ولو على والديه: قوامين بالقسط شهداء لله على أنفسكم أو الوالدين والأقربين
وهذا أبو عبيدة يقتل أباه يوم بدر لأنه وقف محاربا لله ولرسوله، وفي ذلك ومثله قوله عز وجل: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيديهم بروح منها ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد أخي المسلم:
فاتق الله في والديك وبرهما، وأحسن إليهما ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وخاصة إذا كانا كبيرين في السن، ومهما بذلت أيها المسلم نحوهما، فلا يساوي ما بذلاه نحوك، فقد كانا يحملان عنك الأذى، ويسهران لتنام هادئا، وإذا مرضت قلقا عليك، ويرجوان حياتك، وأنت إن حملت عنهما شيئا من الأذى، أو سهرت في تمريضهما، أو طال سقمهما، فإنك تسأم مصاحبتهما، وقد ترجو موتهما.
أيها المسلمون: إن الولد ما دام صغيرا فإنه يظهر حبه لأمه قبل كل أحد، ثم لا يحب بعد أمه إلا أباه، الذي إذا دخل هش وبش له، وإذا خرج تعلق به، يرى أنه إذا رضي أعطاه كل شيء، وإذا غضب قدر على كل شيء، يخوف الناس كلهم بأبيه، فأي حب واحترام بعد هذا، ولكنه إذا كبر نسي الجميل، وأنكر المعروف وقابل ذلك بالإساءة والعقوق.
فاتق الله أيها الولد، واعلم أنك إن كنت اليوم مع والديك بارا أو عاقا، فسوف تكون غدا إن كان لك أولاد محتاجا إلى بر أبنائك، وسيفعلون كما فعلت، كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، فبروا آباءكم تبرّكم أبناؤكم.
واعلم أن عقوبة العقوق وخيمة ومعجلة في الدنيا قبل الآخرة، قال النبي: (( كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات ) ).
ثم لتعلم أيها المسلم أن دعوة الوالد على ولده مستجابة، قال: (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده ) ). وفي رواية: (( دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على الولد ) ).
فيا من أبكى أبويه، فيا من أبكى أبويه وأحزنهما وأسهر ليلهما، وحملهما أعباء الهموم، وجرعهما غصص الفراق، ووحشة البعاد، هلا أحسنت إليهما وأرضيتهما وأضحكتهما، كم آذيتهما مرار وهما يدعوان الله سرا وجهارا، ويبكيان عليك وأنت صغير شفاقا وحذرا، ويبكيان منك وأنت كبير خوفا وفرقا، فهما أليفا حزن، وحليفا همّ رغمّ، فلما بلغت موضع الأمل ومحل الرجاء فارقتهما على رغمهما باكيين، وتركتها محزونين، فإن غاب شخصك عن عيونهما لم يغب خيالك عن قلوبهما، ولئن ذهب حدثيك عن أسماعهما، لم يسقط ذكرك عن أفواههما، ولطالما بكيا ولم يذوقا غمضا إن تأخرت عن الرواح في المساء، فكيف إذا أغلقا بابهما دونك، وأبصرا خلو مكانك ففقدا أنسك، ولم يجدا رائحتك، فكان ملاذهما سح الدموع، فصار الولد خبرا، وكل غريب ولدهما، وكل ميت هو لهما، وسل عن حديثهما إذا لقيا إخوانك، وأبصرا أقرانك، ولم يبصراك معهم، فهنالك تسكب العبرات، وتتضاعف الحسرات، وأنت إذا فقدتهما وابتليت بموتهما فإنك لا تذكر إلا حينئذ فضلهما، وتمقت نفسك على إساءتك لهما، وتقول: ويحي، ماتا قبل أن أبرهما، وياخسارتي، إذ لم أقم برد جميلها، ولم أشكر حسن صنيعهما، وقد رحلا قبل أن يجدا مني ما يرضي نفوسهما، ويسمح عنهما ماعاشا من نكد مني في حياتهما.
فأدرك نفسك من اللحظة إن كنت مقصرا في حقهما، وأما إن كانا قد توافهما ربهما، فمالك إلا صدق التوبة والاستغفار لنفسك ولهما بعد رحيلهما، ولله الأمر في قبول توبتك واستغفارك أو عدم قبولهما.
ربنا ظلمنا أنفسنا ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، واغفر لنا ولوالدينا والأموات المسلمين.