قضايا في الاعتقاد
الاتباع, البدع والمحدثات
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-كمال الدين قبل وفات النبي عليه الصلاة والسلام. 2- طاعة الله مقرونة بطاعة رسوله. 3- التحذير من مخالفته عليه الصلاة والسلام. 4- الابتداع مخالفة للسنة. 5- الأمر بالتمسك بالسنة.
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ تعالى، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ.
فيا أيُّها الناسُ، اتقوا اللهَ، واعلموا أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى قدْ أكملَ لهذهِ الأمةِ دينَها وأتمَّ عليها نعمَهُ فقالَ اللهُ تعالى: ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لإسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .
ولمْ يتوفَّ نبيَّه إلا بعدَما بلّغَ البلاغَ المبينَ وبيّنَ للأمةِ كلَّ ما شرعَهُ لها منْ أقوال وأفعالٍ، ولم يترك طريقًا يقربُ إلى الجنةِ ويباعدُ منَ النارٍ إلا وبينَهُ للأمةِ كما ثبتَ في الحديثِ الصحيحِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضي اللهُ عنْهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: (( ما بعثَ اللهُ من نبيٍّ إلا كانَ حقًا عليهِ أن يدلَّ أمتَهُ على خيرِ ما يعلمُهُ لهم، وينذرَهم شرَّ ما يعلمُهُ لهمْ ) ) [1] .
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وتمسكوا بكتابِ اللهِ وسنةِِ نبيِّهِ محمدٍ ، فهما طريقُ السعادةِ الأبديةِ وسبيلُ النجاةِ في الدنيا والآخرةِ، فهما مدارُ الإسلامِ ورحاه، وما منْ عبدٍ يحيدُ عنهما إلا كانَ منَ الخاسرينَ وكانتِ النارُ مأواهُ، فعليكم ـ أيُّها الناسُ ـ باتباعِ نبيِّكم فيما أمرَ بِهِ، وإياكم والخروجَ على ما رسمَه وبينَه منَ الطريقِ الموصلِ إلى اللهِ، فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد ربطَ بينَ طاعتِهِ وطاعةِ نبيِّهِ في آياتٍ كثيرةٍ فقالَ تعالى: قُلْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ ?لْكَـ?فِرِينَ [آل عمران:32] ، وقالَ: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71] ، وقالَ اللهُ تعالى: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وأُوْلِى ?لأمْرِ مِنْكُمْ الآية [النساء:59] .
وقدْ جعلَ اللهُ سبحانَهُ اتباعَ الرسولِ سبيلًا إلى نيلِ حبِّهِ ووسيلةً لتحقيقِ رضاه وحصولِ غفرانِهِ فقالَ: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ?للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] . وبينَ لنا جلَّ شأنُهُ بعضَ العواقبِ الوخيمةِ في الدنيا والآخرةِ لمنْ خالفَ أمرَ نبيِّهِ فقالَ: فَلْيَحْذَرِ ?لَّذِينَ يُخَـ?لِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] . وجعلَ الخروجَ ولوْ مرةً عنْ حدِّ الاتباعِ والانقيادِ والتسليمِ للرسولِ ضلالًا واضحًا وانحرافًا لا شكَّ فيهِ فقالَ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـ?لًا مُّبِينًا [الأحزاب:36] .
وهكذا تجدونَ ـ يا عبادَ اللهِ ـ أنَّ الدعوةَ إلى القرآنِ الكريمِ والأمرَ باتباعِهِ وتدبرِهِ هيَ في نفسِ الوقتِ دعوةٌ إلى السنةِ بكلِّ معناها الشاملِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ، ولهذا بينَ لنا رسولُ اللهُ أنَّ اتباعَهُ سببٌ في دخولِ الجنةِ، وأنَّ الابتعادَ عنِ اتباعِهِ ـ على أيِّ وجهٍ كانَ ـ سببٌ لدخولِ النارِ فقالَ: (( كلُّ أمتي يدخلونَ الجنةَ إلا مَنْ أبى ) )، قالوا: يا رسولَ اللهِ ومن يأبى؟ قالَ: (( منْ أطاعني دخلَ الجنةَ، ومنْ عصاني فقدْ أبى ) ) [2] .
وطاعةُ رسولِ اللهِ تتمثّلُ باتباعِهِ والانقيادِ لسنتِهِ، ورفضِ قولِ كلِّ من يقولُ شيئًا في دينِ اللهِ بخلافِ سنتِهِ ولوْ حسُنَ قصدُهُ، فعملُهُ وقولُهُ محدثٌ مردودٌ على صاحبِهِ، لما وردَ في الحديثِ الصحيحِ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنْها قالتْ: قالَ: رسولُ اللهِ: (( منْ أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منْهُ فهوَ ردٌّ ) )، وفي لفظٍ: (( منْ عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهوَ ردٌّ ) ) [3] ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ وعلا أكملَ الدينَ بما أنزلَ في كتابِهِ جلَّ وعلا وفي سنةِ رسولِهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ.
عبادَ اللهِ، لقدْ كثرتْ في هذِهِ الأيامِ البدعُ والخرافاتُ، وهجرَ كثيرٌ منَ الناسِ التحاكمَ إلى كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّهِ ، ومالوا إلى التعصبِ وأقوالِ الرجالِ، فيجبُ على كلِّ مسلمٍ عاقلٍ أن يحذرَ منَ البدعِ وأن ينصحَ من يفعلُها، ولا يجوزُ السكوتُ عنِ الحقِّ، فإنَّ من لوازمِ الدينِ النصيحةَ لكتابِ اللهِ ولرسولِهِ ولأئمةِ المسلمينَ وعامتِهمْ، وأطرَهمْ على الحقِّ أطرًا بالتحاكمِ إلى كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّهِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، والتسليمِ لهما ظاهرًا وباطنًا عملًا واعتقادًا، واستمدوا منَ اللهِ التوفيقَ، قالَ اللهُ تعالى: وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِ?للَّهِ [هود:88] الآية.
أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ، قالَ تعالى: وَمَا ءاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ [الحشر:7] .
نفعني اللهُ وإياكم بهديِ كتابِهِ وسنةِ نبيِّهِ ، وجنبَنا البدعَ والخرافاتِ والضلالَ والأهواءَ، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفرُوهُ، إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.
[1] جزء من حديث طويل رواه مسلم في الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (1844) .
[2] رواه البخاري في الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة رسول الله (8/139) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في البيوع، باب: النجش، ووصله في الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (3/24) ، ومسلم في الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة (1718) .
الحمدُ للهِ الذي بعثَ فينا رسولًا يبيّنُ لنا طريقَ الرشدِ والحقِّ والهدايةِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بلغَ الأمانةَ وأدى الرسالةَ ونصحَ للأمةِ، وكانَ خيرَ المرشدينَ إلى صراطِ اللهِ المستقيمِ، اللهمَّ صلِّ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ: فيا عبادَ اللهَ، صحَّ منْ حديثِ العرباضِ بنِ ساريةَ رضيَ اللهُ عنْهُ أنَّهُ قالَ: صلى بنا رسولُ اللهِ ذاتَ يومٍ، ثمَّ أقبلَ عليْنا بوجهِهِ، فوعظَنا موعظةً بليغةً ذرفتْ منْها العيونُ، ووجلتْ منْها القلوبُ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، كأنَّ هذه موعظةُ مودعٍ فماذا تعهدُ إلينا؟ قالَ: (( أوصيكم بتقوى اللهِ، والسمعِ والطاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًا، فإنَّهُ من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليْكم بسنتِي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذِ، وإياكمْ ومحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ) ) [1] .
هذا حديثِ تقشعرٌّ لَهُ الجلودُ، وتضطربُ منْهُ فرائصُ المسلمِ، وتوجلُ منه النفوسُ، وتذرفُ منه الدموعُ، يودعُ فيهِ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ مرتحلًا إلى الرفيقِ الأعلى.
إنه ـ أيُّها المسلمونَ ـ أمرٌ منَ الرسولِ بملازمةِ السنةِ على كلِّ حالٍ ومهما كانتِ الظروفُ والأحوالُ، حيثُ عبّرَ عن ذلك تعبيرًا واضحًا لا تخفى دلالتُهُ حيثُ قالَ: (( عضّوا عليْها بالنواجذِ ) )، فعلى كلِّ مسلمٍ في ضوءِ هذا الحديثِ وغيرِهِ التمسكُ بالسنةِ، وأن يسألَ اللهَ جلَّ وعلا الثباتَ عليْها، والحذرَ كلَّ الحذرِ مما يخالفُها منَ البدعِ ومحدثاتِ الأمورِ المخالفةِ للدين.
واللهَ أسألُ أن يصلحَ أحوالَ المسلمينَ، ويمنحَهمُ العلمَ في أمورِ الدينِ والتمسكَ بالحقِّ والثباتَ عليْهِ في وجهِ المبتدعينَ، وصلى اللهُ وسلمَ وباركَ على عبدِهِ ورسولِهِ نبيِّنا محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ ومن تبعهمْ وسارَ على هديِهم إلى يومِ الدينِ.
[1] رواه أحمد (4/126) ، وأبو داود في السنة، باب: لزوم السنة (4607) ، والترمذي في العلم (2678) ، وابن ماجه في المقدمة باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين (42) ، وصححه الألباني بتخريج السنة (ص29) .