فهرس الكتاب

الصفحة 2852 من 5777

الإعلام بمنزلة الصلاة في الإسلام

فقه

الصلاة

صالح بن محمد آل طالب

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-تغير حال الأمة ببعثة النبي. 2- ضعف الأمة في العصر الحاضر. 3- سبب الضعف والهوان. 4- وقفة محاسبة مع فريضة الصلاة. 5- عظم شأن الصلاة. 6- فضائل الصلاة وفوائدها. 7- حال المسلمين اليوم مع الصلاة. 8- وجوب صلاة الجماعة على الرجال. 9- ضرورة العناية بروح الصلاة ولبها.

أمّا بعد: فاتّقوا الله أيّها المسلمون، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] . اتَّقوا اللهَ وأطيعوه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3] . حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا، فإنّه أهوَن عليكم في الحِساب غدًا، واستعدّوا للعَرض الأكبر على الله، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: 18] . ادّخِر راحتَك لقبرك، وقلِّل مِن لهوِك ونومِك، فإنّ وراءك نومةً صبحُها يومُ القيامة.

وبعد: عبادَ الله، قبلَ بعثة النبيّ كانت هذه الأمّة في مؤخِّرة ركبِ الأمم في العبادةِ والتديُّن والقوّة والظهور والأخذِ بأسباب الدنيا والسَّبق فيها، حتّى أكرمها الله تعالى ببِعثةِ سيِّد البشَر محمّد ، فما هي إلاّ سنواتٌ قليلة حتّى فاقت أممَ الأرض قاطبةً في جميع المجالات، فبالحقِّ سادت، ثمّ بالخير جادَت، ولا زالت حضارتُها وسُلطانها في مدٍّ وجَزر حتى وقتِنا الحاضِر وزمانِنا المتأخِّر، والذي يُشكَى حالُ الأمّة فيه إلى الله، حيث تسلّط الأعداء، فاحتلّوا بعضَ ديارها، وانتقَصوا مِن أطرافها، وانتهَبوا خيراتِها، وغزَوا المسلمين في دينهم وفي فكرِهم، مع فُرقةٍ في المسلمين وشتاتٍ في الرّأي واختلافٍ زادَ في تمكينِ الأعداء عليهم.

وإنّ سردَ جوانبِ الضّعف وظواهره يوهن ويُحزن إلاّ أنّه لا بدّ من كشفِ الجرح لعِلاجه. ومنذ سنينَ عِدّة والمنتسبون لأمّة الإسلام يتنافسون في كشفِ الدّاء وتوصيفِ الدّواء، فمِن ناسبٍ ضعفَ المسلمين إلى أسبابٍ مادّية أو أسبابٍ حضاريّة وفكريّة أو غير ذلك، الجميعُ ينظرون ويجتهِدون، وكلّ حزبٍ بما لديهم فرحون. بل وصَل الحال ببعض بني المسلمين إلى اتّهام الإسلام نفسِه أو بعضِ شرائِعه، إلاّ أنّ المتأمّلَ في تاريخ الأمّة الإسلاميّة منذ نشأتها والمتبصّر في منهاجِها ودستورِها يعلَم داءَها ودواءَها وسقمَها وشِفاءها، يعلَم علمَ اليقين أسبابَ الضّعف المُهين، كما يعلَم أسبابَ النّصر والتّمكين.

إنَّ استمدادَ ذلك العِلم ليس من البشر، بل من خالق البشَر سبحانه حَكم بقوله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] ، والذي قال جلَّ شأنه: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165] . كما أنَّ الناظرَ أيضًا يعلم أنَّ رياحَ التغيير لا تهبّ من فَراغ، وأنَّ الإصلاحَ يبدأ مِن النّفس، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرّعد: 11] ، كما يعلم أنّ الهدايةَ تأتي بعد المجاهدة، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] .

إذًا حالُ الأمّة الحاضر وواقعُها المؤلم سببُه التقصيرُ في الأخذِ بأسباب النصر الحقيقيّة التي لا نصرَ بدونها، فنحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، مهما ابتغَينا العزّةَ بغيره أذلّنا الله؛ لذا لا بدّ من المحاسبة على هذا المنهاج، يجب أن يتفقّد المسلمون حالَهم مع دينهم وعلاقتَهم بربِّهم.

أيّها المسلمون، أيّها القاصدون بيتَ الله المعظَّم، وهذه وقفةُ محاسبة مع أعظمِ عُنوانٍ للصِّلة بالله، وأهمِّ ركن بعد شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، ألا وهو الصلاة.

الصّلاة ـ أيّها المؤمنون ـ ركنُ الدين ومعراجُ المتّقين وفريضة الله على المسلمين، لا دينَ لمَن لا صلاةَ له، ولا حظَّ في الإسلام لمَن ترك الصّلاة، مَن ترك صلاةً مكتوبة متعمِّدًا مِن غيرِ عُذر برِئت منه ذمّة الله. كان أصحاب النبيِّ لا يرَون شيئًا مِن الأعمال تركُه كُفر غير الصّلاة، وفي صحيح مسلمٍ أنّ النبيَّ قال: (( ليس بينَ الرّجل والكفرِ ـ أوالشرك ـ إلاّ ترك الصّلاة ) ) [1] ، بل جعل الله الصلاةَ عنوانَ الإسلام فقال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق: 9، 10] .

كلُّ الفرائض أنزلها الله تعالى على رسولِه إلاّ الصلاة، فإنّه سبحانه أصعدَ إليها رسولَه، فعرج بنبيِّه إلى السّماء السّابعة، فأكرمَه حتّى رضي، ثمّ فرض عليه الصلواتِ الخمس، لذا كانت أكثرَ الفرائض ذِكرًا في القرآن، بل كانت وصيّةَ رسول الله عندَ فِراق الدّنيا وهو يغالِب سركاتِ الموت، تخرج روحُه الشريفة وهو مشفِق على أمّته، يجود بنفسِه وينادي: (( الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانُكم ) ) [2] ، وكانت همَّه وهو في الرّمَق الأخيرِ يسأل: (( هل صلّى الناس؟ مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ) ) [3] .

هي عنوانُ الفلاحِ وطريق النجاح، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1، 2] إلى أن قال في آخر نعتِهم: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 9، 11] .

الصلاة واجبةٌ على المسلم في كلّ حال، لا تسقط بمرضٍ ولا خوف، بل حتّى عند العجز عن شروطِها وأركانِها ما دامَ العقل موجودًا، وحتّى في حالاتِ الفزَع والقتال، حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: 238، 239] ، وصلاةُ الخوف مذكورةٌ صفتُها في سورة النّساء، على أيّ حالٍ لا بدّ أن يصليَ المسلم، مستقبلَ القبلة فإن لم يستطع صلّى لأيّ جهة، قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وإلاّ فعلى أيّ حال، وإن عجز عن طهارةٍ أو ستر عورة أو غير ذلك صلّى على أيّ حال، نَعَم على أيّ حال لأنّها الصلاة التي هي أوّل ما يُسأل عنه العبدُ يومَ القيامة، فإن صلحت صلح سائرُ العمل، وإن فسَدت فسَد سائرُ العمل، كما صحّ بذلك الخبرُ عن المعصومِ [4] ، فلا يقبَل اللهُ عبادةً دونها.

أيّها المسلمون، خمسُ صلواتٍ مفروضة في كلّ يوم: الفجر والظّهر والعصرُ والمغرب والعِشاء، كفّارة لما بينها، فتطهِّر القلوبَ من درن الذنوب، بل تمنعُها ابتداءً، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] . وإذا ما ضايقَتك سيّئاتك يومًا وأثقلت كاهلَك الخطايا فابتدِر الصلاةَ واسمََع قول الإله: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: (( أرأيتُم لو أنّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسِل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرّات، هل يبقى من درنِه شيء؟ ) )قالوا: لا يبقى من درنِه شيء، قال: (( فذلك مثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الخطايا ) ) [5] .

والصلاةُ بابٌ للرزق، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: 132] ، هي المفزَع عند الجزَع، وإليها الهرَب عند الهلَع، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153] ؛ لذا كانت قرَّة عين النبيِّ ، فإذا حَزَبه أمرٌ [6] فزع إلى الصّلاة [7] ، ونادى: (( أرِحنا بها يا بلال ) ) [8] ، وأجاب حين سُئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (( الصلاة على وقتِها ) )متفق عليه [9] .

وبعدَ هذا فكيف ترجو أمّة نصرَ ربِّها إذا ضيَّعت صِلَتها به وعجزت عن القيام بفَرضه؟! إنّ الذين يفرِّطون في هذه الصّلوات لا يستحقّون إكرامًا ونَصرًا مِن الخالق ولا مِن المخلوقين. إنّ الصلاةَ أوّل شروط النصرِ والتمكين، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج: 41] ، فكيف يُنصَر المسلمُ أو يُوفَّق إذا ترك الصلاةَ وقد جُعِل سببَ دخول النار؟! مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: 42، 43] ، وفي وصفِ الوجوهِ الباسرة: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 31، 36] ، ومع كلِّ هذا فإنّك لتأسَى وتحزَن إذا علمتَ أنّ فئامًا من المسلمين تركوا الصّلاة أو تهاونوا فيها.

فاتقوا الله أيّها المسلمون، وائتمِروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، وتواصَوا بالصلاة، وليكن قدوة المربّين والدعاة أمر الله لنبيِّه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] . وقد امتدح الله إسماعيلَ عليه السلام بقوله: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ [مريم: 55] ، وفي الحديث الصحيحِ على شرطِ مسلم أن النبيَّ قال: (( مُروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ) ) [10] ، وأمرُ الناسِ بها وكذا أمرُ الأهل والأولاد مِن المحافظة عليها.

أيّها المسلمون، وثمّةَ صنفٌ مِن الناس رخصَت عندهم الصلاةُ، فهي آخرُ أشغالِهم ونهايةُ أعمالِهم وفي نهايةِ اهتمامِهم، فيجمَعون الصلواتِ بلا عُذر، ويؤخرِّونها عن وقتِها، وعليهم ينطبق قول الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء: 142] ، وفيهم نزل قولُ الحقّ سبحانه: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4، 5] أي: لاهون يؤخِّرونها عن وقتها، ألم يسمعوا قولَ الله عزّ وجلّ: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103] ؟! أي: مؤقَّتًا؛ معلوم البدايةِ والنهاية، لا تصحّ قبلَ الوقت كما لا تصحّ بعدَه إلاّ مِن عُذر.

فاتّقوا الله، وحافظوا على الصلواتِ في أوقاتها، وليعلَم الرّجال أنّها واجبة عليهم في جماعةِ المسلمين في المساجِد، ولو وسِع أحدًا تركُ الجماعة لوسَّع النبيّ الرحيمُ بأمّته [على] ذلك الشيخِ الضرير الذي يفصِل بينَه وبين المسجد وادٍ كثير السّباع والهوامّ وليس له قائد يقوده، فاستأذن النبيَّ للصلاة في بيته فلم يأذن له [11] ، فكيف بمن أفاء الله عليه ويسَّر له؟! وإلا فلِم المساجد شيِّدت والمآذن رُفعت والجماعات أقيمَت؟! أللجمعةِ فقط؟! أللجمعة فقط؟! لا حولَ ولا قوّة إلا بالله.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من سرَّه أن يلقى اللهَ غدًا مسلمًا فليحافِظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادَى بهنّ، فإنّ الله شرَع لنبيّكم سننَ الهدى، وإنّهن مِن سُنَن الهدى، ولو أنّكم صلّيتم في بيوتِكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيتِه لتركتُم سنّة نبيِّكم، ولو تركتم سنّةَ نبيّكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصفّ) رواه مسلم [12] .

أيّها المسلم، يا عبد الله، ها قد سمعتَ الذكرى، وقد عرفتَ فالزم، فالزم طريقَ الهدى.

وفّقني الله وإيّاك لمراضيه، وجعل مستقبلَ حالنا خيرًا من ماضيه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 45، 46] .

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنّة، ونفعنا بما فيهما من الآياتِ والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كلّ ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم: كتاب الإيمان (82) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما نحوه.

[2] أخرجه أحمد (6/ 290) ، والنسائي في الكبرى (7098) ، وابن ماجه في ما جاء في الجنائز (1625) عن أم سلمة رضي الله عنها، قال البوصيري في الزوائد:"إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وصححه الألباني في تخريج أحاديث فقه السيرة (ص 501) ، وفي الإرواء (7/ 238) . وفي الباب عن أنس وعلي رضي الله عنهما.

[3] أخرجه البخاري في الأذان (687) ، ومسلم في الصلاة (418) عن عائشة رضي الله عنها بمعناه.

[4] أخرجه الطبراني في الأوسط (1859) ، ومن طريقه الضياء في المختارة (7/ 144-145) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وجعله المنذري في الترغيب (1/149) من مسند عبد الله بن قرط وقال:"لا بأس بإسناده إن شاء الله"، وقال الهيثمي في المجمع (1/292) :"فيه القاسم بن عثمان، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1358) . وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وتميم الداري رضي الله عنهم.

[5] صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة (528) ، صحيح مسلم: كتاب المساجد (667) .

[6] حزبه أمر أي: نزل به أمر شديد.

[7] أخرجه أحمد (5/388) ، وأبو داود في الصلاة، باب: وقت قيام النبي من الليل (1319) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وفيه محمد بن عبد الله الدّؤلي أبو قدامة قال عنه الحافظ في التقريب:"مقبول"، ومع ذلك فقد حسن إسناده في الفتح (3/172) ، وحسّنه أيضًا الألباني في صحيح سنن أبي داود (1168) .

[8] أخرجه أحمد (5/364) ، وأبو داود في الأدب، باب: في صلاة العتمة (4985) عن رجل من الصحابة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (4171) .

[9] صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة (527) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (85) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

[10] أخرجه أحمد (2/187) ، وأبو داود في الصلاة (495) ، والدارقطني (1/230) ، والحاكم (1/311) ، والبيهقي (2/228، 229) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، وحسنه النووي في المجموع (3/10) ، وصححه الألباني في الإرواء (247) . وله شاهد من حديث سبرة بن معبد رضي الله عنه بإسناد حسن، أخرجه أحمد (3/201) ، وأبو داود في الصلاة (494) ، والترمذي في الصلاة (407) وقال:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن الجارود (ص77) ، وابن خزيمة (1002) ، والحاكم (1/258) ، ووافقه الذهبي، وصححه النووي في المجموع (3/10) . وفي الباب أيضا عن أبي هريرة وعن أنس رضي الله عنهما وإسناداهما ضعيفان.

[11] حديث الأعمى الذي استأذن النبي في أن يصلي في بيته أخرجه مسلم في المساجد (653) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[12] صحيح مسلم: كتاب المساجد (654) .

الحمد لله غافر الزّلات، مقيلِ العثرات، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ [الشورى: 25] . أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، شهادةً نرجو بها النجاةَ يومَ الموافاة، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبِه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمّا بعد: أيّها المسلمون، فمَن أرد الحِرز والحِفظ والتوفيقَ والأمن فليحافِظ على الصلاة، عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من صلّى الصبحَ في جماعة فهو في ذمَّة الله ) )رواه مسلم [1] .

كما أنَّ الصلاة فريضةُ مشترَكة بين النبيِّين، فكلُّهم أُمِروا بها، قال الله سبحانه عن إبراهيم ولوطٍ ويعقوبَ وإسماعيل عليهم السلام: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ [الأنبياء: 73] ، وهي دعوةُ أبينا إبراهيم حينَ دعا ربَّه بقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: 40] ، وقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: 37] ، وقال سبحانه عن عيسى عليه السلام: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم: 31] ، وفي كلامِ الله تعالى لموسى عليه السلام: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] ، ولنبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] ، أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78] ، وقال سبحانه عن عبادِه الصالحين المصلحين: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: 170] .

فهل تجِدون بعدَ هذا ـ أيّها المؤمنون ـ عبادةً حظِيت بمنزلةٍ فوق الصلاة؟! أم هل يجِد المفرِّطون والمتهاوِنون عُذرًا بعدَ هذا البلاغ؟!

عبادَ الله، ويرتبط بالحديث عن الصّلاة إشارة ضروريّةٌ إلى روحها ولُبِّها، ألا وهو إتمامها والخشوع فيها. فمِن إتمامها العنايةُ بشرائطها ووضوئها والطّمأنينة فيها وعدَم مسابقة الإمام واتّباعُ السنّة في أدائها كما قال المصطفى في الحديث الذي رواه البخاري: (( صلّوا كما رأيتموني أصلّي ) ) [2] .

والخشوعُ ـ أيّها المصلّون ـ انكسارُ القلبِ بين يدَي الله تعالى وامتلاؤُه مهابةً له وتوقيرًا وسكونُ الخواطر الدنيويّة واستحضارُ عظمةِ الباري سبحانه والاشتغالُ بالكلّيّة بالصّلاة مع الوقارِ والسكينة، عند ذلك تسكُن الجوارح ويُطرِق البصر.

عن عثمان بن عفّان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ما من امرِئٍ مسلمٍ تحضره صلاة مكتوبةٌ فيحسِن وضوءها وخشوعَها وركوعها إلا كانت كفّارةً لما قبلها من الذّنوب ما لم تُؤتَ كبيرة، وذلك الدّهرَ كلّه ) )رواه مسلم [3] ، والله تعالى قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] ، وكم من مصلٍّ لم يشرَب خمرًا هو في صلاتِه لا يعلم ما يقول، قد أسكرَته الدنيا بهمومِها.

فاتّقوا الله أيّها المسلمون، وحافظوا على عهدِ الله إليكم، وتأهّبوا فالحسابُ بين يدَيكم.

واعلموا أنّ الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

اللهم صلِّ وسلِّم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وأزواجه وصحبِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين...

[1] صحيح مسلم: كتاب المساجد (657) ، وليس فيه قوله: (( في جماعة ) ).

[2] صحيح البخاري: كتاب الأذان (631) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

[3] صحيح مسلم: كتاب الطهارة (228) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت