فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 5777

الإفلاس الحقيقي

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-إشفاق أهل العقول والبصائر على إنجازاتهم ومدخراتهم. 2- عظم حديث المفلس. 3- التحذير من التسبب في حبوط العمل. 4- دفع شبهة.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله، فإن المرء لا يزال بخير ما اتقى الله، وأقبل على مولاه، وخالف نفسه وهواه، وأخذ من دنياه لأخراه.

أيها المسلمون، إن النظر الثاقب والفكر الراشد والبصيرة الواعية واليقظة الحية كل أولئك مما يبتغي أولو الألباب به الوسيلة إلى نيل المنى وبلوغ الآمال والظفر بالمقاصد والحظوة بالسعادة في العاجلة والعقبى، فتراهم من أجل ذلك ساعين بكل سبيل متوسلين بكل وسيلة للتمييز بين الخبيث والطيب، والفصل بين الزبد الذي يذهب جفاء وبين ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وتجدهم مع قوة الباعث وشدة الرغب وكمال الطلب قد أوتوا حظًا من هذا الحس المرهف والتحرج الطهور والإشفاق الوجل أن يُلفوا في بنيانهم الراسخ الذي شادوه شيئا من الفتوق أو بعضًا من الشقوق التي تفضي إلى تسرب شيء قليل مما ادُّخر فيه من كنوز الأعمال وذخائر الباقيات الصالحات التي صُرفت في جمعها نفائس الأيام وغرر الليالي وأشرف الأزمان؛ لأنهم يستيقنون أن ذهاب الأقل مؤذنٌ بذهاب الأكثر، والتفريط في اليسير باعث إلى التفريط في الخطير، والاستهانة بالصغائر مدرجة إلى الوقوع في الكبائر، خاصة إذا اجتمع إلى ذلك استخفاف بالأمور واستدامة لأسبابها واستبقاء لأصولها وتقاعس عن تدارك الفارط وجبر الكسر وإقامة المعوج، ومَثَل أولي الألباب في نهجهم المضيء هذا مَثَل صاحب الأرصدة المدخرة من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، تلك الأرصدة المالية المادية التي أجهد في جمعها نفسه وأضنى فؤاده لتكون له منها العدة وقت الشدة والوقاية التي تقيه صروف الليالي ونوائب الأيام، فهو لذلك مجتهد في حفظها كلِفٌ بتنميتها وتثميرها، حذِرٌ من تبديدها وإضاعتها، وإن هذا الفريق اليقظ من عباد الله لينهج هذا النهج الراشد، ويمضي على هذا الطريق المستقيم، مقتفيًا أثر هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، مترسمًا خطاه، مستمسكًا بهديه المبثوث في الصحيح من سنته والثابت من حديثه وسيرته، فمما صح وثبت عنه هذا الحديث العظيم يُحدِّثُ به عليه الصلاة والسلام صحابته الكرام مُورِِدًا إياه في صورة استفهامية متفردة، حفل بها الخطاب النبوي الكريم في حشدٍ وافرٍ من نصوصه الصحيحة الثابتة؛ لأن فيها تنبيهًا للعقول وشحذًا للأذهان وتفريغًا للقلوب وتمكينًا للفهم وباعثًا على كمال الحفظ وتمام الضبط.

فقد أخرج مسلم رحمه الله في صحيحه والترمذي في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )وفي رواية: (( أتدرون ما المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار ) ) [1] .

وإنه لتصوير بديع وبيان رفيع ومعالجة دقيقة بارعة، جُمعت فرائدها في خطاب جامع، قلَّ عدد حروفه وألفاظه، وكثرت معانيه ومراميه، والمراد به كما قال أهل العلم أن هذه هي حقيقة المفلس، وأما من ليس له مال ومن قلَّ ماله فالناس يسمونه مفلسًا وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، وإنما حقيقة المفلس هذه المذكورة في الحديث، فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم الإعدام المفظع، فتؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا فرغت حسناته أُخذ من سيئاتهم فوضعت عليه ثم أُلقي في النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه.

فليس عجبًا إذن أن يعي أولو الألباب من هذا البيان النبوي الكريم أن ما يرصده المرء من أعماله في دنياه وما يدخره منها لأخراه موقوف على شفا خطر داهم، وهو الانتقاص منه شيئًا بعد شيء حتى تذوي زهرته، وينضب معينه، وييبس أخضره، ويتلاشى مخزونه في ركام مجموع وتحت أحمال ثقال من حقوق العباد الذين بغى عليهم في الحياة الدنيا بغير الحق، واستطال عليهم بغير القسط، فقامت عنده للظلم سوق رائجة، وارتفعت بساحته للبغي رايات منصوبة، وأثمرت للجور في أرضه شجرات خبيثة وثمرات مرة مكروهة، فكانت العاقبة عند ذاك إفلاسًا هو الإفلاس حقًا؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا بالإنفاق من العملة التي بدد، والرصيد الذي بعثر وسحب، والحساب الجاري الذي أغلق وأبطل، وأنى لمثل هذا المفلس أن يستعيد شيئًا مما فقد وقد نفدت عملة الحسنات، وفني رصيد الأعمال، ونضب معين الحساب الجاري من ذخائر الباقيات الصالحات؟!

ألا وقد ظن فريق من الناس أن هذا الحديث الصحيح الثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه المبيّن لحقيقة المفلس، ظن أنه معارض لقول الله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الإسراء:15] ، وابتنى على هذا الظن رد الحديث وإبطاله والقدح فيه، ولا ريب أن هذا الفريق إنما أُتي من سوء الفهم للآية والحديث معًا، والحق أنه لا تعارض بينها، فإن هذا المفلس ـ كما قال أهل السنة والجماعة ـ إنما عوقب بفعله ووزره وظلمه، فتوجهت عليه حقوق لغرمائه، فدُفعت إليهم من حسناته، فلما فرغت وبقيت بقية قوبلت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه وعدله في عباده، فأُخذ قدرها من سيئات خصومه فوُضع عليه، فعوقب به في النار، فحقيقة العقوبة إنما هي إذًا بسبب ظلمه، ولم يعاقب بغير جناية وظلم منه. وبهذا تجتمع الآية والحديث ولا يتعارضان عند أهل السنة والجماعة سلف هذه الأمة وخيارها الذين لا يضربون كتاب الله تعالى بسنة نبيه ، بل يؤمنون بهما معا؛ لأنهما حق من عند الله الواحد الأحد الفرد الصمد تقدست ذاته وأسماؤه وصفاته وجل سبحانه وتنزه عن الأنداد والأمثال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [الشورى:11] .

ألا فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على الحفاظ على أرصدتكم من الباقيات الصالحات، وحذار من البغي في الأرض بغير الحق والاستطالة على الخلق، تكونوا من المفلحين، وتحظوا برضا الإله الخالق رب العالمين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ?لأرْضِ بِغَيْرِ ?لْحَقّ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى? أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس:23] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه ومسلم في البر (2581) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فيا عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فاستمسكوا ـ أيها المسلمون ـ بهدي الوحيين، واعملوا بهذين النورين، تكن لكم العقبى في العاجلة والأخرى.

ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد بن عبد الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت