الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأعمال
رياض بن سليمان السلطان
غير محدد
غير محدد
1-ضرورة الاستنارة بنور العبادة. 2- سجود الخلائق لله تعالى. 3- فضل السجود. 4- لذة السجود. 5- حالِ السلفِ الصالحِ معَ السجود.
أما بعد: فقد آن الأوانُ للنفوس أن تستيقظَ من سباتِها، وتستفيقَ من رقدتِها، وتتحررَ من قيودِ الغفلة، وتستقلَّ قاربَ النجاة، وتستنيرَ بسِرَاجِ الهداية والعبادة لتبدِّدَ ظلامَ الحيرةِ والذهولِ والغفلة، تسفرَ نفسُ المسلمِ بلذةِ العبادة، تعبدُ اللهَ جلَّ وعلا لعلمِها ويقينِها أنها عبادةٌ وليسَتْ عادة، أنها حركاتٌ وسكناتٌ وأذكارٌ وأوراد إنْ خَلَتْ مِنْ الخشوعِ والتأمُّل فإنها لا تليِّنُ قلبَ المؤمنِ وترقِقُه. نعم، إن كانتْ العبادةُ عادة دونَ خشوعٍ وتأثُّر فما حاجةُ المسلمِ بها، بل سيتضاءلُ أجرهُ عندَ اللهِ تعالى.
أمةَ الإسلام، لنخصَّ من تلكَ العبادات عبادةٌ لا يُرَى المؤمنُ أذلَّ وأخضعَ للهِ إلا فيها، وبها يضعُ جبهتَه على الأرض وكفيهُ ورُكْبَتَيهُ وقَدَمَيه إيذانًا للنفسِ والشيطان بأنَّ الخضوعَ والتذللَ للهِ وحده، فتراهُ هادئَ الأركان حاضرَ الجَنَان، يتمتمُ بلسانِه الرطبِ بذكرِ الله: سبحان ربي الأعلى، علوُّ قهرٍ وقدرٍ لله، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18] ، وعلوُّ مكانٍ للذاتِ الإلهيَّة، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف:54] . سجدَ المؤمنُ لله يومَ أنْ سجدَ غيرهُ للشمسِ والقمرِ والبقر وآلهةٍ منَ الأخشابِ والأحجارِ والأشجار، فحقيقٌ أنْ نقفَ معَ السجودِ وقفةَ محاسبةٍ لأنْفسِنَا حتى تصبحَ عبادةَ روحٍ وقلب، لا عبادةَ عادة، حتى لا يكونَ السجودُ جسدًا بلا روح وليلا بلا قمر وفجرًا بلا نور وعينين بلا حور.
أمةَ الإسلام، لكي نعرفَ قدرَ السجودِ من بينِ سائرِ العبادات ونستزيدَ همَّتَنَا للإكثارِ مِنْه فلا بُدَّ أنْ نردَّ الأمرَ إلى الله ورسولهِ ، إلى الوحيين كتاب اللهِ وسنة المصطفى عليه الصلاة، والسلام؛ حتى تنبعثَ أشعَّةُ الفجرِ الصادقِ إلى سماءِ نفوسِنَا ونقدحَ زنادَ بحثِنا متبعين لا مبتدعين.
قال الحكيمُ الخبيرُ في محكمِ التنزيل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18] .
قال ابنُ كثيٍر رحمهُ الله في تفسيرِ هذهِ الآية:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ أيْ: من الملائكةِ في أقطارِ السماوات والحيواناتِ في جميعِ الجهات من الإنسِ والجنِّ والدوابِّ والطير. وقوله: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ إنما خصَّ الشمسَ والقمرَ والنجومَ بالذكر لأنها قدْ عُبدتْ من دونِ الله، فبيَّن أنها تسجدُ لخالقِها وأنَّها مربوبةٌ مسخَّرةٌ".
وقال أبو العالية:"ما في السماءِ نجمٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ إلا يقعُ للهِ ساجدًا حيَن يغيب، ثمَّ لا ينصرفُ حتى يؤذنَ له، وأما الجبالُ والشجر فسجودُهما بفيءِ ظلالِهما عن اليمينِ والشمائل".
وعن ابنِ عبَّاسٍ قال: جاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُني الليلةَ وأنا نائم كأنِّي أُصَلِّي خلفَ شجرة فسجدتُ فسجدتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعْتُها وهيَ تقول: اللهمَّ اكتبْ لي بِها عندكَ أجرًا، وضعْ عنِّي بها وزرًا، واجعلْها لي عندَك ذُخْرًا، وتقبَّلْهَا منِّي كما تقبَّلتَهَا منْ عبدِك داود، قال ابنُ عباس: فقرأَ رسولُ اللهِ سَجْدَة ـ أي: آية فيها سجود تلاوة ـ، ثمَّ سجدَ فسمعتُه وهو يقولُ مثلَ ما أخبَرهُ الرجلُ عنْ قولِ الشجرة. رواهُ الترمذيُّ وابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ.
وقولُهُ: وَالدَّوُابُّ أيْ: الحيواناتُ كلُّها، وقدْ جاءَ في الحديثِ عند الإمامِ أحمد أن رسول الله نهى عنِ اتخاذِ الدوابِّ منابر، فرُبَّ مركوبةٍ ـ أي: من هذه الحيوانات ـ خيرٌ وأكثرُ ذكرًا للهِ تَعَالى منْ راكبِهَا.
وقولُهُ: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أيْ: كثيٌر منَ الناسِ يسجدُ للهِ طائعًا مختارًا متعبِّدًا للهِ بذلك.
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ أيْ: كثيرٌ ممنْ امتنعَ وأبى واستكبرَ للسجودِ لله حقَّ عليهِ العذاب.
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ: (( إذا قرأَ ابنُ آدمَ السجدةَ اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقول: يا ويلَه؛ أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسُّجودِ فسجدَ فلهُ الجنة، وأمرتُ بالسجودِ فأبيتُ فليَ النَّار ) )رواه مسلمٌ في صحيحِه.
وقال الكبيُر المُتَعَال في كتابِه الكريم: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:48-50] .
قال ابنُ كثيرٍ رحمهُ الله:"يخبرُ تعالَى عنْ عظمتِهِ وجلالِهِ وكِبْرِيَائِه، الذي خضعَ لهُ كلُّ شيء ودانتْ لهُ الأشياءُ والمخلوقاتُ بأسرِها جمادُها وحيواناتُها ومكَلَّفُوها منَ الإنسِ والجنِّ والملائكة، فأخبَر أنَّ كلَّ ما لهُ ظلٌّ يتفيَّأُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمَال بكرةً وعَشِيًَّا صباحًا ومساءً فإنهُ ساجدٌ بظلِّهِ للهِ تَعَالَى".
قال مجاهد:"إذا زالتِ الشمس سجدَ كلُّ شيءٍ للهِ عزَّ وجلّ، وسجودُها بواسطةِ ظلِّهَا".
وقولُه: وَهُمْ دَاخِرُونَ أي: صاغرون، وقال مجاهدٌ أيضًا:"سجودُ كلِّ شيءٍ فيئُه"أي: ظلُّه. حتى الجبالُ سجودُها بظلِّها، وكذا البحرُ ظلُّ أمواجِه سجودُه. وقال أبو غالبٍ الشَّيبانيّ: أمواجُ البحرِ صلاته، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ.
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي: تسجدُ لله، غير مستكبرين عن عبادتِه، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
إخوةَ الإيمان، قال اللهُ جلَّ وعزّ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] ، والسِّيما التي في الوجوهِ من أثرِ السجود تحملُ معانيَ كثيرة، أوردَهَا الحافظُ ابنُ كثيرٍ في تفْسِيِره منها:"قال عليُّ بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عبَّاس: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يَعْنِي: السَّمتُ الحسن، وقالَ مجاهدٌ وغيُره: يعني الخشوعَ والتواضع. وقال ابنُ أبي حَاتَم: عن منصورٍ عن مجاهد: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: الخشوع، فقال منصورٌ لمجاهد: ما كنتُ أراهُ إلا هذا الأثرَ في الوجه ـ أي: لا أظنُّهُ إلا السواد الذي في الجَبْهَة ـ فردَّ عليه مجاهد قائلا: ربَّما كان بينَ عيني مَنْ هوَ أقْسَى قَلْبًا مِنْ فِرْعَوْن، أيْ: قدْ يكونُ هذا الأثرُ والسوادُ بينَ عينيْ إنسانٍ أقسى قلبًا مِنْ فِرْعَوْن. وقالَ السديُّ: الصلاةُ تُحَسِّنُ وجوهَهَمْ، وقالَ بعضُ السَّلف: مَنْ كَثُرَتْ صلاتُه باللَّيْل حسُنَ وجهُهُ بالنَّهَار، وقالَ بعضُهُمْ: إنَّ للحسنةِ نورًا في القلب وضياءً في الوجه وسعةً في الرزق ومحبةً في قلوبِ النَّاس. والسُّجودُ من أفضلِ الحسنات وأجلِّ القُرُبَات. وقالَ أميرُ المؤمنينَ عثمان: (ما أسرَّ أحدٌ سريرةً ـ أي: أخفى شيئًا في صدره ـ إلا أبداها اللهُ على صفحاتِ وجهِه وفلتاتِ لسانِه) ، رُوِيَ عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّهُ قال: (مَنْ أَصْلَحَ سريرتَه أصلحَ اللهُ تعالى علانيتَه) ."
والمقصود أن السجودَ يصلِحُ سريرةَ المؤمن؛ فيصبحُ قلبُهُ حافلا بالتَّواضعِ وخفضِ الجناحِ للمؤمنين؛ ويتنزَّهُ عنِ الكبِر والحسدِ واحتقارِ الرِّجَال. فالصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم خَلَصَتْ نياتُهم وحَسُنَتْ أعمالُهم؛ فكلُّ مَنْ نَظَرَ إليهِم أعْجَبَهُ سمتُهُمْ وهَدْيُهُمْ. قالَ مالكٌ رحمهُ الله: بَلَغَنِيْ أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: والله، لهؤلاء خيرٌ من الحواريين فيما بلغنا. والحواريون هم أصحاب عيسى عليه السلام الذين نصروه وأيدوه، واختلف العلماء في سبب تسميتهم بالحواريين فقيل: لشدة بياض ثيابهم، وقيل: هم الصفوة من الأنبياء، وقيل: الحواريّ هو الناصر لأنهم نصروا عيسى عليه السلام، والأحور هو الرجل شديد البياض.
واختار الباري جل وعلا لفظَ السجود؛ لأنَّهُ يمثِّلُ حالةَ الخشوعِ والخضوع والعبوديةِ لله في أكملِ صورِهَا، فللسُّجُودِ أثرٌ على ملامحِ الوجه حيث تتوارى وتغيبُ الخَُيلاءُ والكبرياءُ والفراهة، ويحُلُّ مكانَهَا التواضعُ النبيل والشفافيَّةُ الصافية والوضاءةُ الهادئة والذُّبُولُ الخَفِيْف الذي يَزِيْدُ وجهَ المؤمنِ صباحة.
يا من أخذته شواردُ الحياة كلّ شاذَّةٍ وفاذَّةٍ فيها فاختفلتْ قوافِيه وفسدَ نظامُ تدبرِهِ وخشوعِه، فأضاعَ حلاوةَ السجودِ لله، فسَحَبَ أذيالَ القسوةِ والجفاء، وأصبحَ بالُهُ لقمةً سهلةً تمضغُه أضراسُ الهواجسِ والوساوس، ففارقَ نورُ السُّجُوْدِ وبهاؤُه وجهَهُ وعينَيه؛ فلترتشِفْ منْ سنَّةِ المصطَفَى ما يُعِيْدُ تعظيمَ السُّجُودِ في قلبِك، فيعودَ الحقُّ إلى نصابِه، وتدخلَ واحةَ الإيمانِ منْ أوْسعِ الأَبْواب. تأمَّلْ هذا الحديثَ يا رعَاكَ الله، تأمَّل سألتُكَ بالله، تفكَّرْ في عظمةِ الله؛ حتى تكثرَ السجودَ على عتباتِ الكريمِ سبحانَه.
عن أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ: (( إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، إنَّ السماءَ أطَّتْ ـ أيْ: إنَّ كثرةَ ما فيها منَ الملائكة قدْ أثْقَلَهَا حتى أطَّت، أي: ثَقُلَتْ مِنْ كَثْرَةِ الملائكة ـ وحُقَّ لها أنْ تئِطَّ ـ أيْ: تَثْقُلَ بالملائِكة ـ ؛ ما فِيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلا وملكٌ واضعٌ جبهتَهُ ساجدًا لله. والله، لو تعلمون ما أعْلمُ لضحِكْتُم قليلا ولبكَيْتُمْ كثيرًا، وما تلذذتُم بالنِّسَاءِ على الفُرُشاتِ ) )رواه أحمدُ في المسند الترمذيُّ في السُّنَن وقال:"حديثٌ حسنٌ غريب"، وابنُ ماجةَ واللفظُ له وقالَ محقِّقُ جامعِ الأصول:"إسنادُهُ حَسَن".
إذا أثقلتْكَ كثرةُ الذُّنُوب وقَلَّتْ حفيظتُك منْ رفيعِ الحسنات وفضائلِ الأعمال فعليك بكثرةِ السُّجود، أخرجَ مسلمٌ في صحيحه عَنْ معْدَانَ بن أبِي طلحةَ اليَعْمُرِيّ قال: لقيت ثوبانَ مولى رسول الله فقلت له: أخبرني بعملٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بهِ الجنَّة أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثةَ فقال: سألتُ عن ذلك رسولَ الله فقالَ: (( عليكَ بكثْرَةِ السُّجودِ لله؛ فإنك لا تَسْجُدُ للهِ سَجْدَة إلا رفعَكَ اللهُ بها درجة وحطَّ عنكَ بها خطيئة ) )، قال معدان: ثم لقيتُ أبا الدرداء فسألتُه، فقال لي مثلَ ما قالَ لي ثوبان.
ومن اشتاقَ للقاءِ الرسولِ وتاقتْ نفسُه إلى مرافقتِه في الجنان فعليهِ بكثرةِ السُّجودِ لله، أخرجَ مسلمٌ في صحيحه عن ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ قال: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ اللهِ فآتيهِ بوضوئِه وحاجتِه؛ فقالَ لي: (( سلْ ) )؛ فقلتُ: أسألُك مرافقتَك في الجنَّة، قال: (( أوَغيرَ ذلك؟ ) )قلت: هو ذاك، قال: (( فأعنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السُّجُود ) ).
فيا بارئ الأرواح، يا من ترى كلَّ شيء وتعلمَ كلَّ شيء ولك الحمدُ في الأولى والآخرة، اجعلْنا ووالدينا وأزواجَنا وأولادَنا ومن لنا حقٌّ عليه ومن له حقٌّ علينا ممن كَثُرَ سجودُهُ فرَفَعْتَ درجاتِه وكفَّرْتَ سيئاتِه وجعلتَنَا ممَّن يرافقُ الرسولَ في جنات الخلد، يا أرحم الراحمين.
عباد الله:، أقول قولي هذا، وأستغفر اللهَ العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد: فإن لذةَ السجودِ ليستْ قصيرة بحيثُ يعقُبُها حزنٌ وكدرٌ وملل كنشوةِ المخمورِ ورقصةِ طَرِب، إنما هي لذةٌ تشوِّقُ صاحبَهَا لزيادةِ الذلةِ والخضوعِ لله ومواصلة العملِ لخدمةِ الإسلام، لذةُ السجود أوفى وأصفى من صوت الدرهم والدينار ومن ماءٍ باردٍ على كبدِ ظامئٍ فأحسَّ بروحِه تتراجع وأن عمرَه لن ينتهي، وإذا أردتَ ما يدلِّلُ على صحةِ هذا الكلام فإليك هذا الخبر:
أقدم أحدُ رعاةِ الإبلِ في مدينةِ الرياض على استقدامِ عاملٍ لكي يساعدَهُ على رعي الإِبِل، وطلبَ أن تكونَ ديانةُ هذا العاملِ هيَ الإسلام، واستقدمَ عاملا على أنَّهُ مسلم وإلا هو حقيقةً ليسَ بمسلم. ففي يومٍ منَ الأيَّام حضر وقتُ إحدى الصلوات وقد توضَّأَ كفيلُهُ ومنْ مَعَهُ تأهبًا واستعدادًا لأداءِ الصلاة، واستدْعَى الكفيلُ هذا العاملَ من أجلِ أنْ يصلّي ظنًا منه أنه مسلم، وأرادَ العاملُ أن يفهِّمَ كفيلَهُ بأنهُ ليس بمسلم، ولكنه لا يجيدُ اللغةَ العربية، وأرغمَهُ كفيلُهُ على الصلاة، واضْطُرَّ العاملُ إلى أنْ يسمعَ لكفيلِه ومن معه ويقلِّدَهُمْ في حركاتِهِمْ أثناء الصلاة، فكبر القومُ وكبر معهم، وكلما فعلوا شيئًا نظرَ إلى طريقتِهم وكيفَ يفعلون، ثمَّ يقلِّدُهُمْ. المهمُّ ـ أيُّهَا الإِخْوَة ـ عندما سجدوا سجدَ معَهُم، فقال العاملُ في نفسه ـ كما حكى عن نفسه بعد إسلامه ـ: أحسستُ بعظمةِ هذهِ الحركةِ منَ الصلاة ـ يقصِدُ السجود ـ؛ فبدأَتْ مشاعري تتعاطفُ معَ هذهِ الحركة، ثم قمت منْ هذه السجدة وتلتْهَا سجدةٌ أخرى فاستشعرتُ أنِّي أسجدُ للهِ سبحانَه وتعالى. هو إلى هذه اللحظةِ ليسَ بمسلم، فتأثر بسجودهِ لله مع أنه سجدَ ليس طواعيةً من نفسه، ثم تلاه سجودٌ آخر فخشع وخالج قلبَهُ الهدوء والطمأنينة ولذة التذلّلِ بين يدي الإله سبحانه وتعالى، فذهب بعدها وأعلن إسلامَه صراحةً في إحدى مكاتبِ دعوةِ الجاليات.
هذه القصة أبرقُها وأُرْسِلُها عاجلةً إلى الآباء: هل تشكون من قلة التزام أبنائِكم وخشوعهم في الصلاة؟! أسألكم بالله وبصراحة: كم مرةً أمرتَ ابْنَكَ بأداءِ السننِ الرواتب؟! وهل حفّظتَهُ وردَ الصباحِ والمساء؟! وهل أيقظته لقيام الليل وعوَّدتَهُ على الوتر قبل أن ينام؟! وكم مرةً اجتمعتَ أنتَ وإياهُ على كتاب الله أو حتى حضرتَ وإياهُ محاضرةً وعظيةً للدعاةِ الفضلاء أو دورةً علميةً لعلمائِنا الكرام؟!
لعلَّ هذهِ إشارةٌ ـ أيُّهَا الأبُ الفاضل ـ تغني عن صريحِ العبارة، تأمَّل حالَ هذا العامل من سجداتٍ معدودةٍ في صلاةٍ واحدة لم يجد بدًّا هذا العاملُ إلا أن يشهرَ إسلامَه وإخلاصَ عبادته لله تعالى، والكثيُر من الناس من سنينَ طويلة وهو يسجدُ في اليومِ عشراتِ المرات ولكنْ هوَ كما كان لم يتغيرْ منهُ شيءٌ في سلوكِه وأخلاقِه وتربيتهِ لأولادِهِ وإحسانِهِ إلى زوجتِه وإلى الناس، فإلى اللهِ المشتكى.
ومنَ المناسبِ هنا أن أذكرَ لكمْ دراسةً طبيةً حديثة عن أثر السجود في صحة المسلمِ، وباختصار هذا نصُّها: إذا كنت تعاني من الإرهاقِ أو التوترِ أو الصداعِ الدائمِ أو العصبية، وإذا كنتَ تخشى من الإصابةِ بالأورام فعليكَ بالسجود، فهو يخلِّصُكَ مِنَ أمراضِكَ العصبية والنفسية، هذا ما توصَّلتْ إليهِ أحدثُ دراسةٍ علميةٍ أجراها الدكتور محمدُ بنُ ضياءِ الدين بنِ حامد أستاذُ العلومِ البيولوجيَّة ورئيسُ قسمِ تشعيعِ الأغذية بمركزِ تكنولوجيا الإشعاع. وأكَّدَتِ الدراسة أن السجودَ لا يفيدُ الإنسانَ حتى يتوجهَ المسلمُ بسجودهِ إلى مكةَ المكرمة، فإن التوجه إلى الكعبة هو الذي يتمِّمُ وصولَ العافيةِ والراحةِ والخشوعِ للمؤمن، لا ينتفع الجسم مثلَ انتفاعِهِ عندما يتوجَّهُ بسجوده إلى البيت العتيق إلى الكعبة المشرفة، فسبحانَ الذي أبدعَ كلَّ شيءٍ بقدرته وحكمته.
ولنا وقفةٌ أخيرةٌ معَ حالِ السلفِ الصالحِ معَ السجود، أولئك الأمجاد، أولئك العبَّاد، أولئك النجوم التي بهم يهتدى ومناير الخير والعبادة التي تَشْخَصُ أعينُ المتهاونين والمتقاعسين والغافلين إليها لتنهل التميز والنجاح منها، أولئك الصفوة الصافية لا يَعْلَقُ لهمْ مبارٍ بغبار ولا يجارِيهِمْ أحدٌ في مِضْمَار، لقد حلَّوا أخبارَهم وسيرَهُمْ لا بالسجود فقط، ولكنْ بكثرةِ السجود لله، حتى توفَّى اللهُ بعضَهم وقبض روحَه على السُّجُود، فلهم مع السجود أخبار وأسرار:
القدوةُ الرباني أبو يزيد الربيعُ بنُ خيثم، كانَ رحمَهُ الله إذا سجد كأنه ثوبٌ مطروح، فتجيءُ العصافيرُ فتقعُ عليه. فسجودُهُ فيهِ هدوء وعدمُ حركةٍ وخشوعٌ وطول أيضًا، كالثوب المطروح، ومن طول سجوده تظنُّ العصافيرُ أنهُ ليسَ بإنسانٍ ذي حركة فتقعُ عليه.
وقال العلاءُ بنُ عبدِ الكريمِ الأَيَاميّ: كنا نأتي مَرَّةَ الهمدانيّ فيخرجُ إلينا فنرى أثرَ السجودِ في جبهتِه وكفَّيهِ وركبتيهِ وقدميه، قال العلاء: فيجلس معنا هنيهةً ـ يعني: قليلا ـ ثم يقوم فيعودُ لركوعه وسجوده.
وقال أبو الدرداء: (لولا ثلاثٌ ما أحببْتُ البقاءَ في الدنيا: ساعةُ ظمأٍ في الهواجر ـ يعني: صيامٌ في شدة الحرـ، والسجودُ في الليل، ومجالسة أقوامٍ ـ أي: أصدقاءٍ صالحين ـ ينتقون أَطَايبَ الكلام كما ينتقي أحدُهُمْ أطايبَ التَّمْر) .
وقال أبو داود: كان أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزوميّ إذا سجد يضعُ يدَهُ في طشتِ ماءٍ منْ علّةٍ كان يجدها، أي: يجعل يدَه التي تؤلمُهُ من وجعٍ بها في طشتٍ فيه ماء؛ لتخفِّفَ هذا الألمَ في السجود، لا يريد أن يكونَ هذا الوجع سببًا في صرفِهِ عنِ السُّجُود، فاستعملَ الماءَ في الطشت ليهوِّن الألمَ عن يدِه ويتلذذَ في سجوده.
وكان محمدُ بنُ شجاع صاحب تعبدٍ وتهجدٍ وتلاوةٍ، ثم ماتَ وهو ساجدٌ لله تعالى.
والإمامُ القانتُ أبو الخلائف أبو محمدٍ الهاشميِّ السَّجَّاد عليُّ بنُ عبدِ الِله بنِ العباس، ذكرَ عنهُ الأوزاعيُّ وغيُره أنه كان يسجدُ لله كلَّ يومٍ ألفَ سجدة. وسمِّيَ بالسَّجَّاد لكثرة سجوده.
هذا وصلّوا وسلّموا على صاحب الوجه الأغر والجبين الأزهر، محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل صلاةٍ وأتمُّ سلام.
اللّهمّ أكرمنا ووالدينا وأزواجنا وأولادنا بلذّة السجود بين يديك يا ذا الجلال والإكرام.