الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, المساجد, فضائل الأعمال
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-التحذير من الغفلة عن الموت. 2- تضييع الأمانة. 3- انتشار التهاون بصلاة الجماعة. 4- الأدلة على وجوب صلاة الجماعة. 5- من فوائد صلاة الجماعة. 6- التذكير بأداء صلاتي الفجر والعشاء في جماعة. 7- ثواب صلاة الجماعة.
أما بعد: فعلينا أن نقيم صلاتنا ونؤديها مع جماعة المسلمين في بيوت الله وحيث ينادى بها ما دمنا في زمن المهلة، ولنتعرف إلى الله في الرخاء لنجد المخرج في الشدة؛ فإن من نسي الله نسيه، ومن أضاع أمره أضاعه.
يا أمة محمد ، من منا عنده أمان من الموت حتى يتوب ويصلي ويركع مع الراكعين؟! أليس كل منا يخشى الموت ولا يدري متى يأتيه وهل يصبّحه أم يمسّيه؟! ألم يكن الموت يأخذ الناس بغتة وهم لا يشعرون؟! أما هجم على أناس في دنياهم وهم غافلون؟! أما بغت وفاجأ أناسًا خرجوا من بيوتهم فما استطاعوا مضيًا ولم يرجعوا إلى أهليهم؟! فمن منا أُعطي أمانًا أن لا تكون حاله كحال هؤلاء؟!
أيها المسلمون، وماذا بعد الموت الذي لا ندري متى يفاجئنا؟! إنه ليس بعده عمل ولا استعتاب، ليس بعده سوى الجزاء على العمل الذي عملناه في هذه الدنيا، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة: 7، 8] . تذكروا قول الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 37] ، لنغتنم المهلة والوقت والعمر الذي أعطاه الله لكل شخص منا، وليعمل كل منا ويقدّم لنفسه قبل أن تأتي ساعة الندم ولات ساعة مندم.
ورد عن رسول الله قوله: (( تنقض عرى الإسلام عروة عروة، وأول ما تضيع الأمانة وآخرها الصلاة ) ). فالأمانة قد ضيعت حقًا، ولا يَكاد يجد الناس إلا أشخاصًا معدودين في كل مكان يشار إليهم بالبنان لخبر رسول الله حين أخبر عن علامات الساعة حيث لا يَكاد يوجد في القبيلة بأكملها غير شخصٍ واحدٍ، وها هي الصلاة نجد التهاونَ بها وتضْيِيعَها سواء بتركها بالكلية أو بعدم أدائها في جماعة، وإن مما يؤسف له ما نراه من حالنا في هذه الأيام حيث نجد المساجد في آخر صلاة الجمعة مملوءة ومزدحمة بالمصلين وليس في بداية الخطبة أو الصلاة وفي الصلوات الخمس لا نجد إلا أعدادًا قليلة من المصلين من الطاعنين في السن وقلة من الشباب ومن المغتربين.
وأورد أدلة على وجوب صلاة الجماعة على الرجال في بيوت الله حيث يُنادى لها، أداءً للواجب وبراءة للذمة وإبلاغًا للحجة وخروجًا من الإثم، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا ويوفقنا لطاعته ويجنبنا جميع سخطه، ونسأله تعالى أن يحسن لنا جميعًا الخاتمة.
أيها المؤمنون بمحمد وما أنزل عليه من ربه، إن مما أوجب الله على الرجال في صلاتهم أن يؤدوها مع جماعة المسلمين في المساجد، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] ، وقال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور: 36-38] ، فهذه طريقة النبي وأصحابه وهديه وتوجيهه للصحابة رضي الله عنهم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) رواه مسلم رحمه الله.
إن المصلي مع الجماعة قائم بما فرض الله عليه، والمتخلف عن الجماعة بلا عذر عاصٍ لربه مخاطرٌ بصلاته، وإن من علماء المسلمين من يقول: إن من ترك الصلاة مع الجماعة بدون عذر فلا صلاة له، مستدلّين بأحاديث صحيحة، منها عن أبي بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول: (( من سمع النداء فارغًا صحيحًا فلم يجب فلا صلاة له ) )رواه الحاكم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: (( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ) )رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال:"صحيح على شرطهما"، ومعلوم العذر الشرعي الذي يباح معه للمسلم أن يتخلف عن صلاة الجماعة من مرض أو خوف أو مطر أو غلبة نوم أو حراسة ونحو ذلك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر ) )قالوا: وما العذر؟ قال: (( خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلَّى ) )رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه وابن ماجة بنحوه.
ولنتأمل قول الله عز وجل في صفة صلاة الخوف حين لقاء العدو والتي فيها صفة صلاة الخوف جماعة، ولم يُعذر المسلمون في حال الخوف عن إقامتها جماعة، فكيف بالآمنين المطمئنين القابعين في بيوتهم هل يجدون عذرًا بعد ذلك مع ورود الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب أداء الرجال لها في جماعة؟! قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: 102] .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) )رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلّون في بيوتهم ليست بهم عِلَّةٌ فأحرقها عليهم ) )، فقيل ليزيد بن الأصم: الجمعةَ عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أُذُنَايَ إنْ لم أكنْ سمعتُ أبا هريرة يَأْثُرهُ عن رسول الله ولم يَذْكُرْ جمعةً ولا غيرها. رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة والترمذي مختصرًا، وعن عمرو بن أم مكتوم رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يُلائِمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: (( أتسمع النداء؟ ) )قال: نعم، قال: (( ما أجد لك رخصة ) )رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، وروى الإمام أحمد بإسناد جيد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله أتى المسجد فرأى في القوم رقةً فقال: (( إني لأَهُمُّ أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه ) )، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: (( أتسمع الإقامة؟ ) )قال: نعم، قال: (( فأتها ) ). قال الخطابي بعد ذكر حديث ابن أم مكتوم:"وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرورة والضعف ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم"، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أقبل ابن أم مكتوم ـ وهو أعمى وهو الذي أُنزل فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس: 1، 2] وكان رجلًا من قريش ـ إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنا كما تراني قد دَبَرَتْ سِنِّي ورقَّ عظمي وذهب بصري، ولي قائد لا يلائمني قياده إياي، فهل تجد لي رخصة أصلي في بيتي الصلوات؟ فقال رسول الله: (( هل تسمع المؤذن في البيت الذي أنت فيه؟ ) )قال: نعم يا رسول الله، قال رسول الله: (( ما أجد لك رخصة، ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوًا على يديه ورجليه ) )رواه الطبراني، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقنّ بيوتهم ) )رواه ابن ماجة.
إن الحجج قائمة وكثيرة في هذا الزمان على ابن آدم، فالساعات في الأيدي وعلى الجدران في كل غرفة من المنزل، والتقويم وسماع الأذان والتذكير بأوقات الصلاة في الإذاعة والتلفاز، عدا مكبرات الأصوات التي هي من أكبر الحجج القائمة عليه.
إن الصلاة مع الجماعة نشاط وطمأنينة، والتخلف عنها كسل وإسراع بها غالبًا بدون طمأنينة، ينقرها المصلي نقر الغراب، وربما أخّرها عن وقتها. إن صلاة الجماعة تجلب المودة والألفة وتنير المساجد بذكر الله وتَظْهَرُ بها شعائرُ الإسلام، وبها يحصل التعارف بين كثير من المسلمين، وفيها تعليم الجاهل وتذكير الغافل ومصالح كثيرة، أرأيتم لو لم تكن الجماعة مشروعة فماذا تكون حال المسلمين؟! الأمة متفرقة، والمساجد مغلقة، وليس للأمة مظهر جماعي في دينهم، ومن أجل ذلك كان من حكمة الله ورحمته أن أوجبها على الرجال جماعة في المساجد، فاشكروا الله ـ أيها المسلمون ـ على هذه النعمة، وقوموا بهذا الواجب، واستحيوا من ربكم أن يفقدكم حيث أمركم، واحذروا عقابه ونقمته أن يجدكم حيث نهاكم.
الحمد لله شرع لعباده الشرائع وأكملها، وبين حدودها وفروضها وسننها، ولم يترك عباده في حيرة من دينهم ولا في نقص من عباداتهم بل بيّن لهم الدين وأكمله، فلم يمت نبيّه حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلله الحمد والنعمة وله الشكر والفضل والمنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا.
أما بعد: فلقد وردت أحاديث عن الرسول ترغّب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة، وكذلك الترهيب من التأخّر عنهما، أذكرها لعل القلوب المؤمنة تصحو وتنتبه من غفلتها ويرجع المسلمون إلى ربهم ويستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم ويعمروا مساجد الله بالصلوات المفروضة ويتأملوا قول الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور: 36-38] .
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله ) )رواه مسلم، وفي رواية أبي داود والترمذي: (( من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار ) )رواه البخاري ومسلم، وفي آخر رواية مسلم: (( ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها ) )يعني صلاة العشاء، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن؛ وذلك من أجل أن صلاتي الفجر والعشاء هي أثقل صلاة على المنافقين كما أخبر بذلك الرسول. وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله يومًا الصبح فقال: (( أشاهدٌ فلان؟ ) )قالوا: لا، قال: (( أشاهد فلان؟ ) )قالوا: لا، قال: (( إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب ) )الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي قال: (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ) )رواه مالك ومسلم واللفظ له، وعن سمرة بن جندب أيضًا عن رسول الله قال: (( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله تعالى ) )رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، ورواه أيضًا من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزاد فيه: (( فلا تخفروا الله في عهده، فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه ) )رواه مسلم أيضًا من حديث جندب، وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثْمة ذكَرَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمرَ غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمرّ على الشِّفاء أمِّ سليمان فقال لها: لم أَرَ سليمان في الصبح! فقالت له: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، قال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليّ من أن أقوم ليلة. رواه مالك؛ لأن الفريضة أهم من النوافل، فالمحافظة على صلاة الجماعة وخاصة الصبح أفضل من التطوع. هكذا تعلم الخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم أجمعين من رسول الله ، ويفتقدون ويسألون عمن يتخلف عن صلاة الجماعة كما فعل ذلك رسول الله من قبلهم.
والذي يعتاد المساجد ويشهد الصلاة جماعة ويحافظ عليها فهو مؤمن حقًا بإذن الله كما ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) )، قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة: 18] . رواه الترمذي. فعندما يتخلّف هذا المؤمن عن الصلاة يعلمون أنه لم يتخلّف إلا لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما، فيسألون عنه ليقوموا بالواجب نحوه في مرضه أو سفره، وإذا ما تخلف رجل وكثر تخلّفه عن الصلاة وخاصة العشاء والفجر ولم يكن له عذر المرض أو السفر أو الخوف وغيره فيعلمون أنه منافق يجب الحذر منه والابتعاد عنه إن هو أصرّ على ذلك بعد بذل النصيحة له.
والصلاة مع الجماعة مظهر من مظاهر شعائر الدين الإسلامي الذي يكشف المؤمن من المنافق في أي زمان ومكان، علمًا بأن المريض أو المسافر يُكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في حال إقامته وصحته سواء في حضور صلاة الجماعة أو السنن أو النوافل الأخرى أو الصيام أو قراءة القرآن أو غير ذلك من أنواع القرب والطاعات، وهذا يشمل الذكر والأنثى، وإنما ذكرت هذا هنا للاستشهاد به على الحضور إلى المساجد والصلاة فيها والذكر، قال رسول الله: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا ) )رواه البخاري.
وليبشر المسلم بالأجر العظيم لخروجه لصلاة الجماعة وخاصة مع المشقة ومن كان منزله بعيدًا عن المسجد وفي الظلام إشارة لصلاتي العشاء والفجر، وإن كان المغرب يدخل في الظلام بعد الصلاة وفي بداية الليل قبلها؛ لأن عموم الظلام يدخل فيه الصلوات الثلاث المغرب والعشاء والفجر وقيام الليل في رمضان والخسوف أو صلاة الليل منفردًا في الأماكن التي تكون فيها المساجد مفتوحة للعبادة، مع أن المشقة والظلام في أكثر بلادنا معدومة إلا ما ندر لوجود الإنارة والسيارات والشوارع والطرق الممهدة، وإن وجد ذلك في بعض ديار المسلمين الآن، وقد يوجد الظلام والمشقة حتى في المدن لمن تأمل ذلك. عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي قال: (( من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد لقي الله عز وجل بنور يوم القيامة ) )رواه الطبراني وابن حبان، وعن سهل بن سعد الساعديِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( بشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) )رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم واللفظ له وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله فقال لهم: (( إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ) )، فقالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: (( بني سلمة، ديارَكم تُكتب آثارُكم، دياركم تكتب آثاركم ) )، وفي رواية: (( إن بكل خطوة درجة ) )رواه مسلم رحمه الله، ورواه البخاري رحمه الله بمعناه من رواية أنس رضي الله عنه. بنو سَلِمَةَ بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار رضي الله عنهم، وآثارهم: خُطَاهم، ديارَكم بفتح الراء أي: الزموا مساكنكم التي أنتم فيها وابقوا فيها ولا تنتقلوا. وعن أبي المنذر أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له أو فقلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، فقال: ما يَسُرُّني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله: (( قد جمع الله لك ذلك كله ) )رواه مسلم، وفي رواية: (( إن لك ما احتسبت ) ). والرمضاء: الأرض التي أصابها الحر الشديد، ومعلوم حرّ المدينة النبوية في الصيف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا فنزلت: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس: 12] فثبتوا. رواه ابن ماجة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا ) )رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها مَمْشًى فأبعد ) )جزء من حديث رواه البخاري ومسلم.
ويُكتب الأجر حتى لذلك الذي خرج إلى الصلاة ووجد الناس قد انتهوا من صلاة الجماعة، فبذلك ورد الخبر عن سيد البشر محمد ، وهذا من فضل الله وكرمه على عباده المؤمنين ورحمته بهم، حيث تكتب للمصلي كل خطوة بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، ويحط بها سيئة ويرفع له بها درجة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ) )رواه أبو داود والنسائي والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم".
فيا أيها الرجال من المسلمين، ارجعوا إلى ربكم، وتوبوا إليه، واعمروا مساجد الله بدلًا من الجلوس أمام القنوات الفضائية والاشتغال باللهو واللعب وعدم الحضور لصلاة الجماعة أو التأخر عنها حتى من الحريصين على أدائها بحيث تفوتهم لانشغالهم بشبكة المعلومات لئلا يفوتهم ما يريدون من خير أو شرّ، فقد دخل الشيطان حتى على الحريصين على صلاة الجماعة؛ فتجد أحدهم لا يلحق إلا آخر الصلاة وقد تفوته في أغلب الأحيان، فما بالنا ببقية الناس وعامتهم من الذين لا يأتون المساجد إلا في رمضان أو في الجمع أو في المناسبات أو كما يفعل الطلاب أيام الاختبارات؟! فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا، وحافظوا على صلاة الجماعة على الدوام وليس في المناسبات ووقت الأزمات قبل أن تأتي ساعات الندامة والحسرات، فالتوبة التوبة، والله يقبل توبة التائبين ويغفر ذنوب المذنبين ويبدل التائبين الصادقين حسنات عن إساءاتهم السابقة إن هم صدقوا في توبتهم، قال تعالى: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70] ، وقال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ [الزمر: 53-59] .