فهرس الكتاب

الصفحة 3062 من 5777

ذم الفرقة والاختلاف

أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد

فرق منتسبة, قضايا دعوية

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-حرص النبي على الاجتماع والتآلف. 2- الخلاف المذموم. 3- الخلاف في المسائل الاجتهادية. 4- السبيل إلى تضييق دائرة الخلاف.

أما بعد: يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] .

معاشر المسلمين، إنَّ قلوبنا تعاني اختلافًا كبيرا وفُرقة خطيرة، وهذا ضد ما أمرنا به الله في كتابه من اجتماع الكلمة ووحدة الصف، والحرص على اجتناب كلِّ ما يوجب الفرقة بين المسلمين.

فلقد كان رسول الله يحرص على الاجتماع والتآلف، حتَّى في أدق الأمور، فقال ابن مسعود: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) )رواه مسلم، وروى أبو داود بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرَّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله: (( إنَّ تفرُّقكم في هذه الشعاب والأودية إنَّما ذلكم من الشيطان ) )، فلم ينزل بعد ذلك منزلًا إلاَّ انضمَّ بعضه إلى بعض، حتَّى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهم.

روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: (( خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ) ).

وهذا عبد الله بن مسعود عندما صلَّى بهم عثمان بمنى أربع ركعات قال ابن مسعود: صليتُ مع رسول الله ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، فيا ليت لي ركعتين مقبولتين، فقيل له: ألا صليت ركعتين؟! قال: الخلاف شر. رواه البخاري بمعناه.

وليس الخلاف جنسًا واحدًا كلُّه شرّ، كما قد يتبادر إلى ذهن من لا يحقِّق، بل الخلاف منه ما يوجب التفرُّق في الدين، وهو الاختلاف الواقع بين ملَّة الإسلام وما سواه من الأديان والملل، وهو اختلاف بين الكفر والإيمان، ثمَّ الاختلاف الواقع بين أهل السنَّة والجماعة وبين أهل الأهواء والبدع، وهو اختلاف بين السنَّة والبدعة.

فهذا هو الخلاف المذموم، وكلُّه شرٌّ وفتنة ونقمة، وليس هو برحمة، وهو الذي قال الله فيه: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118، 119] . فهذا الذي نهينا عنه، لأنَّه يوجب الفُرقة والاختلاف، ويمنع من الجماعة والائتلاف.

وأمَّا الخلاف الواقع بين العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة، فهذا ليس كلُّه مرفوضًا، بل منه ما هو تنوّع وليس باختلاف، ومنه ما هو تناقض أو تضادّ، فهذا عامَّته اختلاف اجتهادي، والعلماء معذورون فيه، ولذلك فلا يجوز الإنكار على المخالف لأنَّه لا ينقض اجتهاد باجتهاد، ولا يحجر على رأي برأي. فهذا النوع من الخلاف هو من توسعة الله على هذه الأمة ورحمته، كما وسّع عليهم في تنوُّع بعض العبادات وحروف القرآن، فأنزله على سبعة أحرف، ثمَّ جمعهم على مصحف عثمان، وكذلك كان من رحمته أن يسَّر لهم سبيل الفقه في الدين والعمل به، فجمعهم على أربعة مذاهب فقهيَّة مضبوطة محرَّرة محفوظة، فلا ينكر حنفيٌّ على مالكيٍّ، ولا شافعي على حنبليٍّ، ولا بعضهم على بعض، كما كان الأئمَّة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل إخوة متحابين متآلفين يستفيد المتأخِّر منهم من سابقه، وهذه المذاهب لا يخرج الحقُّ في المسائل والدلائل عن واحد منها، وبأيِّها تفقّه الطالب أجزأه.

ومع هذا فباب البحث والمناصحة والمناقشة يبقى مفتوحًا، سواء في ذلك الدلائل أو المسائل، ما تعلَّق بالرواية أو بالدراية، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد التي سبيلها الاجتهاد أو مسائل الأحكام، وليبقى باب الاجتهاد في التوصُّل إلى الراجح أو الأرجح والأصوب مفتوحًا إلى قيام الساعة، كما هو مفتوح في قضايا النوازل إلى آخر الدهر.

وإنَّما المذموم هو العصبيَّة لواحد منها بعينه وامتحان الناس به، ونصب العداوة لما سواه، فهذه هي الفُرقة في الدين التي نهينا عنها، والتي نهى عنها أرباب المذاهب أنفسهم.

ومع هذا فالسعي إلى تضييق دائرة الخلاف حسن، والسبيل إلى ذلك كما نبيِّنه بعد حين، والحمد لله رب العالمين.

إنَّ السبيل إلى تضييق دائرة الخلاف يكون بما يلي:

أوَّلًا: ردُّ الخلافات كلِّها إلى حكم الله وهو كتابه وسنة نبيِّه، كما أدَّبنا الله تعالى بذلك فقال: فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] ، وقال: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10] .

ثانيًا: كِلة الأمر إلى أهله، فأهل العلم هم الذين يدرسون القضايا ويستنبطون أحكامها، وهم الذين يُصدرون فيها القرارات، وعنهم تصدر الأمَّة في جميع شؤونها، قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ، وقال: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:83] .

ولكن ربَّما بعض طلبة العلم فضلًا عمَّن دونهم من صبيان الطلبة، ربَّما رضي بما عنده من العلم، وأصبح يجادل به كلَّ من يخالفه، وهذا سبب من أسباب الفُرقة والاختلاف. وأنت إذا كنت طالب علم، فنظرت إلى قصورك، بل إلى عدم بلوغك رتبة العلماء المبرَّزين في شتَّى فنون العلم، شُغلت بنفسك عن انتقاد الآخرين.

ويساعدك على هذا أن تنظر إلى اختلاف الصحابة فمن بعدهم من التابعين والأئمَّة المتبوعين، إذا نظرت إلى اختلافهم حملت مخالفك على السلامة، ولم تطالبه بالخضوع لرأيك، وعلمت أنَّك بمطالبته للخضوع لرأيك تدعوه إلى تعطيل فهمه وعقله، وتدعوه إلى تقليدك، وأصل التقليد في الدين حرام.

وإذا نظرت إلى أحوال المجتمع الذي تعيش فيه، وما يتخبَّط فيه من الجهل بأهمِّ حقائق الإسلام، شغلت عن مخالفة أخيك الذي يخالفك في مجرَّد الفهم لآية أو حديث، أو في علَّة قد توهن الحديث وقد لا توهنه، وقدَّمت الأهمَّ فالأهم، فإنَّ النبيَّ حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: (( ليكن أوَّل ما تدعوهم إلى شهادة ألا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله... ) )الحديث متفق عليه.

وحسبك أن تعلم أنَّ الاختلاف لا انفكاك عنه لأحد، فهذه ملائكة الرحمن يختلفون ويختصمون، كما قال تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص:67-69] ، وكذلك الأنبياء يختلفون، فهذا نبي الله سليمان خالف أباه النبي داود عليهما السلام في الحكم بين امرأتين اختصمتا في صبي؛ تدَّعي كل واحدة أنَّه ابنها، والقصة في الصحيحين، وخالفه أيضًا في غير ذلك كما قال تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78، 79] .

فدع عنك ـ أخا الإسلام ـ الاشتغال بالتنابز والتدابر والتهاجر والتقاطع بسبب الاختلاف في أمور لا توجب ذلك، واذكر قول النبيِ: (( إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ) )رواه مسلم.

وإذا لم يردعك هذا فما أنت إلاَّ واحد من دجَّالين وفتانين كانوا قبلك وسيكونون بعدك، خلقهم الله لذلك، وجعلهم فتنة للناس، كالأفاعي ينفثون سمًّا ثمَّ يهلكون. والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت