الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
التربية والتزكية, قضايا الأسرة, قضايا المجتمع
عبد الرحمن بن عبد الجبار هوساوي
الظهران
جامع جامعة الملك فهد
1-غربة آخر الزمان. 2- البيت وأثره في التربية. 3- خطر الفساد الخلقي. 4- واجب الجميع تجاه المنكرات.
ما زال الحديث موصولًا عن أسباب عدم الالتزام بشرع الله، وقد مضى الحديثُ عن الجزء الأول والأهمّ، وعرفنا الأسباب العشرة التي تعود مسؤوليتها إلى الفرد نفسه، لكن هذه الأسباب مهما تحصَّن الإنسان ضدها فإنه لن يستطيعَ الالتزام المطلوب؛ لأنه لا يعيش وحده بمعزل عن الناس، بل يعيش محاطًا بالناس أفرادًا ومؤسّسات، لا يستغني عنها، وتؤثر عليه بلا شك سلبًا أو إيجابًا، فمهما كان صادقًا ومخلصًا فإنه لن يسلم من آثارِها السلبية عليه، حتى لو لم يعرّض نفسه لهذه الفتن؛ لأننا نعيش في زمن لا يحتاج الإنسانُ أن يُعرِّضَ نفسه للفتن، بل هي تلاحقه في كل مكان حتى في بيته فضلًا عن السوق والملاهي، ولعل هذا هو الزمن الذي تنبأ الرسول به وأخبر عن صعوبة الالتزام بشرع الله فيه، روى البزار والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله: (( إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين ) )، قالوا: منهم أو خمسين منا؟! قال: (( خمسين منكم ) )، وفي رواية الطبراني: (( للمتمسكِ فيه أجرُ خمسين شهيدًا منكم ) ).
لا أدري إن لم يكن هذا هو زمان الصبر كيف سيكون؟! رحماك ربنا أن يمرّ بنا زمن أسوأُ من هذا الزمان الذي خوِّن فيه الأمين وشهّر بالمتمسّك بدينك وأصبح الالتزام تهمة.
والله، إننا في زمن غُربة وكُربة، يعزّ فيه الالتزامُ بشرع الله تعالى، هكذا هو قدرنا، لكن الأجرَ على قدر المشقة، وقد خفّف الوطء على أهل ذلك الزمان بالأجر العظيم الذي رتَّبَه للمتمسّك بدينه فيه: (( أجر خمسين شهيدًا منكم ) )، فما لنا لا نصبر وهو قدرنا وهذا أجرنا.
فإذا تصبك مصيبةٌ فاصبر لها عَظُمت مصيبةُ مبتلًى لا يصبرُ
أيّها الإخوة، أول هذه المؤثرات هو البيت، وما أدراك ما البيت، دعونا اليوم نكن صادقين مع أنفسنا، ودعونا من المجاملات والتلهي عن مواجهة الحقيقة المرة، ما أحوالُ بيوتِنا بصراحة؟ هل هي مؤهلة لإخراج أجيال، لا أقوال: كجيل الصحابة؛ لأننا ـ معشرَ الأباءِ ـ لسنا كالصحابة رضي الله عنهم، بل أقول: كجيل آبائنا وأجدادنا؟! هل بيوتُنا معاولُ هدم أم بناء للشخصية الإسلامية؟! أقول كلامًا لا أعمّمه: للأسف كثير من بيوتنا ما عادت محاضن تربية، بل مطاعم تأكيل وتسمين، لقد تخلّينا عن رسالتنا وواجبنا تجاه أبنائنا الذي لخّصته آية في كتاب الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] . أليس كثير من بيوتنا تعمل على عكس هذه الآية؟! أليس في كثير من الأحيان نكون سببًا في تفريطهم بحقوق الله؟!
الذي يجلب إلى بيته المنكر ثم يقول: هو سلاح ذو حدين، أو يريد متابعة الأخبار العالمية والبرامج العلمية، كلام نظري جميل، ثم يترك الحبل على الغارب للمراهقين والمراهقات، لا رقابة ولا متابعة، أتراه أحسن أم أساء؟! أتراه نصح أم غش رعيته؟! لنعلم أن الله تعالى سائلٌ كلّ راعٍ عما استرعاهُ: أحفظ أم ضيعهُ؟ حتى يسألَ الرجل عن أهلِ بيته، هذا كلامُ رسول الله.
الوالدان اللذان يخالفان أمر الله بأيّ صورة كانت كذبًا أم غيبةً، تركًا للصلاة أم تبرجًا وسفورًا، أم عكوفًا على مشاهدة المحرمات، هل هذا قدوة حسنة أم سيئة؟! وصدق من قال:
إذا كان ربُّ البيت بالدُّفِّ ضاربًا فشيمةُ أهلِ البيت كلِّهِمُ الرقصُ
أنّى لهولاء الضحايا أن يستقيموا على شرع الله الذي لم يرَوه في بيوتهم بل رأوا خلافه وعكسه؟! وفي المثل:"لن تجني من الشوك العنب"، نحن مُسلِّمون بقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:19] ، لكننا نتكلم عن (1+1=2) وليس عن قدرةِ الله.
إن كنت تزعم أن للدِّين وزنًا في نفسك وأنك تزاوِل التربية مع أبنائك فأجب عما يلي:
ما نسبةُ عتابك وتوجيهك لابنك على التقصير في حقوق الله مقابلَ عتابك بل ضربك عند تقصيره في حقوقك أو حقوق المدرسة؟ أمّا هدي رسول الله فكما وصفته أم المؤمنين عائشة: وما انتقم رسول الله لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى.
من هم أصدقاء أبنائك وبناتك؟ أمعرِضون أم مستقيمون؟ الله أعلم.
ماذا يقرؤون؟ قصصًا غرامية أم تربوية؟ لست متأكّدًا؟! ألست أنت الذي اشترى أو أذِن بشراء المجلات التي تقتل الحياء وتثير كوامن الشهوات؟!
أين وكيف يسمرون؟ وماذا يشاهدون؟ من يهاتفون؟ وماذا يقولون؟ صور من يقتنون؟ ولماذا يقتنونها؟
لست أقصد التجسّس وفقد الثّقة، ولكن أليست الوقايةُ خيرًا من العلاج؟!
مشكلة التربية في ثلاثة أنواع من الآباء: عنيفٌ يُكَرّه الأبناء في الدّين، ومايِع بالغ في حسن الظنّ يزعم الحضارة والديمقراطية فماعت الأمور، ومشغول بالدنيا لا يبالي بالتربية. نعم، قد وفّر كلَّ شيء مادّيّ وزيادة، لكنه ترك أبناءه أيتامًا وهو حيّ يرزَق، كما قال شوقي:
ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من همّ الحياة وخلّفاه ذليلًا
إنّ اليتيمَ هو الذي تلقى له أمّا تخلّت أو أبًا مشغولًا
صدقتَ يا شوقي، فما أكثر الآباء المشغولين على حساب الأبناء، وما أكثر الأمهات اللاتي تخلّين لصالح الخادمات الجاهلات، والأدهى والأمر الكافرات، أو للإعلام.
أيها الإخوة، كما لا يخفى على أمثالكم فالتربية ليست وعظًا ولا عقابًا ولا حلًا للمشكلات فقط، ولا ردات فعل، وإن كان كل ذلك مطلوبٌ، لكنها منهجٌ متكاملٌ، فيه هدم وبناء، وتعليم وتزكية، وقدوة وممارسة، واستمرار وتكرار، وهذه التربية هي مسؤولية البيت قبل أيّ مؤسسة، والوالدان هما السبب الأول لاستقامة أبنائهم أو انحرافهم لا قدّر الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14، 15] .
ومن المعيقاتِ عن الالتزام بشرع الله المجتمعُ، لكن هلا سألنا أنفسنا: من هو المجتمع؟ هل المجتمع هو البيوتُ والشوارعُ، أمِ الأيامُ والليالي، أم أنه عدوٌ غريبٌ مستعمر؟ أليس المجتمعُ أنا وأنت؟! بلى، فالمجتمع ما هو إلا مجموعُ أُسَرِنا، فإن مدحناه فقد مدحنا أنفسَنا، وإن ذممناه فقد ذممنا أنفسَنا، والمجتمعُ يُحكم عليه بالصلاحِ أو الفسادِ تبعًا لأهله التزامًا لحدود الله أو انتهاكًا لمحارم الله، وصدق القائل:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
أيّها الإخوة، وأبرزُ أنواعِ الفسادِ المؤثّر على المجتمعات والتي تعيق الالتزامَ بشرع الله في كل زمان ـ وخاصة هذا الزمان ـ الفساد الخلُقي، لذلك لم يكتفِ الإسلام في واقعيته بتحريم الزنا فحسب، بل حرّم سائرَ مقدّماته وأسبابه، فحرم سفر المرأة بلا محرم، وحرم الخلوة والاختلاط والتبرج والسفور، ورغم ذلك تجد بعض المسلمين ـ وربما من المحافظين على الصلاة ـ لا يعبأ بذلك، بل تساهله وصل إلى حدّ اللامبالاة.
أما تعلم ـ يا عبد الله ـ أنك عندما تأذن لنسائك وبناتك بالخروج للمجتمع سافرات متبرجات متزينات ومتعطرات أنك شريك لهن في إثارة غرائز الشباب وإشغال قلوبهم، وفي تحطيم قيم المجتمع وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا؟! أما تخشى أن تكون من الداخلين في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] ؟!
أضعفُ الإيمان ـ يا عبد الله ـ أن لا تكونَ معول هدم إن لم تستطع أن تكون لبنةَ بناء صالحة في المجتمع، ففي هذه الحالة تكون قد أحسنتَ وأُجرت إن شاء الله، ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله: (( على كل مسلم صدقة، فإن لم يجد فيعمل بيده، فينفعُ نفسه ويتصدَّق، فإن لم يستطع فيعينُ ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يفعل فيأمرُ بالخير، فإن لم يفعل فيمسك عن الشرِّ؛ فإنه له صدقةٌ ) ).
وزاد الطين بلة سلبيةُ المجتمعِ تجاه المنكرات، اعلم ـ علمني الله وإيّاك ـ أن السلبي تجاه المنكر كالفاعل، كلاهما آثم، الفرق بينهما أن الأول شيطان ناطق والثاني شيطان أخرس كما قال ابن القيم، ولن يستحقَّ مجتمعٌ مسلمٌ العذابَ إلاّ إذا كَثُرَ السلبيون مع كثرةِ المنكرات، يقول رسول الله: (( ما مِن قوم يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أعزُّ وأكثرُ ممن يعملُه ثم لم يغيرُوه إلا عَمَّهُم الله تعالى منه بعقاب ) )أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وسألت أمُ المؤمنين زينبُ رسولَ الله: أَنَهْلَكُ وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم، إذا كَثُرَ الخبثُ ) )أخرجه البخاري.
أسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا تجاه دينه، وأن لا يؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا.