فهرس الكتاب

الصفحة 3841 من 5777

حرمة الدماء المسلمة والمستأمنة

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

جرائم وحوادث, محاسن الشريعة

عبد العزيز بن محمد القنام

وادي الدواسر

جامع النويعمة القديم

1-أهمية الأمن في حياة الفرد والمجتمع. 2- تغليظ الشريعة في قتل الأنفس المعصومة. 3- الجرأة على الدماء جرأة على محارم الله. 4- استنكار أعمال الفئة الضالة التي وقعت. 5- واجبنا تجاه هذه الأحداث. 6- دور رجال الأمن في استقرار المجتمع. 7- لا يكون المنكر سبيلًا للإصلاح أبدًا. 8- كلمة لرجال الأمن.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الأمن مطلب إنساني وحاجة ضرورية للبشر جميعًا، فالأمن هو الدوحة التي يستظل بها الناس، فتطمئن نفوسهم، وتستقر أحوالهم، وينتشرون في الأرض لإصلاح أمورهم وطلب معاشهم. في ظل الأمن واستتبابه واستقراره تهدأ النفوس، ويتطلع الناس إلى تحقيق الآمال وما يصبون إليه. في ظل الأمن ينجح اقتصاد البلاد، ويتآلف العباد، وينتشر العلم، ويتسابق الناس في ميادين الخير والفضل. في ظل الأمن يعبد الناس ربهم في اطمئنان، وتعمر المساجد، ويتسابق الناس إلى مجالات الخير، ولهذا يمتن الله تعالى على أهل مكة حيث جعلها بلدًا حرامًا يأمن الناس فيها، فيقول عز وجل: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4] ، وفي آية أخرى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67] .

الأمن ـ أيها الإخوة ـ حاجة فطرية للناس جميعًا، مسلمهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم، مسافرهم ومقيمهم، الناس جميعًا يحتاجون إلى الاطمئنان والأمن والراحة النفسية، ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة الخاتمة التي أكملها الله تبارك وتعالى وأتمها علينا ورضيها لنا دينًا، جاءت بتحصين كل سبب يحقق الأمن ويحفظه، وجاءت بالندب إلى العناية بالأمن، وحذرت من كل وسيلة تخل بأمن الناس أو تجلب لهم الخوف والاضطراب، إلى درجة أن الشرع حرم على المسلم أن يروّع أخاه المسلم، انظروا إلى أدنى حد وصلت العناية بالأمن، لا يجوز للمسلم أن يروّع أخاه، ولا يجوز للمسلم أن يحمل السلاح في أسواق المسلمين، ومن دخل بسيف أو سهم فليمسك بنصالها حتى لا يؤذي بها أحدًا من عباد الله. انظروا إلى أي حد بلغت عناية الشرع المطهر بأمن الناس حتى في المناظر المخيفة، وحتى في الإزعاج الذي ربما يتسبب فيه بعض الناس من غير قصد، فما بالكم بما هو أكثر من ذلك؟!

لقد شدد الشرع المطهّر على حرمةِ الدماء والأعراض والأموال وحرمةِ أمن الناس، وشدد في تحصين كل مصلحة تعين على الأمن، وشدد في تحريم كل مفسدة تضرّ بالأمن، كل ذلك من أجل أن يأمن الناس ويطمئنوا في معاشهم، فيعبدوا الله على بصيرة، ويقيموا شعائر الله وهم مطمئنون مرتاحون، لا يخافون في الله لومة لائم.

أيها الإخوة الكرام، إنّ وجود الإنسان على هذه الأرض هبة من الله تبارك وتعالى، والحياة منّة من الله، لا تؤخذ ولا تسلب ولا تزهق الروح إلا بشرع من الله تبارك وتعالى، شدّد الله عز وجل في حرمة الحياة لابن آدم، حيث بيّن جلّ وعلا أنه لا يجوز الاعتداء على حياة الناس ولا قتلهم ولا سفك دمائهم، بل قد عد الملائكة الكرام عليهم السلام في نقاشهم مع ربهم وسؤالهم له عز وجل سؤال المستفهمين والمتعلمين عندما أخبرهم جل وعلا بخلق آدم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] ، فانظروا إلى هذا الأمر المتقدّم جدًا، حتى إن ملائكة الرحمن عدوا سفك الدماء من الفساد في الأرض الذي ينافي الحكمة من خلق الأرض وخلق الناس وخلق الحياة على هذه البسيطة، أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ.

أيها الإخوة في الله، في أول حادثة غدر وقتلٍ وقعت على هذه الأرض بين ابني آدم هابيل وقابيل، عندما قتل قابيل أخاه عدوانًا وظلمًا وهوَى نفسٍ وتشهّيًا وتشفّيًا وحسدًا وانتقامًا أنزل الله تبارك وتعالى شرعًا ينفّذ إلى قيام الساعة، ووحيًا يتلَى إلى نهاية العالم، قال الله تعالى بعد حكايته هذه القصة في سورة المائدة: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] . انظروا عظمة الإسلام، انظروا عظمة التشريع، يا عباد الله، قتل نفس واحدة يعادل قتلَ الناس جميعًا، ومن ذا الذي يستطيع أن يحصر الناس من أول خلق آدم وإلى قيام الساعة؟! بلايين أو مليارات أو عدد لا يعلمه إلا الله، من قتل نفسًا واحدةً ظلمًا فكأنما قتل هؤلاء العالم جميعًا، يا لها من جريمة! ويا لها من مصيبة! ويا لها من فعلة نكراء وعدوان بشع وتسلّط قذر! يقع فيه أولئك المجرِمون المفسِدون الذين يقتلون الآمنين والمطمئنّين ويعتدون على الناس بغير وجه حق.

أيها الإخوة الكرام، يكفي ما جاء في القرآن من وعيد: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93] .

أيها الإخوة الكرام، إنّ هذا الوعيدَ وهذا التشديد مقصده سلامة الناس جميعًا، ومقصده أن يتقي الناس ربهم في إخوانهم، وأن يرتدعوا، وأن يتذكروا مسؤوليتهم أمام الله، وأن يخافوا الله قبل أن يقدموا أو يعينوا أو يفكّروا في الاعتداء على أي حي بغير حقّ شرعي، قال النبي: (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) )، يعني إذا أصاب المؤمن دمًا حرامًا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصار في ضيق من دينه، وصار في حرج مع ربه، فماذا يفعل بإزهاق هذه الروح؟! وماذا يفعل بهذا الدم الحرام الذي سفكه، والذي تعدّى عليه بغير إذن من الله تعالى؟! قال النبي: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )، أما غير هذه الأسباب فلا يجوز سفك الدم، ومَن الذي يسفك الدم في هذه الحالات الثلاث؟! إنه الحاكم المسلم بحكم القضاء العادل، بإقامة البينات وتكامل الشروط والأسباب التي تجعل القاضي يحكم بإراقة دم هذا الفاعل الثيب الزاني أو النفس بالنفس، القاتل يقتل قصاصًا، أو التارك لدينه المفارق للجماعة، فليس هذا الأمر لعبة ينفذها بعض الناس على من يريدون، أو يتصورون أنه يحل لهم أن يقتلوا الزاني الثيب أو يقتلوا القاتل من عند أنفسهم أو يقتلوا المرتد من عند أنفسهم، الذي يحدد أن هذا ثيب زان أو يحدد أن ذاك مرتد أو ذاك قاتل يستحق القصاص هي المحاكم الشرعية والقضاة الشرعيون الذين يطبقون معالم الشريعة وينفذون شروط الشرع المطهر، فليست الأمور لعبة بيد أحد السفهاء، وليست المسائل هينة حتى يجترئ عليها الجهلاء.

أيها الإخوة الكرام، لقد شدد الشرع في حفظ الدماء، قال النبي في آخر وصاياه وآخر توجيهاته في حجة الوداع، تلكم الحجة العظيمة التي اجتمع لها الناس من كل فج عميق، أذّن مؤذّن رسول الله يستنصت الناس ويسمعهم في ذلك الموقف العظيم، وردّدها النبي ثلاث مرات: في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الحادي عشر، كلها يذكر فيها النبي حرمة الدماء والأعراض: (( ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ) )نعم قد بلغ ، ورمى بها في أعناقنا، وألقى بمسؤوليتها في ذممنا، وكلّنا مسؤولون عنها أمام الله يوم القيامة، هل رعينا تهديده وحذرنا وعيده؟! هل احترمنا ما أمرنا الشرع باحترامه؟! هل خفنا الله في دماء المسلمين وأعراضهم؟!

أيها الإخوة الكرام، إن الجرأة على الدماء وتساهل الناس في أمرها ولو بالكلام ولو بالتبرير ولو بالسكوت إنما هو جرأة على محارم الله واعتداء على حدود الله وتلاعب بشرع الله واجتراء على سلطان المسلمين وولاية المسلمين وخروج على أئمة المسلمين، وكل هذا محرم في شرع الله يا عباد الله، لا يجوز لمسلم أن يخرج عن طاعة أمير المسلمين ولا ولي أمرهم المبايع، ولا يجوز لمسلم أن يعين على ذلك، ولا يجوز لمسلم أن يسعى بإراقة معصوم، ولا أن يعين على ذلك؛ لأن هذا كله من التعاون على الإثم والعدوان، ومن الجرأة على محارم الله، قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30] .

أيها الإخوة المسلمون، لقد حزّ في نفوسنا وآلم قلوبنا تلكم الجرائم البشعة والأفعال المنكرة التي أقدم عليها بعض السفهاء وبعض الجهال ممن ينتسبون إلى فئة الضلال والخروج والمروق على جماعة المسلمين، تلكم الجرائم التي ذهب ضحيتها تسعة من رجال الأمن في ظرف ثمان وأربعين ساعة، في أعمال جريئة وأفعال قبيحة وجرائم منكرة، لا مستند لها في شرع ولا في عقل ولا في تصرفات.

أيها الإخوة الكرام، إنها لمصيبة عظمى على مجتمع المسلمين أن يجترئ بعضهم على بعض، وأن يتجاوز بعضهم الخطوط الحمراء في الاعتداء على ولاية المسلمين وعلى رجال الأمن وعلى من يقومون بتنفيذ شرع الله في عباد الله.

أيها الإخوة الكرام، إن هؤلاء الجناة، إنّ هؤلاء المجرمين الذين أجرموا في حق بلدهم وفي حق إخوانهم المسلمين وفي حق دينهم وفي حق ولايتهم ينفذون ما يراه أعداء الإسلام ببلاد المسلمين، إذا كان أعداء المسلمين يقتلون إخواننا في فلسطين، ويقتلون إخواننا في العراق أو في غيرها من بلاد الإسلام، ونحن نتألّم ونضجّ ونرفع أيدينا إلى الله داعين لإخواننا بالنصر، وداعين على أعداء المسلمين بالذلّ، فماذا نفعل بمن يعتدون علينا في بلادنا؟! ماذا نقول لمن يحقّقون ما يريده أعداؤنا؟! إن ما يريده أعداء هذه البلاد أن تقوّض من داخلها، وأن يهدمها أبناؤها، وأن يضطرب الأمن فيها على أيدي بعض سفهائه، فهؤلاء لا يرضون بأفعالهم إلا أعداء الإسلام، ولا يحققون إلا مراد أعداء الدين، كأنهم يقومون بنفس الفعل الذي يقوم به اليهود وأعداء الإسلام في بلاد الإسلام الأخرى، لقد كفت هذه الشرذمة الضالة وهذه الفئة المخطئة وقامت بما يريده أعداء الإسلام في زعزعة أمن بلاد المسلمين وبلاد الحرمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن نعيدَ النظر في كثير من المواقف تجاه هذه الأحداث، وأن لا تمر علينا مرور الكرام، وأن نتحمّل مسؤوليتنا جميعًا ولاةً وعلماء وعامّة ومربين ودعاةً ومثقَّفين وغير ذلك، كل مسؤول على ثغر، كل منا على ثغر، فلا بدّ أن يؤدِّي مسؤوليته.

نسأل الله تعالى أن يصلِحَ الأحوال، وأن يبصِّرنا وإياكم بالحق، وأن يهدينا لاتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى، المعظمين لحرمات الله، المحافظين على أمن المسلمين في أوطانهم وفي ديارهم، القائمين بحق الله تبارك وتعالى، المجتمعين على طاعته، إنه تعالى سميعٌ مجيب الدعوات.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، والسائرين على سنته بإحسان إلى يوم القيامة، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الجرأة على الدماء والجرأة على الحرمات علامة من علامات الفساد والضياع، وبداية لتفكك المجتمع، وبداية لأخطار وشرور تلوح في الأفق، فينبغي للناس أن لا يتساهلوا، وينبغي للناس أن ينتبهوا، وينبغي للناس أن يعلموا أن هذه الأمور محرمة في شرع الله، وقد أفتى علماؤنا رحم الله من مات منهم ومن بقي من الأحياء أفتوا بحرمة هذه الأعمال، وبأنها من الخروج على جماعة المسلمين، راجعوا الفتاوى التي صدرت بعد تفجيرات الرياض في عام 1416هـ، أو بعد التفجير الذي حصل في العام الماضي في الحادي عشر من شهر ربيع الأول في السنة الماضية، واقرؤوا ما كتبه العلماء الأجلاء وما ذكروه من الأدلة التي تحرم هذه الأعمال، هذه التفجيرات، هذه الاعتداءات، هذه الاغتيالات، إنها أعمال جبناء ومجرمين ومفسدين في الأرض، مهما زعموا من مقاصد، ومهما ادعوا من تبريرات، فهي تبريرات مرفوضة وتصرفات محرمة شرعًا، لا تخدم إلا أعداء الإسلام والمسلمين، ولا ترضي إلا من يبغض هذه البلاد. إنها تسبب الفرقة، وتسبب الخوف والرعب، وتسبب الوهن، وتجعل المسلمين جماعات وفرقًا وأحزابًا، إنها أعمال منكرة لم يسبق إليها إلا الخوارج الذين خرجوا في صدر الإسلام على أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وانتهت تلك الأعمال الجريئة بقتل الخليفتين الراشدين قتلًا قبيحًا يندى له جبين التاريخ، وتتألم له النفوس المؤمنة. وهذه نهايات أفعال الخوارج، لا ينتهي أمرهم إلا عندما يقوضون الدولة، ويضرّون بأمن المجتمع.

فينبغي لنا أن لا نتساهل أيها الإخوة؛ لأن هذه الأعمال لا تؤدي إلى الإصلاح، ولا تؤدي إلى الخير، ولا تمنع الفساد، بل هي الفساد بعينه، بل هي الشر بعينه، إنها اعتداء على الآمنين وترويع للأبرياء وقتل للأنفس المعصومة. بالله عليكم، ما ذنب رجال الأمن الذين أوكل إليهم أن يقوموا بحراسة الأمن؟! إن رجال الأمن رجال لهم حقوق علينا، فهم أبناؤنا وإخواننا، وهم الذين ارتضوا بأن يعملوا في هذا السلك الخطر وفي هذا المجال الذي يقومون فيه بحفظ الأمن. إن اهتزاز الأمن لا يخدم إلا اللصوص وقُطّاع الطريق وتجار المخدرات وتجار الفساد والبغاء والدعارة. إن الأمن إذا قوي انقمعت الشرور وانكفّ أهلها، ودخلت الفئران إلى جحورها، وإذا اهتز الأمن أطل الشر برأسه، وتسابق أهل الفساد، وأمنوا لنشر فسادهم، فمن المستفيد يا عباد الله؟! بالله عليكم، أسألكم بالله، راجعوا أنفسكم، واسألوا نفوسكم بصراحة: من المستفيد من اهتزاز الأمن، ومن المستفيد من إخافة رجال الأمن، ومن المستفيد من الإضرار بأمن البلاد إلا أهل الفساد والشر والخمور والدعارة والمخدرات وتجار السلاح؟!

أيها الإخوة الكرام، إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، هكذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وهي مقولة صحيحة، إن قوة السلطان وعزته وهيبته هيبة للأمة جميعًا، ونشر للأمن وقطع للفساد والإجرام، وإن التعدي على ولاية المسلمين والاجتراء على رجال الأمن ومؤسسات الدولة جريمة وأي جريمة، جريمة مضاعفة؛ لأنها تضر بالناس جميعًا، وتتسبب في فساد البلاد وانتشار الفساد.

فلنتق الله يا عباد الله، ولنكن أعينًا ساهرة في حفظ أمن بلادنا، ولنكن أعوانًا صادقين لرجال الأمن من أبنائنا وإخواننا، رجال الأمن الشرفاء الأبطال، الذين حملوا أرواحهم على أكفهم في مطاردة تجار المخدرات وحفظ الأمن على حدود البلاد وفي شوارعها وفي طرقات الأسفار، يقومون بالليل والنهار ونحن نائمون مطمئنون في فرشنا، يقومون على حراسة طرقاتنا وعلى قمع المجرمين وملاحقتهم، فحسبنا الله على من يعتدي عليهم، وحسبنا الله على من يوجه سلاحه إلى رجال الأمن أو إلى غيرهم من الأبرياء، إن هذا إجرام ما بعده إجرام.

يا عباد الله، بالله عليكم، هل هذه المكافأة التي يكافأ بها الشباب الذين انخرطوا في سلك الجندية وفي سلك العسكرية ليقوموا بعمل شاق في تعقب المجرمين والمفسدين؟! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنه بلاء وشر أن يتحول تفكير بعض أبناء المسلمين إلى هذا الإجرام وهذا الإفساد في الأرض، ولكن نسأل الله تعالى أن يُمكِّن من المجرمين، وأن يعاجلهم بعقوبة من عنده، وأن يكشف أستارهم، ويفضح خططهم، ويوقعهم عاجلًا غير آجل في قبضة رجال الأمن.

أيها الإخوة الكرام، ليس الإصلاح بهذه الوسيلة، وليس الإنكار للمنكرات بهذه الطريقة، ليس الإصلاح بأن نقتل الآمنين ونعتدي على هيبة الدولة، إن الإصلاح يكون بالدعوة إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة، إذا كان هناك أشخاص حاقدون على الولاية أو مقهورون من السلطان فلا يحقّ لهم أن يستخدموا بعض الجهلاء في زعزعة الأمن واضطراب الحال، إذا كان هناك أناس لهم مظالم فعليهم أن يسلكوا الطرق المشروعة لاسترداد مظالمهم، إلا أن يكونوا دعاة سياسة أو يكونوا طلاب حكم أو أصحاب هوى، فهؤلاء لا حيلة لنا معهم؛ لأنهم يريدون أمرًا لا يجيزه الشرع، لا يجيز الشرع الخروج على الحاكم، ولا يجيز الشرع الإضرار بأمن الناس من أجل أنك تريد منصبًا أو تريد حاجة من حاجات الدنيا أو حانق على هذا الوالي أو هذا الأمير أو هذا الإنسان الذي حصل مالًا أو اغتصب أرضًا أو غير ذلك، وأنت محروم ليس لك حجة، ليس لك برهان، ليس معك دليل أن تسلك طريق الإفساد والإضرار بالأمن، إما أن تصبر وتسأل الله أن ينصفك، وإما أن تسلك الطرق المشروعة في التظلمات وفي الشكاوى والمحاكم، أو أن تصبر، أو أن تلجأ إلى جمعية حقوق الإنسان التي أقامها بعض الأخيار وأقرها ولي الأمر وفّقه الله بابًا من أبواب رفع المظالم ودفع الظلم عن الناس، أما أن يتجه الناس إلى حمل السلاح فهذا عمل الخوارج، وهذا هو الإفساد في الأرض بعينه. نسأل الله تعالى أن يديم علينا وعليكم نعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ رجال الأمن البواسل، ويعينهم على أداء عملهم.

إن من مات من رجال الأمن غدرًا برصاص هؤلاء المجرمين يعتبر من الشهداء إن شاء الله تعالى؛ لأنه قتل وهو يؤدي واجبه، يحرس المسلمين، وقد قال النبي: (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) ). وأقول لرجال الأمن البواسل: إنكم تحرسون في سبيل الله، إنكم إن شاء الله تعالى تجاهدون في سبيل حفظ أمننا وأمن أطفالنا وأموالنا، فجزاكم الله عنا خيرًا، وبارك في أعمالكم، وشدّ من أزركم.

إن هذه الأعمال لن تزيدنا إلا إصرارًا مع رجال الأمن، ولن تزيدنا إلا إصرارًا على السمع والطاعة لولاة أمورنا ومناصحتهم والصدق معهم والدعاء لهم، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا دين الإسلام واضح لا مواربة فيه، لا نرجو من ذلك جزاءً ولا شكورًا، ولكن نعمل بما أملاه علينا ديننا وبما يحفظ علينا وعلى إخواننا أمنهم واستقرارهم، نسمع ونطيع لولاة أمور المسلمين، ونعظم حرمات المسلمين، ونحافظ على دماء المسلمين وأعراضهم، ونتعاون مع رجال الأمن وموظفي الدولة، فإنهم نوّاب السلطان والنبي يقول: (( من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعص الأمير فقد عصاني ) ). فنحن نطيع الله ورسوله، ونطيع ولاة أمور المسلمين، ونتعاون معهم على البر والتقوى، وننصح لهم ونناصحهم، ونصبر على ما يحصل من التقصير ابتغاء أعظم الأجر، ونسأل الله الصلاح والمعافاة لنا ولولاة أمور المسلمين.

أيها الإخوة، نبرأ إلى الله من كل تستر على محدث وعلى مبتدع وعلى مفسد، ونبرأ إلى الله ممن يرضى أو يسكت أو يبرر هذه الاعتداءات على الأمن ورجال الأمن وعلى هيبة السلطان. ونسأل الله تعالى أن يهدي القلوب، ويصلح النفوس، ويبصرنا وإياكم بما ينفعنا، إذا كنا ندعو الله تعالى بالنصر لإخواننا في العراق وفي فلسطين، فمن باب أولى أن ندعو الله تعالى بالنصر لنا على أهوائنا وعلى شهواتنا وعلى أبنائنا الذين صدروا من طاعتنا، وخرجوا على ولايتنا، إذا كان بعض الناس يقنت في صلاته لإخواننا في فلسطين وفي العراق فهذا عمل جليل، ولكن لا ينبغي أن ننسى أننا في هذه الأيام بحاجة للقنوت لبلادنا بأن يحفظها الله تعالى من الشرور والأخطار المحدقة بها من الداخل والخارج، وأن يعيننا جميعًا على حفظ الأمن واستتبابه، إننا بأمس الحاجة أن ندعو الله تعالى على كل ظالم ومفسد وعلى كل مجرم ومخرب وعلى كل معتد على الأمن أن يكشف الله ستره، وأن يريح الله المسلمين من شره، وأن يرد الله الظالمين إلى جادة الصواب. وأوصيكم ونفسي بالكتاب العزيز والسنة المطهرة، تمسكوا بهما، وعضوا عليهما بالنواجذ، واحذروا ـ يا عباد الله ـ من البدع والمحدثات في دين الله، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة.

أيها المسلمون، حافظوا على أمن المجتمع، حافظوا على ترابطه، حافظوا على سلامة وحدته. هذا معنى: (عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة) ، واحذروا أسباب الفرقة وأسباب البغضاء وأسباب الإخلال بالأمن، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله سيدنا وإمامنا محمد عليه الصلاة والسلام إرضاء لله جل وعلا الذي قال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).

اللهم صلّ وسلم وبارك على الحبيب محمد الذي عظّم الحرمات، ونهى عن الاعتداءات عليها، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه ما تعاقب الليل والنهار، وارض اللهم عن آل بيته الطيبين وزوجاته أمهات المؤمنين وخلفائه الأربعة الراشدين وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارض عنا معهم بعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت